بقلم د.جاسم محمد مهلهل الياسين
يروي لنا التاريخ أن رجالاً خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريباً يتعبدون، فبلغ ذلك الصحابي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد، فقال عبدالله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا، وقد أثرت هذه القصة في العالم المجاهد عبدالله بن المبارك الذي أورد هذه القصة في كتابه (الزهد) فكان رحمه الله يحج سنة ويجاهد سنة، وفي بعض الروايات كان يغزو كل سنة بلاد الروم، ويتخذ من طرطوس مقراً لرباطه في سبيل الله (تقع طرطوس في جنوب تركيا الآن)، ولم يمنعه علمه وروايته للحديث وطلب العلم من القيام بالجهاد، بل إن ابن خلكان يصف هذا الإمام الجليل فيقول :” هو الحافظ شيخ الإسلام المجاهد، التاجر، صاحب التصانيف والرحلات، وقد جمع الحديث والفقه والعربية والشجاعة والسخاء، وله كتاب في الجهاد وهو أول من صنف فيه” ولأن عبدالله بن المبارك يدرك قيمة الجهاد وأثره وهو الذي اتخذ رباطاً في كل عام، يرى أن العالم يجب أن لا تشغله عبادته وتنسكه عن الجهاد في سبيل الله، ولذلك نراه ينكر على رفيقه الزاهد العابد الثقة الفضيل بن عياض رحمه الله اعتزاله ومجاورته في مكة وتركه الجهاد وأرسل له رسالة هي من عيون الشعر يقول فيها :
يا عابد الحرمين لو أبصــرتنا لعلمت أـنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحـورنا بدمائنا تتخضــــب
أو كان يتعب خيله في باطــــل فخيولنا يوم الكريهة تتعــــب
ريح العبير لكم، ونحن عبيرنا رهج السنابل والغبار الأطيب
ولقد أتتتتـانا عتن مـقال نبينتا قول صحيح صادق لا يـكـذب
لا يستــوي غبار خــيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلتهب
هذا كتــــاب الله ينطـــــق بيننا ليس الشهـــيد بميت لا يكذب
وقد وجه ابن المبارك هذه الرسالة إلى الفضيل بن عياض الذي كان يلقب بعابد الحرمين، فماذا نقول اليوم لمن انصرف عن الجهاد والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا إلى كثرة العبادة، بل إلى الراحة وترف النساء وجمع الأموال والحرص على إرضاء الزوجات والتبسط مع العيال وترك أمور المسلمين كالشياه الضائعة في الليلة الشاتية، على الرغم مما أتاه الله من سعة علم واتساع معرفة في الشريعة وأصولها.
| عندما ينشغل الداعية مع زوجته بلون الستائر في المنزل ونوع الهاتف النقال في الجيب والرصيد المالي في البنوك … فماذا يبقى للتفكير في أمور الدعوة والجهاد ؟ |
إن من علماء المسلمين اليوم للأسف قد أصبح بوقاً للتخذيل، وجسراً لتكبيل معاني الدعوة إلى هذا الدين والجهاد في سبيل تبليغه إلى الناس كافة، واتخذوا من العبادة وحلقات العلم –على الرغم من جلالها وقدرها- وسيلة لإماتة واجبات الدعوة والجهاد الحقة، وقد أصبحت تخريج هذه الطائفة من العلماء للتخذيل وتقديم الأعذار محفوظة ومعلومة، فهم يدعون تارة أن اللعبة السياسية وتتطلب حفظ الموازنات، وأن التعقل مطلوب، والرفق والحنو واللين أمر مرغوب، وأن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح، وهي بلاشك كلها معاني صحيحة لا نختلف عليها، ولكنها للأسف استعملت في المواقع الخاطئة والظروف الخاطئة، فجعلوا منها أعذاراً وستاراً يسترون بها تقصيرهم في واجب الدعوة والجهاد في سبيل الله.
المنهج الصحيح :
لقد أصبحت “المصالح الشرعية” كقميص عثمان هذا الزمان، يستخدمه كل من يشاء ليفلت من واجب الدعوة والجهاد في سبيل الله، وكأن المصالح الشرعية لا أصول ولا ضوابط لها، فترى الفريق الذي يعتدي على الأبرياء ويقتل الأطفال والشيوخ يضع اجتهاده على شماعة (المصالح الشرعية) وترى الفريق المقابل يستخدم نفس الشماعة ليجلس آمناً في سربه بعد أن تملص من واجب الدعوة والجهاد، وكأنه يود أن يكون بادياً في الأعراب يسال عن أخبار المسلمين.
إن الهجمة على الإسلام وأمته، والعقيدة الإسلامية أصبحت واضحة لا تحتاج إلى طول نظر لكي يدرك حتى بادي الرأي أن الإسلام وقيمة هي التي باتت مستهدفة، وأن زلات الألسن تكشف ما في صدور أعداء هذه الأمة، وأن شعارات القيم الإنسانية، وحقوق الإنسان سقطت أمام الممارسات اليومية التي تنقلها وسائل الإعلام بدءاً من كابول وانتهاء بكوبا، حيث المعاملة اللإنسانية التي يتم التعامل بها مع أسرى المعارك.
| أصبحت المصلحة الشرعية قميص هذا الزمان، الكل يستخدمها ليجد مبررات للنكوص والتراجع. |
كما يمكن تفسير هذا الهجوم على المدارس والمعاهد الدينية والعمل الخيري والرموز الإسلامية والتضييق عليهم، وتوزيع الاتهامات بالجملة على المؤسسة الإسلامية ضمن سياق النظرة العامة بالشك لكل من يرفع هوية لا ترضى عنها مؤسسات العولمة التي تريد القضاء مبكراً على كل معاقل المقاومة الفكرية في هذه الأمة، وفي الوقت الذي تتعرض فيه حلقات القرآن الكريم لتشكليه واسعة من تهم الإرهاب، نجد الدعوات تنطلق عالياً للدفاع عن الشواذ التي يتعرضون للمحاكمة في مصر العزيزة!!
وهاهي الهجمات تتوالى لا تفرق بين مختلف الدعوات الإسلامية، فتارة ما يلعبون بالورقة الطائفية للهجوم على مصر، وتارة يلعبون بالورقة الإنسانية للهجوم على الشقيقة الكبرى السعودية.
إن علماء الإسلام مطالبون ليوم، وأكثر من أي وقت مضى، لأخذ الكتاب بقوة، والثبات على المنهج الصحيح والدفاع عن قيم الأمة وهويتها، بلا مداهنة زائفة، ولا مجاملات كاذبة، وليبتعدوا عن فقه (المعاذير) فالتخاذل لا يصنع تاريخاً، واستساخ الإسلام كما يريد الأعداء لا يعفى علماء الإسلام من المساءلة إمام الله سبحانه وتعالى في يوم الحشر العظيم.
وليثق العلماء أنه لا يقع إلا ما يريده الله، فالآجال مكتوبة، والأرزاق محدودة، والنصر لهذا الدين في مرتبة اليقين، فبأئ حديث بعد هذا يتخاذلون عن واجب الدعوة والجهاد، وإرشاد الأمة، وتوضيح الحقائق واضحة شفافة على هدى من الكتاب الكريم وصحيح السنة .
| لا يحتاج حتى بادي الرأي إلى طول نظر ليدرك أن الإسلام وقيمه هي التي باتت مستهدفة . |
هل يودون أن نذكر سادتنا العلماء بقول سيد البشر في الحديث المتفق عليه (والذي نفس بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) وقوله عليه الصلاة والسلام :”من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه (أخرجه مسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وقوله صلى الله عليه وسلم الصريح في الحكم على من لم يجاهد أو يحدث نفسه بالجهاد عندما قال في الحديث الذي رواه مسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق) وكما نود أن نذكر علماءنا الأفاضل أن العين التي باتت تحرس في سبيل الله مثلها مثل العين التي بكت من خشية الله لا تمسها النار.
فقه الجهاد :
إن الجهاد في سبيل الله ماضي إلى يوم القيامة، لا يضره لا تشويه من أساء إلى قيمته وقام به دون أن يفهم ضوابطه وأصوله وأحكامه، ولا من تخاذل عنه ولبس رداء العافية وانشغل مع امرأته بلون الستائر في المنزل ونوع الهاتف النقال في الجيب وكمية الذهب والمال في البنوك!!
لقد أصبح من الواجب إعادة إحياء فقه ( الجهاد) في النفوس، فأخطر ما يمكن أن يفعله العدو أن يصيبنا بالهزيمة النفسية، فبعدها لا محالة الهزيمة الميدانية قادمة، ولنا في سلفنا وعلمائنا السابقين خير معين، فقد فصلوا في هذه المسألة تفصيلاً لم تبق لسائل سؤال، ولا لكاتب مقال، ففي المغني “لابن قدامة الحنبلي” قال : “والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين، ويتعين في ثلاثة مواضع: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف ويتعين عليه المقام، وإذا نزل الكفار ببلدة تعين على أهله قتالهم ودفعهم، وإذا استنفر الإمام قوماً لزمهم النفير معه، وأقل ما يفعل مرة كل عام” ، أما الإمام أحمد بن حنبل فقد قال : “لا أعلم شيئاً من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد” كما أن الإمام ابن حزم ذكر في (المحلى): “والجهاد فرض على المسلمين فإذا قام به من يدفع العدو ويغزوهم في عقر دارهم ويحمي ثغور المسلمين سقط فرضه عن الباقين، وإلا فلا” ، بل إن الله سبحانه وتعالى يرفع الحرج عن المسلمين وهم يجاهدون في سبيله، فعندما قطع المسلمون بعض (نخل) بني النضير، بعد أن حاصروهم في حصنهم، أشاع اليهود أن المسلمين يقطعون الزرع، فتحرج المسلمون حيث كانوا منهيين قبل هذا الحادث وبعده عن مثل هذا الاتجاه في التخريب والتحريق، فاحتاج هذا الاستثناء إلى بيان خاص يطمئن القلوب فجاءهم هذا البيان الذي يربط الفعل والترك بإذن الله قال تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) فأمر الجهاد قائم ومن يرغب في النصرة الجهاد بالنفس وهو في بلد بعيد فلابد أن يعلم أولاً أن الجهاد بالنفس ليس مطلوباً منه، لأن الجهاد بالنسبة له فرض كفاية وليس فرض عين، فالمجاهدون ليسوا بحاجة إليه، وإذا دعت حاجتهم إلى الرجال، فيلزم أقرب البلاد إليهم وهم أهل البلاد المجاورة، فإن انضموا للجهاد واحتاجوا إلى مدد من الرجال فيلزم من يلي بلادهم وهكذا، قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعملوا أن الله مع المتقين) ويقول الإمام ابن تيمية:”إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب إنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب” ويقول الإمام ابن عابدين :”إن هجم العدو بلاد الإسلام فلاريب أنه يجب دفعه على الأقرب من قرب منه، فأما من وراءهم يبعد عن العد فهو فرض كفاية، إذا لم يحتج إليهم، فإن عجز من كان بقرب العدو على المقاومة مع العدو، أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه، وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً و غرباً على هذا التدريج” وقد أفتى بهذا الحكم الكاساني وابن نجيم وابن الهمام.
| في الوقت التي تتعرض فيه مدارس القرآن للتضيق والحصار، نجد هناك من يدافع عن حقوق الشواذ الذين يتعرضون للمحاكمة في مصر العزيزة . |
وإذا سقط الجهاد بالنفس عن أهل البلاد البعيدة، فإن نصرتهم بالمال لا تسقط ماداموا قادرين على البذل، فالجهاد بالمال لا يتقيد ببعد البلاد وقربها وإنما بالقدرة على البذل ، وهذا ما يسع المسلمين وغيرهم من الميسورين في شتى البلاد، والجهاد بالمال من أبلغ الجهاد وأعظمه إذا كانت الحاجة له ولذا قدمه الله تعالى على بذل النفس في جميع المواضع فقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) وقال الله تعالى (الذين هاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) وقال الله تعالى (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ) وقال تعالى (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم) ومن لا يتيسر له المال فيدعوا لهم وهو من أعظم العبادات .
وإذا كان الجهاد بالنفس فرض كفاية على البعيد، فلا يخرج للجهاد إلا بإذن الوالدين لأن بر الوالدين مقدم على الجهاد حينئذ لما روى عبدالله بن عمرو بن العاص قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال عليه الصلاة والسلام : أحي والداك؟ قال : نعم . قال : ففيهما فجاهد:” ولأن الأصل في الجهاد أنه فرض على الكفاية ينوب عنه غيره فيه، وبر الوالدين والعناية بهما فرض متعين.
صعوبة التغيير :
نعم إن التغيير صعب على النفس البشرية، والتحول من حال الترف إلى صهوات الجياد تتطلب مكابدة النفس، وتدريبها على خشونة العيش، وإعداد البيت المسلم للجهاد وحياة الجهاد، وفي ذلك يقول ابن خلدون :”فإن من أدرك أباه وأكثر أهل بيته يلبسون الحرير والديباج، ويتحلون بالذهب في السلام والمراكب، ويحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات، فلا يمكن مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في اللباس والزي والاختلاط بالناس، إذ العوائد حينئذ تمنعه وتفضح عليه ما ارتبكه” أما الأسرة التي تربى وليدها على التوسط في المعيشة، والبعد عن الترف والكسل، فهي التي تنشئ جيلاً قادراً على حماية الأمة وحفظ فريضة الجهاد ولذلك كان التابعين يعلمون أبناءهم المعارك التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلمونهم السورة من القرآن، ويروى عن اسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، وكان يقول :”يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها” لذا وجدنا كيف كان كتائب الجهاد تغدو شرقاً وغرباً لنشر الدعوة الإسلامية، حتى غدا البيت المسلم بيتاً مجاهداً، ويروى في ذلك أن تقدم المسلمون في أواسط آسيا فاتحين مبشرين بقيادة حبيب بن مسلم الفهري، الذي خرج ذات يوم للجهاد قائلاً لزوجته : إلى اللقاء، وهو يودعها، فقالت : أين؟ قال : في خيمة قائد جيش العدو، أو في الجنة – إن شاء الله- ونشبت المعركة، وحمى وطيسها، ونصر الله جيش المسلمين، وما إن وصل حبيب إلى خيمة قائد جيش العدو حتى فوجئ بزوجته تقف في وسطها وبادرته : ألم تقل عند خروجك: إلى اللقاء في هذه الخيمة أو في الجنة؟ فما بال نساءنا اليوم مشغولات بالتنقل بالأسواق والاهتمام بالغيبة والنميمة وبرامج الريجيم ودورات الطبخ، والتنقل بالأولاد من مطعم إلى آخر، وإذا كانت نساء المسلمين في السابق على هذا القدر من الفهم لمستوياتهم فأين علماء الأمة اليوم من تحمل هذه التعبات والمسئوليات في هذه الأوقات العصيبة والفتن التي تمر بها الأمة؟
| يلعبون بالورقة الطائفية للهجوم على مصر، وبورقة حقوق الإنسان للهجوم على السعودية، وهم لا يعترفون حتى بأسرى الحروب . |
أولا يذكرون مقولة ابن الوليد الرائعة رضي الله عنه :”وما من عمل أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة شديدة الجليد، في سرية من المهاجرين، بتّها وأنا متترس والسماء تنهل عليّ، وأنا انتظر الصبح حتى أغير على الكفار، فعليكم بالجهاد”
العلماء المجاهدون :
ولذلك ضرب علماء الأمة من السلف الصالح أروع الأمثلة في الجمع بين العلم والعمل، والدعوة والجهاد ومجالس العلم وساحات الوغى، ودروس العلم وبوارق السيوف فكان البدر العيني شارح البخاري الفقيه المحدث يغزو سنة ويحدث العلم سنة، ويحج سنة، وكان القاضي أسد بن الفرات المالكي أميراً للبحر في وقته، وكان الإمام الشافعي يرمي عشرة أسهم ولا يخطئ، وكان نور الدين محمود زنكي يحضر مجالس العلم، ولم ير مبتسماً قط، وكان يقول (إني لأستحي من الله أن يراني مبتسماً، والمسلمون يحاصرهم عباد الصليب)، وكان الإمام ابن تيمية يواجه التتار بعد أن أخذ دعاة الهزيمة والتردد ينشرون الفزع في القلوب، فطلب ابن تيمية من الجند والأمراء أن يفطروا وكان شهر رمضان، فاستمرت المعركة مع التتار طوال اليوم الرابع من رمضان حتى أذن الله بالنصر مع وقت العصر، وهذا استمر العلماء يقودون الجهاد في كل عصر ومصر لا يتوانون عن واجبهم ولا يتعذرون بالتفرغ لنشر العلم ورعاية طلبة العلم، عن الدعوة للجهاد ونصرة الإسلام، حتى قال أحد الأمراء عندما وجد سبابة أحد العلماء في جيشه وهي مرفوعة تدعو بالنصر للمسلمين: إن هذه السبابة أحب إلى من مئة ألف مقاتل”، وصدق الإمام البنا عندما قال :”إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهم الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت” .. فلا نامت أعين الجبناء .

