بقلم : د.جاسم محمد مهلهل الياسين
قضية إنكار المنكر قضية لا يزال اللجاج فيها قائماً، ولا تزال بعض الاتجاهات الإسلامية تروح وتغدو على غير بينة فيها، وكم سالت دموع وكم ضاعت حرم، وهتكت أستار، وضُيع صبية…. وقوضت أركان دعوة قائمة من جراء تسرع أو تعجل في دفع منكور فعاد من دفعه ما هو أشد منه .
والشواهد متوافرة ومتكاثرة على ذلك، وكثير من شباب الصحوة الإسلامية ينزلق بحميته ويتبع عاطفته فتستثار ويغيب عنه العقل فيقدم على إنكار فاحشة أو إبداء اعتراض على باطل فيتولد من تعجله ما هو أشد نكراً وأعظم فاحشة ….
ولست أصادر على المطلوب أو أزعم أن القضية من المحكمات المطلقة البيان بحسب المنهج الرياضي الذي لا يجاوز الصواب وإنما أقول أن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القضايا التي فيها ثوابت لا ينبغي أن نحيد عنها من مثل عقد النية الصحيحة لله وذلك عمود الإخلاص…. وأن يكون الفعل المأتي منكراً مجمعاً على نكارته بحيث وأن يكون صاحبه مجاهراً به يستحق التغيير وكلها دليل على الشريعة وسماحتها إلى غير ذلك من الأمور الثوابت.
وهناك أيضاً أمور نسبية تقدر بحسب الحال والوضع وهذه حوله سريعة نطوف فيها على مأساة التثبت والتبصر قبل إنكار المنكر ….
| شريعة الإسلام هي شريعة المقاصد والمعاني ، وليست شريعة الطلاسم والجمود . |
إذ هذه قضية جليلة على درجة كبيرة من الخطورة لا ينبغي لعالم ولا لجاهل أن يقدم عليهما متهجماً دون تثبت وتبصر، وإلا فإن المآل وخيم والعاقبة تعم الخاص والعام، ومن غير السهل رأب الصدع وجبر الكسر… وطالما أظلمت السماء على الأمة بسبب ذلك .
وحسبنا أن نقتبس هنا لمحات من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع هذه القضية :
- أستأذن الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا “أفلا نقاتلهم”، فقال “لا” ما أقاموا الصلاة .
- وقال صلى الله عليه وسلم ” من رأى من أمير ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يداً من طاعته” .
- ولله در ابن القيم في تعليقه على هذه الأحاديث وغيره ( ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه”[1]
ولذلك فقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم على كبائر المنكرات في مكة قبل هجرته، ولم يستطع تغييرها فكف عنها، بل لما فتح مكة وصارت دار إسلام تكفكف عن تغيير البيت ورده إلى قواعد إبراهيم عليه السلام ومنعه من ذلك مع قدراته عليه، ووفرة المكنة والعتاد وعصمة الوحي خشية وقوع ما هو أعظم منه نكراً ومن احتمال عدم صبر قريش وكانوا حينئذ قريبي عهد بالإسلام، عتيقي عهد بكفر، ولا تزال حساكاته وفوراته قريبة الجيشان، سريعة الفوران فوعى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأصل وكان دائماً له في ترك ذلك المنكر اتقاءً لأنكر منه .
ومن ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم – يخص عن قطع الأيدي في الغزو فيما رواه أبوداود في سننه خشية أن يترتب على ذلك ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره، إذا إقامة الحد على هذه الحال مظنان أن يكشف جيش المسلمين وينفض الغزو بظفر جيش الكافرين، حيث يخشى من لحوق صاحب الحد بالمشركين حمية وغضباً، ثم ذكر ابن القيم أن علماء الإسلام كأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه إلى أن الحدود لا تقام في أرض العدو[2] .
ورى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص عن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس (لا يجلدن أمير جيش ولا رجل من المسلمين حداً وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلاً لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار)[3] .
وعن علقمة أنهم كانوا في جيش بأرض الروم ومعهم حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم الوليد بن عقبة أميراً، فشرب الخمر فأرادوا أن يحدوه، فقال حذيفة : أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟!![4] .
| في السيرة النبوية ما يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك تغيير المنكر اتقاءً لمنكر أكبر منه . |
ومن ذلك أيضاً ما كان من سعد بن أبي وقاص مع أبي محجن الثقفي وقد شرب الخمر، فقيده سعدٌ وحبسه.. وكانت الحرب ضد الفرس قائمة في معركة القادسية فتاق أبو محجن إلى الجهاد وكتب قائلاً :
كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقفا وأترك مشدودا علي وثاقيا
فرأته ابنة سعد بن أبي وقاص فعاهدها على أن يجاهد في سبيل الله ويرجع إلى قيده وحبسه بعد انتهاء الجهاد، فأطلقته وأخذ فرساً لسعد كانت تدعى البلقاء، وجعل يحمل على الفرس في نواح متعددة فيهزمهم، حتى ظن الناس أنه ملك من شدة ما رأوا من شجاعته واختراقه لصفوف العدو، وجعل سعد يقول ( الصبر صبر البلقاء، والظفر ظفر أبي محجن) فلما أخبرت بنت سعد أباها الخبر قال ( والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى المسلمين ما أبلاهم فخلى سبيله) .
فقال أبومحجن عن الخمر ( قد كنت أشربها إذ يقام عليّ الحد وأطمر منها فأما إذا بهرجقني (أي أسقطت عني الحد) فوالله لا أشربها أبداً) .
قال ابن القيم معلقاً على الحادثة، وليس في هذا ما يخالف نصاً ولا قياساً ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعاً، بل لو ادعى أنه اجماع الصحابة لكان أصوب .
ثم قال “وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة” ، إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار[5]…
وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى.
وإذا كان الله لا يعذب تائباً فهكذا الحدود لا تقام على تائب وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحرابة بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى[6] .
ومن مظاهر يسر الشريعة أيضاً، ما ذكره الفقهاء من قاعدة عظيمة الشأن تنبني عليها سماحة الإسلام قوامها (أحكام الدنيا تبنى على الإسلام وأحكام الآخرة تبنى على الإيمان) .
ومعنى هذه القاعدة أن الإسلام هو دين النزاهة والحرية إذ لم يأمر بالتنقيب عن القلوب، ولا شق بطون الناس لنتعرف مخابئهم وما يضمرون في نفوسهم … بل يجرى عليهم أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونياتهم.
ولهذا قبل النبي صلى الله عليه وسلم إسلام الأعراب …. وقبل إسلام المنافقين ظاهراً وأخبر أنه لا ينفعهم يوم القيامة شيئاً، وأنهم في الدرك الأسفل من النار[7] .
| من سماحة الإسلام أن أحكام الدنيا على الإسلام وأحكام الآخرة على الإيمان . |
وقال لأسامة بن زيد لما قتل من ألقى عليه السلام متأولاً : أنه إنما فعل ذلك خوف السيف، قال له (هلا شققت عن قلبه) . وفي رواية (كيف بك ولا إله إلا الله يوم القيامة ؟)[8] .
إذن أحكام الرب سبحانه وتعالى قائمة على ما يظهر للعباد ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه .
ولذلك فإن الله سبحانه لم يجر أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنما أجراها على الأسباب التي نصبها أدلة عليها، وإن علم سبحانه وتعالى أنهم مبطلون فيها مظهرون لخلاف ما يبطنون، وهذا ما جرى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مع اطلاع الله له على بواطن بعض المنافقين في عصره ممن خالف قولهم اعتقادهم، وقد أصّل النبي لهذا المبدأ بقوله صلى الله عليه وسلم (إنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار)[9] .
ومن سماحة الدين أن المفتي إذا منع المستفتي من محظور ندب له أن يوجه المستفتي إلى بديل حلال .
وقد علق أن القيم على هذا الأصل بقوله… ممن فقه المفتي ونصحه أن إذا سأله المستفتي عن شئ فمنعه منه وكانت حاجته تدعوه إليه أن يدله على ما هو عوض منه، فيسد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه، فمثال العالم مثال الطبيب الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان[10] .
وقد صنع هذا نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم حيثما :
- منع بلالاً من أن يشتري صاعاً من التمر الجيد بصاعين من التمر الردئ ثم دله على طريق الحلال فقال (بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنياً) فمنعه من الطريق المحرم وأرشده إلى الطريق المباح .
- ولما سأله عبدالمطلب بن ربيعة بن الحراث والفضل بن عباس أن يستعملهما في جباية الزكاة ليصيبا ما يتزوجان به منعهما من الطريق المحرم وفتح لهما الطريق المباح، والله سبحانه وتعالى يسأله عبده الحاجة فيمنعه إياها، ويعطيه ما أصلح له وأنفع منها وهذا غاية الكرم والحكمة.[11]
وهكذا هي شريعة الإسلام ليست رسوماً مسطورة، ولا نقوشاً مبهرجة ولا قوالب، يتحتم الركض خلفها، وحملها دون وعي بها كما قال تعالى ( كمثل الحمار يحمل أسفاراً….. ) وصدق القائل عن بعض الجامدين الذين لا يعون ما يحملون .
| من فقه الفتوى أن المفتى إذا منع المستفتي من محظور ندب له أن يوجه المستفتي إلى بديل حلال . |
نخلص من تلك الشواهد الماضية إلى توكيد أن شريعة الإسلام هي شريعة المقاصد والمعاني، وليست شريعة الطلاسم والحروف والجمود ولذلك فقد سمى العلام بها فقيهاً، وتلك لعمري هي الخصيصة الغراء بل والفريدة العصماء التي يطنطن بها أدعياء القوانين الوضعية وفقهاء النصوص البشرية الوضعية، والذين لا يألون أصحابها جهداً في تغييرها، والسعي لسد ثغورها….
حيث يتعريها التغيير ويعتورها النقص في كل وقت، لأنها نتاج فكر بشري محدود ومقيد بحدود الزمان، وحدود المكان وحدود المعرفة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)[12] .
وهيهات لشريعة بشرية بلغت ما بلغت من الرقي والتنقيح والمراجعة أن تستديم حقباً وأن تسد خلالاً وإن بدا ذلك من ظاهرها إذ شتان بين الوحي الإلهي الرباني المعصوم وبين فكر عارض هو نتاج مفرزات بيئية معينة فيها ما هو متغاير متعارض، متناقض وإنما شريعة الله خالدة باقية نامية حية متقدة وإن تقصدها الآثمون، ولغى فيها العابثون، وسبها العلمانيون (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)[13].
وهكذا هي شريعة الإسلام، شريعة الهدى وقنديل الدجى في ليل العولمة المدلهم، وهي شمس السعادة والرفاه للبشر في ألفيتهم الثالثة الثرية في عالم المادة، والقاحلة في عالم الروح .
[1] ( أعلام الموقعين 2/4) .
[2] أعلام الموقعين 3/5-6
[3] السابق 3/6
[4] السابق نفسه
[5] السابق 3/6-7
[6] السابق 3/7-8
[7] انظر أعلام الموقعين 3/126-127
[8] صحيح البخاري
[9] السابق 3/131
[10] اعلام الموقعين 4/159
[11] السابق 4/159-160
[12] سورة الإسراء
[13] سورة الصف

