بقلم الشيخ د. جاسم المهلهل الياسين
الحركة الإسلامية… ضوابط في الفكر والممارسة (الجزء الثاني)
*الإفراط والتفريط
إن قصر النظرة إلى الغرب على أنه تحلل وإلحاد واستعمار فقط خطأ كبير .. وإن قصر النظرة على أن النفع الذي يمكن تعلمه منه لا يتجاوز استيراد تقنياته خطأ كبير كذلك.. إذ الغرب واحد… فيبدو لبعضنا على أنه النموذج الأمثل للمدينة ويبدو للبعض الآخر على أنه الشر… وكل ذلك من باديء الرأي وقلة التعمق… فالغرب ليس واحداً.,.. وليس جوهراً بسيطاً.. بل هو بنية معقدة
| النظر إلى الغرب على أنه تحلل وإلحاد واستعمار فقط خطأ كبير ونظرة قاصرة. |
متراكبة بل متناقضة… ليس هو بالعدو ولا هو بالصديق، ليس هو الخير ولا هو الشر بل فيه كل ذلك.. ويكفي قيام آلاف المؤسسات الإسلامية والندوات والمؤتمرات الإسلامية التي يستحيل عقد معظمها في بلاد الإسلام وكذلك تنامي هروب المسلمين ومنهم الدعاة والمفكرون من “الدول الإسلامية” إلى دول الغرب وقيام الآلاف من الجمعيات الإنسانية والحقوقية للدفاع عنهم والتشنيع بالمظالم الحاصلة في العالم الإسلامي والضغط على الحكام العلمانيين للحد من أذاهم وفسادهم .. يكفي أن تنظر في إعلامهم وما يتوفر عليه من صدع بالنقد الذي كثيراً ما أسقط حكومات .. يكفي النظر في أساليبهم الراقية لحسم خلافاتهم دون أن تراق قطرة دم يكفي تداول أحزابهم على السلطة دون إقصاء لصاحب فكرة… أو إتهام أحد المتنافسين خصومه بالتزييف، وإتقانهم أعمالهم وجدهم فيها واحترامهم للنظام والقانون لنضع أيدينا على بعض أسرار تقدمهم.
إن سر تقدم الغرب هنا وليس في مجرد تقدم تقنياته بل أن تلك هي ثمرة من ثمار هذا التقدم الإنساني المفقود عندنا.. ليس الآن بل منذ القرون الطوال… منذ الخلافة الراشدة، إنها السنن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من اتبعها وإن كان كافراً تقدم، ومن تنكب عنها تخلف وإن يكن مؤمناً ، ومصداق ذلك في كتاب الله “من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون” إن الخطاب الإسلامي المعاصر… بل قل العقل الإسلامي المعاصر لا يزال دون مستوى فهم معاصر للإسلام أي فهم يستوعب مكاسب العصر ومشكلاته من منظور إسلامي ، الأمر الذي يجعل القطيعة متواصلة بين الخطاب الإسلامي ومشكلات العصر، ويجعلنا نبرمج غالباً لواقع هو غير واقعنا ولمشكلات هي غير مشكلاتنا.. قد تكون في أفضل الأحوال مشكلات لأجدادنا في القرون الخالية.
* طريق الحركة
إن الذين يجعلون مشكلتهم مع الحرية والديمقراطية، وكأنهم يقولون: إن كان باب الحرية سيدخل منه الشيوعي والعلماني فليوصد وكأنهم شمشون الجبار في مقالته الانتحارية وهو يرج عمود البيت: علي وعلى أعدائي يا رب… إن هؤلاء مخطئون وقد بينا من قبل أنه لا خوف على الإسلام من الحرية التي هي مبدأ أصيل من مبادئه، بل إن الذين يخافون من الحرية هم أعداء الإسلام، ولذا فهم الذين يوصدون كل باب أمامها، ويبغونها عوجاً بالاستبداد وتزوير الاقتراع وغير ذلك من الأساليب التي هي حجر على الحرية التي ينادون بها، وهم يتهمون الحركة الإسلامية بأنها لا تنظر إلا إلى نفسها ولا تعنى بغير أمرها،
| على الحركة الإسلامية أن تتجنب التعميم والحكم على الآخرين بالجملة وليكن شعارها”ليسوا سواء”. |
وتظن أنها وحدها هي الجماعة الإسلامية وغيرها ليس من الإسلام في شيء، وهذا وهم منهم فإن الجماعة الإسلامية ليست سوى فصيل من المسلمين يقوم على اجتهاد في الإسلام وطرائق للعمل تقابلها اجتهادات أخرى وأساليب أخرى للعمل.. وهو اجتهاد لا يحمل قداسة ولا إلزاما بإتباعه ولا إثماً من الانصراف عنه، وقد يبدو في فكر بعض الجماعات جفوة عن المحيط الشعبي حولها، وعن العصر مما يسر سبيل الأنظمة المتمرنة على القمع والمواجهة استدراج تلك الحركات إلى المواجهة لبعثرة جهودها والإطاحة بمشاريعها، وقد دفعت الأنظمة القهرية بعض الجماعات إلى مناخات السرية في الفكرة والتنظيم والجفوة مع المجتمع وكثيراً ما قادت هذه الكوارث أكثر من حركة إسلامية إلى التورط في ازدواجيات أخرى “ازدواج بين السر والعلنية- ازدواج بين الخطاب والممارسة- ازدواج بين تنظيم سلمي وأجنحة عنيفة..” وكان من الطبيعي أن تسرع هذه الازدواجيات بالحركات المتورطة فيها إلى الوقوع في شباك تلك الأنظمة المدربة، وسرعان ما تؤثر أدوات القمع في تفكيك هذه الازدواجيات والوصول إلى عمق العمق وعندئذ تفاجأ الجماهير بالمشكلات التي تجري في المجتمع وتأخذ البريء مع المسيء.
| التقدم التقني في الغرب نتيجة لإتقانهم العمل واحترامهم القانون.. وهذا ما يفتقده الكثير منا. |
غير أن الحركة الإسلامية.. أو على الأقل قطاعات منها قد تعلمت بعد أن تجرعت كأس المحنة، تعلمت فن الصمود أمام استدراج الحكومات الطاغية ودفعها للحركة إلى خنادق السرية… تعلمت فن رفض إغراء الاستدراج إلى السرية والإمعان فيها… والتورط في الازدواجية ولا سيما الازدواجية القاتلة الانتحارية بالجمع في تنظيم واحد وتحت القيادة الواحدة بين أساليب العمل السلمي والعمل العنيف… فطردت في غير هوادة من صفوفها كل من أصر على ممارسة الأساليب العنيفة… كما مالت إلى ترجيح العلنية.. والحرص على العمل الإصلاحي من خلال مؤسسات المجتمع وما يتيحه القانون من فسحة مثل النقابات والجمعيات الخيرية والصحافة والعمل السياسي العلني في أي شكل متاح وإن كان بسيطاً… غير أن الصراع اليوم جلي في إرادة الحركة الإسلامية في الإصرار على العمل العلني ضمن الأطر القانونية ورفض الاستدراج صوب حمأة العنف مهما بلغ حجم الاستفزاز.
وكان ذلك هو الدرس الذي تعلمته الحركة الإسلامية من محنتها الطويلة.. أن يصبروا وأن يحتفظوا بثقتهم في الله أنه ناصرهم يوماً ما، وأن يجدوا باحثين عن كل سبيل لتوعية الشعب وخدمته وإصلاحه… مهما بدت تلك الوسيلة ضئيلة .. غير أن استمرار تراكم جهود الإصلاح تنتج في النهاية تحولاً نوعياً في ظروف مناسبة فالمهم تجنب عمليات الإجهاض.. قد تتقدم عمليات الإصلاح ببطء ولكن المهم ألا نتقهقر إلى الصفر لننتظر زمناً طويلاً للانطلاق مجدداً حتى إذا سمق البناء لم نعرف كيف نحافظ عليه واستدراجنا هنا إلى المواجهة في غياب القوى يؤدي إلى هدم البناء فإلى متى تستمر عملية البناء والهدم؟
| الحركة الإسلامية تعلمت فن الصمود أمام الاستدراج إلى الخنادق السرية مهما بلغ حجم الاستفزاز. |
غير أنه ما ينبغي أن تفوتنا ملاحظة أن هذا التطور الحاصل في الحركة الإسلامية وهو تطور محمود مشهود معظمه قد تم على صعيد الممارسة العملية أكثر منه على الصعيد النظري الثقافي المؤصل، الأمر الذي ينذر بالخطر، لأنه مع استمرار القمع والحيلولة بين القادة كبار السن المجربين وبين الشباب المتحمس يمكن أن ينفرط الزمام وينفجر المخزون وهو مخزون الثقافة الأصلية معبراً التعبير – المناسب على غرار الجماعات الإسلامية التي تختلف في مسائل كثيرة لهل أهمها.. درجة التسامح.. وليست الإيمان المطلق بأن الآخر إسلامياً أو غير إسلامي، مواطن مساو لي في الحقوق والواجبات والمشاركة في الوطن.. وإن ما معه أم ما معي من الدين هو مجرد اجتهاد يقابل بمثله ،وإن الجميع يحتكمون فيما يتعلق بإدارة شؤون الناس إلى صناديق الاقتراع وسلطة الرأي العام بدون وصاية من أحد.
إن مفهوم التعددية اكتسب على صعيد الحركة الإسلامية تقدماً مشهوداً لكنه ما يزال إلى حد بعيد قشرياً بفعل غلبة ثقافة الوصاية على الناس وادعاء كل فريق أنه الناطق باسم الحقيقة الإسلامية وأنه الفرقة الناجية… وإن ما يعرضه ليس مجرد مشروع اجتماعي سياسي استند إلى مرجعية دينية… إنه مجرد بضاعة تعرض نفسها كغيرها على السوق.. وتخضع لآلياته وليست ديناً ملزماً لا يجوز فيه الاختلاف “إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ليست منهم في شيء”.
| مفهوم التعددية اكتسب على صعيد الحركة الإسلامية تقدماً مشهوداً. |
إن أدبيات الجهاد وآلياته جاهزة للاستعمال عندما يتصاعد الغضب وتنسد الأبواب ، لا سيما وإن هذه الأدبيات هي من العمومية على نحو يجعلها قابلة لتنزل في مكانها وفي غير مكانها، ومكانها في الأصل هو الدفاع عن النفس ومواجهة القوى المعتدية على أرض الإسلام وليس الجهاد أداة لفرض الإسلام أو فرض الشريعة… إن الحرية هي الأصل “لا إكراه في الدين” وإن تحول الجهاد أداة لحسم النزاعات داخل المجتمع الإسلامي كثيراً ما يتحول إلى فتن.. ولذلك صرف جمهور علماء المسلمين الأمة عن استعمال هذه الأداة في حسم الصراعات الداخلية مهما بلغ حجم الظلم إيثاراً للوحدة والتضامن… وتعويلاً على سلطان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أي أساليب العمل السلمية.. وتعويلاً على أن الشر يتآكل من داخله… وتعين عليه المقاومة السلمية.
ورغم أنهم لم يغلقوا الباب جملة ولم يحرموا المظلوم من حق دفاعه عن نفسه ويقدموا صكاً أبيض يفرح الطغاة: افعلوا ما شئتم فحرام على مؤمن أن يرفع عصا في وجوهكم.. ولا سيما في هذا العصر الذي اشتد طغيان الأنظمة الثورية وفسقوا على أمر الله جملة فقطعوا الشرائع ووالوا أعداء الإسلام وناصبوا الإسلام وأهله العداء… ومع ذلك فإن علماء الإسلام لا يزالون يوصون الدعاة بالالتزام المطلق بأساليب العمل السلمي واقتناص كل فرصة لإنكار المنكر بشكل علني سلمي ومحاصرة أهل الباطل بأغلظ وأحوج مقال احتجاج واستنكار.. فضلاً عن التذرع بالصبر والشجاعة واحتساب ما عساه ينالهم من أذى “سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى أميره فأمره ونهاه فقتله” وإن من شأن هذه الجرأة على الطغاة أن تكسر هيبتهم وإن تجريء الجماهير عليهم وتنقل مستوى الإنكار من الحالة الفردية إلى الحالة الجماعية في حين أن أساليب العنف كثيراً ما تقضي إلى عزل الدعاة عن الجماهير وتخويفهم في الاقتراب منهم والتعاون معهم وأيما عمل تجرد من الدعم الجماهيري مآله الموات والكوارث لأن التنظيم مهما كان واسعاً لا يقدر على مواجهة وإسقاط دولة مهما كانت ضعيفة لا سيما والدول مدعومة اليوم من الخارج وجزء من بنيان دولي تحتكر في يدها أسباب القوة والبطش .
| أساليب العنف كثيراً ما تؤدي إلى عزل الدعاة عن الجماهير وتخلق الفتن وتضر الدعوة. |
إن المنهج الأوفق لحركة الإسلام أن تصبر على توعية الجماهير وأن لا تستهين بوعيها وإلا تستعجل لها الخطر، وأن تضبط الحركة سرعة سيرها وفق تقدم الجماهير واستعداداتها وكل خطأ على هذا الصعيد قاتل، وأن يكون وعي النظام الدولي القائم ومحاوره وتحولاته في الحسبان وأن تسعى الحركة في كل الأحوال وعلى كل الجبهات لكسر شوكة العداء ضدها والبحث عن الأصدقاء في كل المعسكرات.. وأن ترفض التعميم والحكم بالجملة على الآخرين، وشعارها “ليسوا سواء”.
إن الزمن يتطور لصالح الحركة الإسلامية ولكن ليس على المستوى القريب في المستوى المتوسط “20سنة” وفي المستوى الأبعد “قرن” فنصبر ولنجعل شعارنا الأعظم “إصلاح المجتمعات” فيكون عملنا مركزاً على التثقيف والتربية والإعلام والاقتصاد وكسب الأصدقاء على كل صعيد وعقد التحالفات على أرضية الحريات والتضامن الوطني وحقوق الإنسان.. وتجنب المواجهة مع الدول واقتناص كل مساحة للحرية وتوسيعها بيسر واستغلالها في رفق، والعمل في غير كثرة ضجيج وتجمهر مع تصغير الإعلان وتكبير العمل.. والاهتمام بالأمومة والطفولة… وتأصيل قيم الحرية والديمقراطية الشورية ومرجعية الأمة والإحساس بآلام المساكين وتنمية العمل الاقتصادي والحسي الجمالي والروح الإسلامية والإنسانية وذلك استعداد للمستقبل الإسلامي الزاهر.

