بقلم د.جاسم محمد مهلهل الياسين

العولمة هي الاستعمار بأشكال جديدة

لقد شاع في العقد الأخير من القرن العشرين استخدام الباحثين والمحللين في عالمنا العربي والإسلامي لمصطلح العولمة Globalization وكثر حوله الجدل العلمي والخلط الشديدين في منتجاتهم الفكرية والثقافية وبعضهم أفرط في تمجيده والإطراء عليه والتبشير به إلى حد تصويره على أنه المنقذ والمهدي المنتظر، والبعض الآخر رفضه تماما وتعامل معه على أنه رجس من عمل الشيطان، وفريق ثالث رأى أن العولمة أصبحت واقعا ولا فكاك منها والأمر يقتضي إعداد برامج مقاومتها والتحصن بمصدات واقية إلى جانب الاستفادة من حسناتها إن وجدت.

العولمة ليست نظرية طارئة أو مجرد فكرة ولدت بشكل عفوي في رحم الفكر الغربي وإنما فلسفة منظمة ومنهج مدروس.

وفي هذا الصدد يمكن القول بأن ظاهرة العولمة ليست نظرية طارئة أو مجرد فكرة ولدت بشكل عفوي في رحم الفكر الغربي وإنما هي فلسفة منظمة ومنهج علمي يستهدف تحقيق استراتيجيات محددة على صُعد شتى في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية، إذ بعد اندحار الخطر الأحمر في مطلع التسعينات وانتهاء الحرب الباردة التي دامت قرابة نصف قرن انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بالأحادية القطبية، وراحت تكرس وجودها وحضورها المباشر عبر التدخل في شئون بعض الدول وخاصة الدول العربية والإسلامية، وما أدل على ذلك من تدبيرها لحرب الخليج الأولى وقيامها بالثانية إعدادا وتنفيذا بعد أن وجدت ضالتها المنشودة في ديكتاتورية النظام العراقي الغاشم، وحصارها لليبيا والسودان واستفزازها المستمر لسوريا وإيران، وعلى الوجه الآخر تحالفها السياسي والعسكري والاقتصادي والاستراتيجي مع الكيان الصهيوني لكي تضمن له التفوق على خصومه من العرب والمسلمين.

وقد اعتقدت الولايات المتحدة الأمريكية أنه بعد انتهاء الشيوعية لم يعد أمامها أية عقبة لفرض هيمنتها على العالم، والقيام بدور الشرطي المنظم لحركة إيقاعاته لكنها تنبهت إلى ما أطلق عليه في الكتابات الغربية بالخطر الأخضر (الصحوة الإسلامية) الذي بدأ يتململ في مرقده وهذا ما تحدث عنه ريتشارد نيكسون في كتابه “الفرصة السانحة” وهنتنجثون في مؤلفه “صراع الحضارات” ومن ثم اعتبر المعسكر الغربي بزعامة أمريكا المد الإسلامي هو العدو الأول الذي يهدد مصالحه، وهنا بدأ خطر العولمة يتعاظم وتتفاقم حدته ووصلت العولمة إلى أن أصبحت ظاهرة ملموسة بعد أن صار العالم أشبه بالقرية الصغيرة بفضل الثورة الاتصالية الهائلة التي تملكها أمريكا وتعمل من خلالها على عولمة كل مجالات الحياة المادية والأدبية وتذويبها في سراديبها.

هذه الكوكبية أو ما يسمى بالكونية ليست وليدة اليوم ولكنها نتاج لعصور سابقة وإن حملت أشكال مختلفة وحلقات متباينة ومن هنا نستطيع أن نقول إنه إذا كانت السياسة هي الحرب بوسائل أخرى فإن العولمة هي الاستعمار بأطياف جديدة من أجل تحقيق البرجماتية الأمريكية وقد عضد هذا المعنى اللورد بالميرستون عام 1848 بقوله “لا يوجد عندنا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة وإن مصالحنا هي الباقية والدائمة ومن واجبنا الحفاظ على تلك المصالح”

إذن لا مشاحة في المصطلح كما يقولون فالمقاصد واضحة والأهداف محددة والاستراتيجيات مرسومة فهناك محاولات تهميشية واضحة للفكر العربي والإسلامي أمام التهديدات العولمية من خلال فرض اتجاهات الأسواق المفتوحة دون دراسة لواقع الاقتصاديات العربية فضلا عن فرض إصلاحات اقتصادية غير ملائمة للظرف الحالي، وإشاعة قيم الاستهلاك والنفعية والربح السريع عبر آلياتها الخطيرة الممثلة في اتفاقية الجات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والشركات متعددة الجنسيات، وقد انتقد التقرير السنوي الأخير لبرنامج الأمم المتحدة بشدة مخاطر ظاهرة العولمة مؤكدا أنها تخدم مصالح الدول الغنية وأرباح الشركات المتعددة الجنسيات ولا تخدم مصالح الشعوب لا سيما في الدول النامية كما أنها لا تخدم مستقبل البشرية بشكل عام.

مشروع استحواذ وسيطرة:

وتتعاظم خطورة العولمة بإصرارها على فرض ثقافة عالمية واحدة عبر الآلة الإعلامية الضخمة التي تتمثل في استغلال مبتكرات الاتصالات والمواصلات والفيديو والكمبيوتر والإنترنت وغيرها في نشر الثقافة الوافدة ومما يؤسف أن إعلامنا العربي يردد ما تبثه أبواق الغرب دون تمييز بين غث وسمين وقد وجد بين ظهرانينا من ينكر حقنا في احتفاظ أمتنا بخصوصيتها الحضارية والثقافية والاجتماعية إلى درجة التأثر بالأجواء الغربية والدعوة إلى الفكر الليبرالي الغربي ومن بين هؤلاء رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم من تلامذتهم المعاصرين مثل فؤاد زكريا ووجيه كوثراني والسيد ياسين وسعيد العشاوي وحسين أمين وغيرهم.

الولايات المتحدة تقوم بدور الشرطي المنظم لحركة إيقاعات دول العالم وخاصة الدول العربية والإسلامية.

وبهدف تطويع إرادة المسلمين وتشكيل عقولهم ومسخ هويتهم وعولمة القيم الأسرية دون مراعاة لخصوصيات المجتمعات نظمت الولايات المتحدة الأمريكية مؤتمرات السكان الدولية التي عقدت بالقاهرة وبكين وأسفرت فعالياتها عن توصيات أقل ما توصف به أنها تصطدم بالمشاعر الإنسانية فضلا عن الإسلامية إذ تحدثت عن النوع الواحد وزواج المثلين وإباحة الإجهاض وأفرطت في توسيع دائرة الحرية إلى حد الفوضى والإباحية والانفلات الأخلاقي ضاربة بالمعتقدات الدينية عرض الحائط.

هذا الفكر الهيكلي الذي يسعى الغرب بزعامة أمريكا إلى تجذيره في أوساطنا ما هو إلا محاولات تنميطية ترفض قيام المجتمع الإنساني على أساس التعدد والتنوع وهذا ما يصطدم بالسنن الإلهية القائمة على التنوع والتعدد ويؤكد أن العولمة مشروع استحواذ وسيطرة وإشاعة فكر عالمي واحد.

وسائل مقاومة:

ولما كانت ظاهرة العولمة الجديدة في مفهومها القديمة في جوهرها أصبحت أمرا واقعا وملموسا فإن مصلحتنا بل ووجودنا يقتضي إعادة صياغة المنظومة العربية والإسلامية بما يقيم لها وزنا ذا شأن في الميزان الدولي الاستراتيجي خاصة أنها تمتلك المعطيات التي تجعلها ذات قوة لا يستهان بها، ومن ثم لا بد أن يعمل الباحثون والمنظرون أقلامهم وأفكارهم في الدعوة إلى استثمار فكرة العولمة على صعيدي الاستفادة من محاسنها المتصلة بالإنجازات العلمية خاصة أن البحث العلمي والتقني في عالمنا العربي يحتاج إلى جهود كبيرة لعل أهمها محاولة تهيئة الأجواء لإعادة الأدمغة العربية المهاجرة والتي تشكل 30% من العقول الأمريكية حسب آخر إحصاء، الأمر الثاني أن وجود العولمة في حد ذاته والحذر من مخاطرها يستوجبان استنهاض عزيمة الأمة وهمتها ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تدشين مجموعة وسائل مقاومة لعل أهمها:

  • أنه في إطار فن الممكن لا بد من تفعيل التجمعات والكيانات والتكتلات والمنظمات العربية والإسلامية أمثال “منظمة المؤتمر الإسلامية وجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية وتجمع الدول الثمانية الاقتصادي ومجلس التعاون الخليجي” إلى درجة أنه لا بأس من تغيير الدساتير والقوانين الحاكمة لبعض المنظمات بهدف تفعليها، فضلا عن الدعوة المستمرة إلى السوق العربية والإسلامية المشتركة، وتنمية الاتحادات والتجمعات المهنية العربية والإسلامية، وتعميق الاهتمامات المشتركة بينها، وتوحيد الأجهزة الإعلامية لتكوين رأي عام موحد إزاء مخاطر العولمة، وإنشاء جيش عربي وإسلامي قوي، وصبغ التعليم في جميع درجاته ومستوياته بالصبغة الإسلامية لصد الغزوة الثقافية الشرسة التي تروج لها العولمة، والتنسيق بين جامعاتنا بهدف أسلمة العلوم الإنسانية.
  • تأسيس مشروع عربي وإسلامي مواز ومغاير للمشروع الأمريكي الصهيوني والصليبي بات أمرا حتميا وضرورة ملحة تفرضها الخبرة التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأفكار العربية لمواجهة برامج العولمة، وهذا لن يحدث إلا من خلال حوار شوري وديمقراطي نزيه داخل الدولة الواحدة أولا لاستثمار طاقات القوى الحية وتوحيد الجهود الداخلية ثم ننتقل بهذا الحوار إلى الحوار العربي العربي أو ما يعرف بالتطبيع العربي الإسلامي حتى نستطيع إقامة مصالحة عربية فعلية تستند إلى وحدة العقيدة والشريعة أو تجسد في النهاية منظمة دولية –كما دعا د. عبدالرزاق السنهوري- لتتولى المهام التي كانت من وظائف الخلافة الإسلامية وهي المحافظة على مقومات وحدة الأمة.
  • هذه الأخطار العولمية ينبغي أن تفرض على حكام العرب والمسلمين اللياذ بشعوبها والتحصن بها عبر تحسين سجلات حقوق الإنسان والالتزام العقائدي بالخصوصيات الدينية والحضارية حتى لا نغرق في طوفان الغربنة والأمركة كما أن التمسك بهويتنا الدينية والثقافية يسهم في حفظ ذاتنا وحمايتنا من هذه الأخطار.
  • لا بد من التأكيد بأن العولمة بمعنى العالمية هي فكرة إسلامية صميمة نادت بها الأديان السماوية نظريا وعمليا وتجلت بمصداقيتها الأخاذة في دعوة الناس كافة إلى الإسلام وبالتالي فنحن أولى بعولمة قيمنا وأدبياتنا الإسلامية السابقة التي تستهدف تحقيق الخيرية والسعادة للإنسان في الدنيا والآخرة ومعروف أن الإسلام دين عالمي يلائم النظرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها دون حرج أو مشقة ومن الأدلة القرآنية لعالمية الإٍسلام “ادخلوا في السلم كافة” “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة” “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وقال النبي صلى الله عليه وسلم “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”

المستقبل لأمة الإسلام مع ظلام الليل:

لقد شهد العالم الإسلامي منذ أواسط القرن الحالي، وبصورة أوضح خلال العقدين الأخيرين حالة بارزة من الصحوة الإسلامية تجلت مظاهرها وأوجه تعبيرها على امتداد اجغرافيا الواسعة للعالم الإسلامي، وهذا دليل على عودة الإسلام مجدداً إلى قلب الحركة الفكرية والسياسية، ومفردات المعادلة الدولية بعد غيبة طويلة قد فرضت عليه بقوة الجيوش الغازية، وما لحق ذلك من اتفاقيات ومعاهدات كان أبرزها سايكس بيكو 1916م التي قسمت العالم الإسلامي إلى مناطق نفوذ دولية، ثم تفكيك ما تبقى من رموز الحضور السياسي للمسلمين في المسرح الدولي بسبب إنهاك الدولة

هناك محاولات تهميشية واضحة للفكر العربي الإسلامي أمام تهديدات العولمة تتجسد في تكريس قيم الاستهلاك والنفعية والثقافة الوافدة وتشجيع الانفلات الأخلاقي.

العثمانية، وقضم أطرافها في البداية ثم تتويج هذا المسار بإلغائها وشطبها جملة، وبذلك تحول العالم الإسلامي من رقم صعب في المسرح الدولي إلى مجرد ملف في أجندة الساسة الغربيين سمي في البداية مشكلة الرجل المريض، وأخيراً “المسألة الشرقية” ولكن بفضل الله ثم الجهود الرائدة الإصلاحية الإسلامية وأعلامها المجددين بدأ الخط الإسلامي يفرض نفسه وحضوره ليس على القطاعات التقليدية التي تركت للمسلمين بل أصبح له حضور على القطاعات الحديثة – السياسية والاقتصادية والاجتماعية – وبدأ المظهر الإسلامي يلاحظ في أوساط النخبة المثقفة والقوى السياسية المنظمة، وفي الحركة التلقائية والعميقة في المجتمع.

وهذا الرجوع طبيعي بعد أن رمي الإنسان في صحراء تعوى فيها ذئاب الرأسمالية وكلاب الشيوعية.

تعال معي لنقف على الحقائق:

الحقيقة الأولى: أن داء الأمة من دمارها من داخلها وهو داء الفرقة الذي عصف بالأمة على مستوى الدول والجماعات والأفراد، وعلاج هذا الأمر لا يكون إلا من المجتمع الإسلامي نفسه، ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه قال صلى الله عليه وسلم: (سألت ربي ثلاثاً: فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسّنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها) وعلى هذا يكون الصراع المدمر للأمة من داخلها أما من خارج الأمة من الكفار بشتى أشكالهم فهذا أمر طبيعي خاضع لنظام التدافع الموجود منذ الخليقة “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد” “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض“.

الحقيقة الثانية: إن بقاء الأمم ودمارها بحسب تعاملها مع نواميس الكون وسنن الله الشرعية والكونية.

الحقيقة الثالثة: لقد استطاع اليهود أن يحولوا العداء اليهودي النصراني إلى موالاة ومحبة؟ فالنصارى مع كفرهم أقرب إلينا معاشر المسلمين (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) ولكن كيف استطاع اليهود أن يزرعوا في المؤسسة الدينية النصرانية شخصاً يهودياً (شارك اليهودي) وهو بولس الأول، ثم بولس الثاني الذي لن يختلف عن الأول – كيف استطاعوا ذلك .. أمر يحتاج إلى دراسة !!

الحقيقة الرابعة: أن انتصار الإسلام والمشروع الإسلامي لا يفترض أن يخرج من عباءة الخلافة بل الخلافة أو الحكومة الإسلامية هي نتاج المشروع الدعوي، ولا يمكن الربط بين وجود الخلافة والمشروع الدعوي، ثم إن تحقيق وإنجاح المشروع الإسلامي ليس له صورة واحدة متكررة بل الوسائل متغيرة بحسب واقع الأمة والطبيعة المجتمعية للعالم، فإن كان المسلمون اليوم لا يملكون من أمر القوة العسكرية شئ فلا يعني أنه لن يتحقق نصر الله، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح رومية والقسطنطنية ففي مسند الإمام أحمد قال عبدالله بن عمروبن العاص بينما نحن حول الرسول صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مدينة هرقل تفتح أولاً يعني القسطنطينية).

فانتصار الإسلام وتحقيق المشروع الإسلامي الحضاري في العالم سيتحقق وهذا الفتح ليس بالضرورة أن يكون كما في الصور القديمة من تجهيز الجيوش من دار الخلافة إلى الثغور والبلدان، بل نص الحديث مطلق من حيث فتح رومية أما الطريقة والكيفية فكل زمان بحسبه ولكن المتفق عليه أن عملية الفتح ستكون بالعهد البشري من أناس تجردوا لله سبحانه

معالم نصر هذه الأمة:

  1. الاعتقــاد الجازم أن نصر الله آت ومتحقــق (حتى إذا استيئس الرسل … ) يوسف 110
  2. أن النصر والهزيمة متبادلة بين البشر (ألم، غلبت الروم) فنظام التدافع منصوص عليه بآية محكمة (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) ونظام المداولة هذا يختلف عندما يكون المنافس هو الإسلام، فهو مع الجهد البشري والأخذ بالأسباب ينتصر بسرعة، انظروا إلى هذا النص قال العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه أنه قال: “رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارساً، ثم رأيت غلبة المسلمين فارساً والروم كل ذلك في مدة خمس عشر سنة”.
الفكر العولمي يرفض قيام المجتمع الإنساني على أساس التنوع والتعدد من خلال المحاولات التنميطية وهو ما يصطدم بالسنن الإلهية.

نعم كما قال سيد قطب (ظلت وسائل التشكيك في هذا الدين تساوره وتهاجمه وتتسلل إلى قواعده في إصرار .. ووراءها جميع قوى العالم الجاهلي .. فلا تبلغ أن تحطمه من أساسه ولكنها مع تطاول الزمان ومع التجمع والترصد، ومع الإصرار والاستمرار، ظلت تنقص منه شيئاً فشيئاً، وتنحرف به عن أصوله شيئاً فشيئاً حتى أثخنه فعلاً وهددته تهديداً خطيراً .. ومع هذا كله فإنها لم تستطع – حتى اللحظة الحاضرة تشويه أصوله النظرية، فما تزال هذه الأصول قادرة على البعث الجديد حين يعتنقها جيل جديد.

من كتاب هذا الدين ص36-37.

  1. أن قدر هذا الدين أن ينتصر بالجهد البشري قال الله تعالى (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإمّا مناً بعد وإمّا فداءً حتى تضع الحرب أوزارها، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم) سورة محمد صلى الله عليه وسلم أية 4.

فكانت المسافة بين الإسلام – يوم جاء – وبين واقع الناس في الجزيرة العربية وفي الكرة الأرضية، مسافة هائلة سحيقة، وكانت النقلة التي يريدهم عليها بعيدة بعيدة أما اليوم فالأمر أسهل.

  1. أنه لا بد من الصبر..

فكل الحادثات وإن تأهب       فموصول بها فرج قريب

  1. معرفة المشكلة فمشكلتنا نحن المسلمين أن هزيمتنا ليست عسكرية حيث يمكننا أن نستبدلها في معركة ثانية بل هي الهزيمة الداخلية، حيث أصبحت مجتمعاتنا وبيوتنا ومدارسنا وأسواقنا ميداناً للمنافسة والسباق على بضاعة الغرب الكاسدة، ومع ضخامة المشكلة فنحن نملك الحل حيث تمتاز الأمة بمزايا منها:

أولاً: الحق الملائم للفطرة، القريب للعقل الذي إن صدق المسلم في تمسكه به تحرك به منذراً ومجاهداً، وخير مثال على ذلك قصة استماع الجن للقرآن الكريم، قال الله تعالى: “وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدّقاً لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم” الأحقاف 29-31.

ثانياً: ثقة المسلمين بدينهم وإيمانهم الراسخ بأنه الحق من ربهم فهو يقين لا يقبل الشك والمراجعة ثم صبر على مقتضيات هذا الدين وهنا تتحقق الآية الكريمة “وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون “السجدة أية 24

نعم إن مشكلتنا ليست في الإسلام كدين بل في المسلمين فديننا له ما يميزه ويجعله المنقذ للبشرية من الضياع فهو عالمي في كل شئ، وهذا هو الذي سيحقق للإنسانية الكرامة والعزة والرحمة والمودة والوفرة والأمن والإيثار والعدل، ويجعل هذا كله من مظاهر الإنسانية الحقة، فهو مجتمع العدل والأخوة، والدعوة الإسلامية كذلك هو موجه إلى الإنسان في كل مكان. والتاريخ يبين أن هذه الأمور ليست أفلاطونية بل واقعية أثبتها التاريخ.

نداء لأحبابي الدعاة:

إن المكر الذى يُحاق بالأمة من قبل أعدائها يستدعى أن تكون هناك راية تُرفع من رجال يصدقون عهدهم مع الله وقد تبرع نفُر من الأمة لحمل راية الإسلام، فعملوا وجدوا واجتهدوا وبذلوا وهم فى كل أمرهم مأجورون ولإحدى المرتبتين نائلون “إذا اجتهد المسلم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجرُ واحد” وصيحتنا هذه محاولة لبيان ما نراه مساعدا للوصول للأحسن والاجتهاد الدعوى:-

1- أن تنتقل الدعوة من مفهوم المشروع الإسلامي الحركي إلى المشروع الإسلامي العام وإشراك كل الطاقات والإمكانات الموجودة في الساحة الإسلامية لخدمة تحقيق هذا الدين في أرض الواقع، فإن من الظلم أن تبدأ الحركة المعادية للإسلام بالتعامل معه كدين لمليار ونصف ونحن لازلنا نتعامل معه كمجاميع تنظيمية الكل يود أن ينجح ويخرج النصر من عباءته !! فالمتأمل لألفاظ اليوم يجد أن الصحوة الإسلامية أصبحت اليوم أمة وليست حركة.

2 – أن تكون أدبيات التربية لأبناء الحركة الإسلامية قائمة على روح تفاؤلية ترى نصب عينيها رايات لا إله إلا الله خفاقة على أرض الإسلام على وجه الخصوص وعلى العالم على وجه العموم، فالشاب الذي نريد أن يكون أداة في بناء الدولة، وعضوا عاملا في المجتمع الإسلامي في العالم لابد أن يسمع نداءات الحركة التفاؤلية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها” كان يعجبه أن يسمع يانجيح “وأهديت له شاة فقال من يحلبها؟ فقام رجل، فقال له صلى الله عليه وسلم:‎ “ما اسمك” قال: صخر فقال له صلى الله عليه وسلم “اجلس” فقام آخر فقال صلى الله عليه وسلم “ما اسمك؟ قال: يعيش. قال صلى الله عليه وسلم: “احلبها يا يعيش” حتى بيان البلاء يكون بروح تفاؤلية كما عرضه صلى الله عليه وسلم عندما اشتدت الشكوى من المسلمين في مكة فقال صلى الله عليه وسلم: “والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الرجل من حضرموت إلى صنعاء لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون” وعندما استقرت هذه الحقيقة التفاؤلية في نفس السائل بين صلى الله عليه وسلم حقيقة البلاء الذي يقع على أهل الدعوة، ونحن اليوم في العصر الحديث الذى نعوّل فيه على موقف إسلامى عام ومستقبل حضاري يقوم على لا إله إلا الله، لسنا ملزمين أن نضع أمام شباب الدعوة صورة رجل سقط من حبل المشنقة، صحيح أن البلاء من طبيعة الصراع في كل صور التدافع البشري ولكن ليس بالضرورة أن يأخذ البلاء صورة واحدة متكررة في كل جيل وزمان ومرحلة فلاشك أن البلاء في وقت الاستضعاف الذي وقع على الصحابة في مكة يختلف عن البلاء الذي وقع في مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك هو مغاير للفتنة التي وقعت في زمن عثمان … وهكذا …

عولمة المشروع العربي الإسلامي وتحسين سجلات حقوق الإنسان واستثمار الطاقات الحية والتطبيع العربي وتفعيل المنظمات العربية والإسلامية من وسائل مقاومة العولمة الأمريكية.

فنحن وإن وقع علينا البلاء فهو ليس بالأصل بل هو عارض، فالحقيقة في هذا الدين أنه في النهاية ينتصر، وانتصار الدين كان اليقين الذي ينطلق منه سيد البشر ففي اللحظة التي كان فيها صلى الله عليه وسلم يتعرض فيها لأشد صور المطاردة بين الحق والباطل، ولم يكن بين سراقة والنبي صلى الله عليه وسلم إلا مسافة سماع الصوت يقول صلى الله عليه وسلم بثقة ” يا سراقة ارجع وخذل عنا ولك سوار كسرى ” وتمر الأيام القليلة ليتسلم سراقة ما وعد به صلى الله عليه وسلم وفى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

3 – أن يحمل الدعاة هم الأمة فعند انشغال رجل الدعوة بالأمة يكون قد بدأ رحلة الكبار التي تبدأ من عيش الداعية للآخرين وإن كان الأمر متعبا، فمن عاش لغيره عاش متعبا ولكنه عاش كبيرا ومات كبيرا، فبداية الهم تعني الانطلاقة، يتحدث الأستاذ عباس السيسي عن حوار تم بينه وبين الإمام البنا فيقول: رآني الإمام البنا مهموما فقال: أراك مهموما اليوم، فقلت “عباس” كيف لا أكون مهموما وقد سقطت اليوم “ألبانيا:‎” بأيدي الشيوعيين، فقال الإمام البنا رحمه الله: أوهمك هذا؟ فقال الأستاذ عباس: نعم. فقال الإمام البنا: لقد بدأت الطريق إذا !! نعم إن الرجال الكبار هم الذين يغيرون واقع الجاهلية بفضل الله وكرمه وإلا فكما قال المتنبي:

إن السلاح جميع الناس تحمله     وليس كل ذوات المخلب السبع

الذي يمتلئ قلبه بهموم الأمة لا يعرف خوفا ولا خوارا يسمع محمد إقبال يجلجل في أذنه:

لم نخشَ طاغوتا يحاربنا ولو      نصب المنايا حولنا أسوارا

ندعو جهارا لا إله سوى الذي     صنع الوجود وقدّر الأقدارا

ورؤسنا يارب فوق أكفنــا      نرجو ثوابك مغنما وجوارا

والكبار هم الذين يختارون لأنفسهم المكان العالي حتى في طريقة موتهم قال عنترة العبسي:

واختر لنفسك منزلا تعلو به        أو مت كريما تحت ظل القسطل

4 – أن تكون هناك مراجعات قيادية:

أ – مراجعة طريقة تعامل الحركة مع الخصوم والمتخوفين من حكم الشريعة الإسلامية وإحلال النظام الإسلامي كبديل للأنظمة البشرية المهترئة لقد أثبت الواقع أن استمرار لعبة القط والفأر بين الأنظمة الحاكمة والحركة الإسلامية العاملة في الساحة، هذه الاستمرارية فيها دمار للأرض وخيراتها وللبشر وإمكاناتهم فالأمر يحتاج إلى دراسة من الطرفين فقد أثبت الواقع أن سياسة الاحتواء من الأنظمة للحركات الإسلامية، والحوار من أعلى والضرب بيد من حديد لم تحقق نتيجة مع الجماعات الإسلامية فهل يمكن أن:

أ – تتخلى الدولة عن وظيفة الوصي على المجتمع، وتترك للشعوب القرار الأنسب والأصـلح لها

ب – يتنازل الطرفان – الحكومة والحركة – عن فكرة نفي الآخر والإيمان بفكرة التعايش وفق نظام العدل والحرية وإعطاء الحقـوق؟

ج – أن يتم الاتفاق على الممكن بدل الصراع على الواجب.

5- الآن الحاجة الماسة إلىصياغة ” فقه المؤسسات ” في لغة وتصورات عصرية مفهومة.

6- الآن بحاجة إلى ترتيب الأولويات لأن المهام أكثر بكثير من الموارد المتوافرة للقيام بها.

7- على الحركات الإسلامية على وجه الخصوص والدول الإسلامية على وجه العموم أن لا تخوض معركة خاسرة، وعليها أن تتجنب أن تجر إلى مواجهات ومواقف قبل أن تكون مستعدة لها.

هيمنة قوة واحدة أمر مستحيل:

والأمر الذي نحب أن نختم به ونطمئن الخائفين على ثقافتنا وهويتنا من هذه العولمة بل ونهدئ من روعهم أن الخبرة البشرية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه من المستحيل الهيمنة على العالم بواسطة قوة واحدة فقد فشلت من قبل الإمبراطورية الرومانية في تحقيق هذا الهدف كما سقط الاستعمار الغاشم وخرج مهزوما مدحورا وانهزمت الشيوعية في عقر دارها معلنة الرحيل بل سقطت كل قو ى الظلم والبغي، هذه الأيديولوجيات والتيارات الاستعمارية بشرت بقيم الهيمنة، وها هي الرأسمالية التي ادعى منظروها أنها المثالية كما قال فرنسيس فوكاياما المؤرخ الياباني الأمريكي في كتابه نهاية التاريخ هذه الرأسمالية الآن تحمل في طياتها بذور انهيارها، فانتشار الانحلال والتفسخ الاجتماعي والانفلات الأخلاقي مؤشر قوي على هذا الانهيار، وهناك أرقام وإحصائيات مرعبة ولا تخطئ التقويم في هذا الشأن، وعلى جانب آخر يبقى الإسلام حصنا منيعا بقوته الذاية وحفظ الله له “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” ولكي يسود في الأرض لا بد أن تفرز هذه الأمة من بين أبنائها من يستحقون النصر ويأخذون بأسبابه فيتحقق التغيير “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”