النبي صلى الله عليه وسلم بين المغالاة والمجافاة
(2-2)
بقلم د.جاسم محمد مهلهل الياسين
قصائد المديح النبوي بين التوسط والغلو
فن المديح في الشعر العربي :
يعد المديح من الفنون الشعرية القديمة مثله مثل الغزل والوصف والرثاء والهجاء… وكانت العرب قديماً تتمدح بمناقبها وأيامها ومعاركها وكان شاعرهم يمتدح قبيلته وأشرافها وذوي السؤود فيها ويمتدح نفسه أيضاً وهذا منظور ومشهور في المعلقات السبع وفي غيرها من دواوين الأقدمين[1].
ثم توالي هذا الفن وانتظم مستقيماً وإن لم يخلُ من المبالغات أحياناً كثيرة في صورة فخر قبلي أو شخصي مقيت، وأبلغ مثال له تلك المبالغات التي جاءت في معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي منها:
وقـد علم القبائـل من معدّ إذا قبب بأبطـحها بنينا
بأنا العاصمـون إذا أطـعنا وأنا الغارمون إذا عصينا
وأنا المنعمــون إذا قـدرنا وأنا المهلكون إذا أُتـينا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطينا
حتى بلغ قمة غلوه في امتداح قبيلته والفخر بها في قوله :
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا
إذا بلغ الرضيـع لنا فطاماً تخر له الجبابر ساجــدينا
| نشأ المديح رداً على الكفار وتأكيد لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم والقيام بالدعوة إلى الله. |
وانحرف المدح ببعض الشعراء فأصبحوا يتأكلون به إذ ينظم الشاعر قصيدته ويحوكها خير حياكة في مدح أحد الملوك أو شيوخ القبائل أو الأثرياء بغية العطاء والظفر بنوال من المال… وقد نقد علماء الشعر هؤلاء الشعراء لما ابتغوا من المال ولما تكلفوا من القول الخالي عن العاطفة الصادقة وإن جاء في صورة الشعر … وأشهر من نظم قصائداً في المدح بغية العطاء هو الأعشى (صناجة العرب) وهو القائل :
وقصيدة تأتي الملوك غريبة قد قلتها ليقال من ذا قالها
فن المديح النبوي :
يعدّ أقدم من امتدح الله وأكثر من ذكر الجنة والنار في شعره أمية بن أبي الصلت الشاعر المخضرم الذي تنبي وتمنى لو يكون نبي العرب، فلما سمع برسالة النبي محمد حسده وأبى الإسلام ومات كافراً ومن أشعاره في امتداح الله :
لك الحمد والنعماء والملـك ربنا فلا شئ أعلى منك مجداً وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجـوه وتسجـد
فسبحان من لا يعرف الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد
وله أيضاً :
إلـه العالمين وكل أرض ورب الراسيات من الجبال
بناها وابتنى سبعاً شداداً بلا عمد يرين ولا رجـال
وسـواها وزينها بنـور من الشمس المضيئة والهلال
وبعد مجئ الإسلام اتصل المديح لله والمناجاة له مع نشوء فن جديد لم تعرفه العرب قبل ألا وهو فن المديح النبوي .
بواعث فن المديح النبوي :
هناك بواعث كثيرة دفعت إلى نشوء ذلك الفن الأدبي الديني الرفيع، وهي بواعث دينية في الغالب يمكن ذكر أصولها كالتالي :
- الرد على الكفار والمشركين الذامين للنبي :
عندما بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم انقلب الناس معه وعليه إلى فريقين مبغض كافر حاقد، ومحب عاشق وامق، ومثل أهل قريش الفريق الأول في أول مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وكانت لهم المكانة بين العرب وفيهم سدنة الكعبة والشعراء الفحول وهم أصحاب السبق في المعارك الأدبية والمناقضات الشعرية بسوق عكاظ ولذلك فقد حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم في مبتدى الدعوة بكل ما أوتوا وكان من أسلحتهم القوية في ذلك سلاح الشعر وقد هجاه وذمه أمثال :
- أبوسفيان بن الحارث بن عبدالمطلب وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد هجاه كثيراً بأقذع الشعر قبل أن يسلم .
- عبدالله بن الزبعري وقد أسلم فيما بعد .
- أم جميل –لعنها الله- زوج أبي لهب، ومن ذميم شعرها في النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأرجوزة اللعينة .
مـذمماً أبينا
وديـنه قلينا
وأمره عصينا
وهي تعني بقولها مذمماً النبي صلى الله عليه وسلم حيث اسمه محمد وضد كلمة محمد كلمة مذمم.
فما كان من الشعراء المسلمين إزاء هذا إلا أن يبوحوا بمدح النبي ودينه ورسالته وشرعته تبديداً لما افتراه الشعراء الكفار ودحضاً لمقالهم ورداً على بيانهم مقارعة للسان باللسان ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان (لهو أشد عليهم من ضرب الأسل) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكان يقول ( قل وروح القدس معك ) .
- محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
وكيف لا ومحبة رسول الله دين وتقوى وشرعة لا يحيد عنها إلا أثيم لئيم، وتلك المحبة استنطقت جذع النخلة فيحن إليه، واستنطقت الجبل فاهتز له، واستنطقت الجمل والعصفور فبثا همومهما إليه صلى الله عليه وسلم، فكيف لا تستنطق ألسنة الشعراء ومهج الأدباء فيفيضون بأحلى الكلام وفائق التبيان في مدح سيد الأنس والجان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وقد قال الله سبحانه (قل إن كنتم تحبون فاتبعوني يحببكم الله) وقال سبحانه في أكثر من سورة وأية (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول …) وقال سبحانه (إن تطيعوه تهتدوا) وقال صلى الله عليه وسلم (والله لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين…) أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
نور تنقل في الأكوان ساطعه تنقل البدر من صلب إلى رحم
- الدعوة إلى الله :
نعم يعدّ مديح النبي صلى الله عليه وسلم والتغني بأمجاده وأيامه ونظم سيرته ومواقفه وغزواته وانتصارته سبيلاً للدعوة إلى الله…. وكيف لا؟ وهي تعلم النشأ سيرة النبي الأعظم والقائد الملهم ليقتدوا به ويحذون حذوه ويتبعون نهجته ..
إذا كان (هو ميروس) نظم “الياذنه” في مدح أيام اليونان وذكر أبطال وقادة طروادة وهم ذوو الوثنية وأصحاب الهرطقة والأساطير… فكيف بنبي حياته الجد وسيرته المجد نقية صفية لا تشوبها شائبة ولا يعلوها دخن وهي المثال الذي يجب احتداؤه.. والسبيل الذي يجب الولوج فيه…
من هنا كان الشعر هو القالب المناسب لامتداح النبي وامتداح فعاله وأقواله وتقريراته وسيرته ..
- التوظيف الصحيح لفن الشعر :
هذا الباعث يبين من تفهم قوله تعالى (والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون مالا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعدما ظُلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)[2] فهذه الآية ذمت الشعراء إلا أنه ليس ذماً على الإطلاق وإنما تقيد بأداة الاستثناء (إلا) والمستثنى بعدها وهم الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وانتصروا .. فإذا كان الشعر ضرب من القول اللفظي إلا أنه يعتمل العقل ويكلف الفكر ضريبة اكتساب المعنى الرائق واختيار اللفظ اللائق فإن كان في الصلاح والانتصار لله ورسوله وتمجيد دينه وامتداح نبيه فذلك من الصلاح الذي ينوء عن الذم ويترفع عن المشينة ..
ومن هنا انبعث الشعراء من المسلمين في امتداح رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وذكر مناقبه وتعديد فضائله تقرباً إلى الله وانتصاراً لدين الإسلام وتوجيهاً منهم لمسيرة الشعر في الطريق الصحيح…
أعلام المديح النبوي :
هناك أعلام كثيرون اشتهروا بمديح النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية والإسلام فمن أهل الجاهلية الذين ماتوا ولم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم :
- عمه أبوطالب حيث يقول ( من بحر الطويل ) :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
- الأعشى ميمون بن قيس صناجة العرب حيث أعدّ قصيدة في امتداح النبي (دالية) من بحر الطويل منها :
نبي يرى مالا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل وليس عطاء اليوم مانعه غدا
غير أنه ارتدّ على وجهه لما أغرته قريش بالمال على أن يرجع فلا يسلم، فعاد من حيث أتى ثم وقع من على ناقته فدقت عنقه فقتلته فمات على جاهليته .
وهناك غيرهما ممن امتدحه، فتلك … تقول فيه بعد قتل أخيها :
أمحمـد ولوتك خير نجيبـة في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما مـن الفتى وهو المغيظ المحنـق
أما عن مداح النبي بعد الإسلام فهم من الكثرة بمكان، ويأتي على رأسهم شاعر الرسول الأول حسان بن ثابت رضي الله عنه والذي كانت قريش تقول القصيدة فيرد عليها ويفحم قولها، والنبي يشجعه ويبشره بأن روح القدس معه.
التعريف به :
هو أبو الوليد حسان بن ثابت الأنصاري شاعر الرسول وهو من بني النجار أهل المدينة نشأ في الجاهلية واسلم حال هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وظل شاعره واستطال به العمر بعده حتى يقال أنه عاش 120 سنة ومات في خلافة معاوية سنة 54هـ.
شعره :
كان رضي الله عنه شاعر أهل المدر في الجاهلية، وشاعر اليمانية في الإسلام، رمى مشركي قريش من لسانه بالداهية التي لم يكن لهم قبلٌ بها، فأوجعهم وأخرسهم من غير فحش ولا هُجر، ولما أذن النبي له في هجائهم قال له : كيف تهجوهم وأنا منهم؟
قال حسان : أسلك منهم كما تُسلُّ الشعرة من العجين، وكان النبي يسمع هجاءه في أعدائه ويقول “أجب عني”، ويدعو له ” اللهم أيده بروح القدس” .
ومن شعره في مدح النبي صلى الله عليه وسلم :
إن الذوائب من فهر وإخوتهـم قد بينـوا اسنناً للنـاس تتبـع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهـم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك فيهم غـير محدثـة إن الخـلائق فاعلم شرها البـدع
وعفة ذكرت ف الوحي عفتهم لا يطمعــون ولا يزري بهم ظمع
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم وإن أصيبوا فلا حور ولا جــزع
وهناك عبدالله بن رواحه، وكعب بن مالك، وعبدالله بن الزبعري بعدما أسلم، وأبوسفيان بن الحارث بن عبدالمطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وهناك كعب بن زهير… هؤلاء من جيل الصحابة الأول… ثم تلتهم أجيال في العصر الأموي فالعصر العباسي الأول والثاني حتى استقام المديح النبوي فناً شعرياً خالصاً له أصوله ومناهجه كما سبقت الإشارة لذلك..
وجدير بنا الوقوف على علمين كبيرين من أعلام المديح النبوي والتعرف على أشهر قصائدها وكيف استقلتا وتميزتا عن باقي القصائد الأخرى مع تحليل فني موجز لأهم مضامينهما :
وهؤلاء النموذجان هما :
- كعب بن زهير وبردته ( اللامية ) .
- البوصيري وبردته ( الميمية ) .
كعب بن زهير :
هو كعب بن زهير بن أبي سلمى أحد فحول الإسلام المخضرمين، ويكفي أنه ابن شاعر العرب صاحب إحدى المعلقات السبع التي وسعت كثيراً من الحكم والأخلاق الفاضلة التي يقر الإسالم كثير منها .
بداية كعب بالنبي بدأت منذ ظهور الإسلام حيث سمع كعب وأخوه “بجير” بالإسلام، فذهب بجيرٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، فغضب لذلك أخوه كعب وهجا الرسول وأصحابه لأنه فرق بينه وبين أخيه .
| كان بين حسان بن ثابت وكفار قريش حرب بيانات شعرية وهجوماً ودفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. |
ولما هجا كعب النبي توعده النبي، فهرب كعب وهام على وجهه مستجيراً بالقبائل فلم يجره أحد، فلما ضاقت عليه الأرض توجه إلى أبي بكر الصديق بالمدينة، واستشفع به عند الرسول ليعفو عنه، فأقبل على النبي وأنشده قصيدته، فأمنه النبي وعفا عنه، وأسلم كعب .
وتلك هي القصيدة الأولى المشهورة لكعب في امتداح النبي صلى الله عليه وسلم وتسمى “قصيدة البردة”، حيث يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع عليه بردته بعد إنشاده للقصيدة، فاعتز بها كعب وورثها أهل بيته وبقيت عندهم حتى باعوها لمعاوية بن أبي سفيان بعشرين ألف درهم، ثم بيعت للمنصور العباسي بأربعين ألفاً، ومات كعب بن زهير رضي الله عنه سنة24هـ.
شعر كعب بن زهير :
يعدّ كعب بن زهير عند نقاد الشعر من الشعراء الفحول المجيدين المشهود لهم بالسبق، ويقول راوية الشعر الكبير خلف الأحمر “لولا قصائد لزهير ما فضلته على ابنه كعب”.
وهذا الحطيئة على فحولته في الشعر وذائع صيته يضرب المثل بشهره كعب بن زهير ورسوخ قدمه في الشعر فيقول :
فمن للقوافي شأنها من يحوكها إذا ما مضى كعب وفوز جرول
وقد درج كعب على نهجة فحول الشعراء كأبيه وغيره فنظم في أغراض الشعر المختلفة ومن شعره :
لو كنت أعجب من شئ لأعجبني سعي الفتى وهو فحبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركـها والنفس واحـدة والهم منتشـر
فالمرء ما عاش مـمدٌ له أمــل لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثـر
قصيدة (بانت سعاد) :
تعتبر قصيدة بانت سعاد من القصائد ذائعة الصيت في المديح النبوي وهي تكاد تغطي على كثير من قصائد حسان بن ثابت، حيث أخذت شهرة واسعة، وتناولها شعراء بالمعارضة، وتناولها النقاد بالشرح والنحويون بالإعراب…
ويكفي أن ابن هشام الأنصاري النحوي النحرير قد أفردها بمؤلف خاص يعربها ويبين إشكالاتها ويستخرج مكنون معانيها .
بحر القصيدة :
جاءت قصيدة البردة من بحر البسيط وتفعيلته :
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن
وهو بحر لا يركبه إلا أكابر الشعراء لأنه كبحر الطويل ويتسع لأغراض المديح وغير ذلك من الأغراض.
وقد جاءت معظم قصائد المديح النبوي على هذا البحر اقتداءً ببردة كعب بن زهير رضي الله عنه .
مطلع القصيدة :
جاءت القصيدة على النهج الجاهلي في صياغة الشعر حيث تبدأ غالباً :
- بالوقوف على الأطلال .
- التغزل بالمحبوبة وتذكر أيامها .
- وصف رحيل المحبوبة وغيابها .
- وصف الناقة ..
إلى أخر تلك السلسلة من البناء الشعري
وهنا يبتدئ كعب قصيدته بذكر فراق محبوبته سعاد فيقول :
بانـت سعـاد فقـلبي مـتبـول متيــم إثـرها لم يفـد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلـت إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهـل بالــراح معلـول
وهكذا تستمر القصيدة في وصف المحبوبة وأخلاقها حتى تنتهي بوصف الناقة ثم تخلص إلى صلب القصيدة وهو مدح النبي والاعتذار إليه صلى الله عليه وسلم .
وذلك في قوله :
أنبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاه ولم أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل
لذاك أهيب عندي إذ أكلمه وقيل أنك مسبور ومسئـول
إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
البوصيري (695هـ) :
يعتبر البوصيري واسمه محمد بن سعيد من أشهر ما دحي النبي صلى الله عليه وسلم بعد حسان وكعب وجيل الصحابة الأوائل، وقد نظم قصائد كثيرة جلها دار في المديح النبوي، حتى ارتبط اسمه بذلك، وبلغت قصائده في مديح النبي الأفاق ولازالت له قصيدتان شهيرتان طويلتان تعتبر أشهر قصيدتين في الأدب العربي في مدح النبي صلى الله عليه وسلم .
أولاهما: القصيدة الميمية
وقد سماها البوصيري بـ( الكواكب الدرية في مدح خير البرية ) ولها تسميات أخرى مثل ( البُرأة ، البُروة والبردة، وقصيدة الشدائد ) .
وقد ابتدأ نظمها كما جاء عنه بسبب أنه أصيب بفالج (بشلل) أفقده نصف جسمه فما يستطيع الحراك، فإذا به يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، فانشده هذه القصيدة فمسح النبي صلى الله عليه وسلم عليه فبرأ بإذن الله .
| ما أروع قصيدة البوصيري في المديح النبوي، لولا …؟؟ |
وعدد أبيات هذه القصيدة هو (160) بيتاً وقد أجمع معظم الباحثين والنقاد على أنها أشهر قصيدة في المديح النبوي في الشعر العربي مطلقاً بين العامة والخاصة بل وأفضله جميعاً في الناحية الأدبية والفنية .
ومطلعها هو :
أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضم
فما لعينيك إن قلت اكففاهمتا وما لقلبك إن قلت استفق يهم
وكما هو ملاحظ أن هذا البحر الذي نظمت فيه القصيدة هو بحر البسيط ( مستفعلن فاعل) وهو نفس البحر الذي سبقت الإشارة إليه في قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير .
وهي أبيات تجري في مدارج الأقدمين من الوقوف على الأطلال وإظهار التفجع والحسرة واللوعة وشدة الوجد من فراق الأحبة، مع إظهار محبتة في وجه عذاله كما يظهر في قوله.
يا لائمي في الهوى العذري مغدرة متى إليك ولو أنصفت لم تلم
ثم هو يدخل بعد هذا المطلع الغدري في رائع الحكمة وصياغة جميل المعاني القيمية والخلقية وتقريع النفس ولفت العقل وطرق أبواب الفطنة للعمل بما يرضي الله ويصرف نوازع الشيطان ويسدد مداخله فيقول :
وخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع منهما خصماً ولا حكماً فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
ويقول أيضاً في هذا السبيل مبنياً عن براعة فائقة ومعرفة بدخائل النفس ومسارب الشيطان لفنتها .
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
كم حسنت لذة للمرء قاتله من حيث لم يدر أن السم في الدسم
ثم هو بعد ذلك لا يدعى أنه من الصالحين المتقين الذين أحاطوا بوساوس النفس فاجتنبوها، وبمداخل الشيطان فاتقوها، وإنما هو عبد متواضع لله يجاهد نفسه ويجالدها على الطاعة فيقول مذعناً ومخبتاً لله منيباً :
استغفر الله من قول بلا عمل لقد نسبت به نسلاً لذي عقم
أمرتك الخير لكن ما أتمرت به وما استقمت فما قولي لك استقم
ثم هو بعد ذلك يدخل إلى صلب قصيدته وغايتها ألا وهو مديح النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيخط مشاعره ويخرج أحاسيسه العارمة المفعمة بحب نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم فيصوغ لنا أجمل وأرقى وأعظم ما عرفه الشعر العربي بلاغة ومعانياً وألفاظاً في مديح النبي فيقول :
محمد سيد الكونين والثقلين والفريقين من عرب ومن عجم
نبينا الأمر الناهي فلا أحد أبر في قول لا منه ولا نعم
فإن النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم
أكرم بخلق نبي ذانه خلق بالحسن مشتمل بالبشر متسم
كالزهر في ترف والبدر في شرف والبحر في كرم والدهر في همم
ثم يذهب البوصيري في المديح متنقلاً ما بين مناقب النبي وخصائصه ومحاسنه ومعجزاته وفضله بما يمكن ذكره مختصراً على النحو التالي :
- عبادة النبي في الدنيا
- زهده الحقيقي فيها
- فضله على الثقلين
- شفاعته صلى الله عليه وسلم في أمته
- فضله على النبيين
- كمالات النبي البدنية
- كمالات النبي النفسية
- حرصه على أمته
- إرهاصات مولده
- معجزاته
- غار حراء وتعبده
قصة الهجرة ومعجزاتها وختمها بقوله :
وقاية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم
- ثم امتدح سنة النبي
- ذكر أفضال الله عليه
- ذكر المعجزة الإسراء والمعراج
- ذكر خيرية الأمة بفضل نبيها
- ذكر معارك النبي صلى الله عليه وسلم
ثم يختم هذا جميعاً بالاستغفار وزيادة جانب الرجاء وتغليب حسن الظن بالله مبيناً إخلاصه في مديحه وصفوه عن كل حاجة دنيوية فيقول :
ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت يدا زهير بما أثني على هرم
ثانياً : القصيدة الهمزية
وهي تلك القصيدة الطويلة المسماه ( القصيدة الهمزية في مدح خير البرية ) وهي طويلة جداً بحيث نافت على ستمائة بيت ، ومطلعها :
كيف ترقى رقيك الأنبياء يا سماءً ما طاولتها سماء
لم يساوك في علاك وقد حا ل سناً منك دونهم وسناء
إنما مثلوا صفاتك للنا س كما مثّل النجوم الماء
أنت مصباح كل فضل فما تصد ر إلا عن ضوئك الأضواء
وهكذا تبدو القصيدة من بحر الخفيف وتفعيلته :
فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن
وهي تستفيض في ذكر أحداث السيرة العطرة وخاصة معجزات النبي ومعاركه ومقارنته بالأنبياء ، وهي تشبه الملحمة في طولها وترابط أجزائها .
ولن نقف عندها كثيراً، إذ لا يتسع المقام، على أنها جديرة بالدرس والتحليل والاشتهار، لما فيها من براعة في الصياغة الفنية والأساليب البلاغية الرفيعة…
ومن روائع أبياتها في امتداح النبي قوله :
تتباهى بك العصور وتسمو بك علياء بعدها علياء
وبدا للوجود منك كريم من كريم أباؤه كرماء
نسب تحسب العلا بحلاه قلّدتها نجومها الجوزاء
حبذا عقد سؤود وفخار أنت فيه اليتيمة العصماء
ومحيا كالشمس منك مضيئ أسفرت عنه ليلة غراء
قضية المغالاة في المديح النبوي :
لم تخرج قصائد الأقدمين عن المنهج العقدي الصحيح في تكريم رسول الله وامتداحه، ومبالغاتها كانت بيانية شعرية مقبولة بحسب البيان العربي وطريقته في إيراد المعاني …
غير أن تلك المسيرة قد انحرفت عن الطريق الصحيح على يد المتأخرين من اصحاب القرن السابع وما تلاه … حيث دخلت بعض المبالغات العقدية من :
- التوسل بالنبي واللوذ به عند حلول الهموم والبلايا .
- ادعاء معرفة النبي بعلم الغيب وأن من علومه علم اللوحة والقلم
- دعاء النبي لقضاء الحاجات ودفع الملمات .
موقف البوصيري من المبالغات في المديح النبوي :
لا يساورنا شك في إخلاص البوصيري في قصيدته الميمية بل وكافة قصائده أنها كانت خالصة من قلبه وجوانحه، ولم يرد بها صاحبها عرض الدنيا أو جاهاً منها وهذا ما أخبر به عن نفسه والأصل في المؤمن الصدق والإيمان، ونحن نأخذ بهذا الأصل ونترك البواطن لله تعالى :
ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت يدا زهير بما أثنى علىهرم
وإذا نظرنا إلى باقي أبيات الخاتمة فإنها تفيض باللجأ إلى الله تعالى والاستغفار والرجاء، بما يدفع عن صاحبه شبهة الرياء والنفاق ولا نزكي على الله أحداً .
ثم إن البوصيري التزم إلى حد كبير بالاعتدال إلا أن هناك أبيات لا نتفق معه عليها إذ حملت مخالفات شرعية من مثل قوله :
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وقوله :
ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به إلا ونلت جواراً منه لم يضم
وهذه الأبيات قد فاتت البوصيري، غفر الله له ، إذ تقتضى العقيدة الصحيحة اللوذ واللجأ إلى الله فإنه كاشف الضر (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ) على أنه التزم في معظم أبياته ببشرية النبي وأنكر على النصارى غلوهم في عيسى فقال رحمه الله :
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
وقال رحمه الله :
فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم
وهذه أبيات تدل على اعتدال البوصيري وعلى منهجه العام في مدحه للرسول الله …
| كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدر الكلمة الجميلة والفن الهادف، وعندما أنشد كعب قصيدته خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بردته وأهداها له. |
مع الإشارة إلى رفضنا للأبيات التي تجاوزت الحدود العقدية حيث فتحت بطريق مباشر أو غير مباشر الباب أمام الغالين الذين حذو حذوها فيما بعد … وجدير بنا الإشارة إلى هؤلاء العلماء الذين سعوا في تأويل معاني تلك الأبيات لإخراجها عن ظاهر معناها من المبالغة … وإن كنا لا نوافقهم فيما ذهبوا إليه، فإنها ظاهرة الدلالة بالمبالغة التي هي خطأ في العقيدة صريح لا نواقص البوصيري عليه مع تحسين الظن به والثناء على صدق مديحه فالخطأ البشري وارد على كل أحد ومع ذلك .
وما ذكرناه لا يمنعنا ذلك من الإشادة بروعة قصائد البوصيري والتنويه بسبقه وبيانه، والذي انعقد اجماع الباحثين على أن ميميته هي أفضل قصيدة في المديح النبوي من الناحية الفنية الأدبية حتى قيل إنها أشهر قصيدة في الشعر العربي بين العامة والخاصة، والدعوة إلى استكمال مسيرة المديح النبوي وإيقاظ هذا الفن من مراقده وتوظيف الأدب في شعراً ونثراً في ترفيق القلوب وفي الحكم والمدائح النبوية واستذكار فضائل الصحابة والتغني بأمجاد الأمة الإسلامية وبيان محطات مجدها ومناقبها مع الدعوة إلى الاهتمام بالواقع ومعالجة قضاياه أدبياً…
فكم أثارت القصائد نفوساً وحثتها على الجهاد في سبيل الله وأسعرت الحمية في النفوس ولله شعر عبدالله بن رواحه… وشعر حسان وكعب بن مالك وغيرهم الكثير وحسبك ما جاء في الصحيحين من قول النبي لحسان (أهجهم وروح القدس معك)[3].
كما نختم مقالنا هذا على التنبيه بأن الأقدمين من الشعراء الذين وقعوا في المبالغات الصريحية في المديح ليسوا ذريعة وتكأة لأن يحذو المحدثون من الشعراء المعاصرين حذوهم… إذ قد مضوا بما أسلفوا وآلوا إلى ما قالوا نسأل الله لهم المغفرة… غير أنه لا مندوحة للمحدثين في أن تخط أقلامهم معاني الغلو وتحيي قديم تلك المبالغات…
وختاماً نسأل الله قبول تلك الأسطر خالصة لوجهه وأن ينفع بها في عود منهج الوسط بلا غلو أو شطط بين دعاة وشعراء وخواص وعوام الأمة… وأن ينفع بها في درب العود على إكبار وإجلال وتعظيم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .
——————-
[1] انظر شرح المعلقات السبع لابن الأنباري، تحقيق الأستاذ أحمد شاكر ط دارة المعارف بالقاهرة، وانظر نقد الشعر لقدامه بن جعفر
[2] الشعراء آية 224-227
[3] رواه البخاري رقم 3213 ومسلم رقم 2486

