بقلم : د.جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

علاج الخواء الروحي من خلال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 أولاً : اكتساب العلم :

تعد الأسباب التي سبق ذكرها في المقال السابق من أهم الأسباب الرئيسة في الخواء الروحي، ومن ثم القلق والاضطراب النفسي، وهي جديرة بأن يلتفت إليها وأن تحلل تحليلاً علمياً دقيقاً وتلك هي مرحلة التشخيص والتي ذكرتها مجملة .

وحيث تم ذلك فلابد من الخطوة الثانية بعد التشخيص ألا وهي العلاج، ولا أنجع ولا أنجح في علاج خواء الروح وفساد النفس من كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهذه بعض الوصفات الربانية من كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم نلتمس فيها الدواء الشافي لمن سأل عن الجواب الكافي ….

دفع الجهل :

من أسباب الخواء الروحي الجهل، إذ الإنسان الجاهل يخبط ويتخبط على غير هدى، ولا يدري غايته ولا جهته فتراه ذا خواء وفراغ لا يسده إلا أن يتعلم أو أن يقود نفسه إلى المهالك .

وصدق ابن حزم لما قال :

إنما العلـم أسـاس         فوقه الأخلاق سور

فتحلى العلم بالعـقل        وإلا فهــو بـور

جاهل الأشياء أعمى        لا يرى أين يـدور

وقال رحمه الله تعالى : “لو لم يكن في العلم إلا دفع ألم الجهل لكفى”.

لأن الإنسان العالم يكون مطمئناً منسجماً مع نفسه وواقعه، خفيف الظل، وبهيج النفس غير ذي خواء .

وتلك من فضائل العلم، حتى إن نبي الله يوسف لما كان عالماً كاد الله له، ودفع سيدنا يوسف عن نفسه بعلمه ألم فراق أخيه، وامتدح الله له حيلته في أخذ أخيه بقوله تعالى – بعد أن ذكر وضع السقاية في رحل أخيه – “وكذلك كدنا ليوسف في الأرض نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم” .

وقد حث الإسلام في آيات كثيرات على العلم وجاءت السنة النبوية حاثةً على العلم في جل مواقفها ومن ذلك قوله تعالى “وقل رب زدني علماً” .

لا يؤنس النفس ولا يشبع الروح إلا الاعتصام بالله .

وقوله سبحانه “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات” .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم “طلب العلم فريضة على كل مسلم”.

وقال أيضاً “من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة” .

وقال “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاءً بما يصنع” .

وجاءت أثار السلف كذلك تحض على العلم في مواقف كثيرة .

والحاصل أن العلم من أهم الأسباب علاج الفراغ الروحي عن طريق :

الإشباع الفكري :

بما يفيد العلم حيث يملأ فراغ الفكر ويهديه إلى الصواب فيقر الإنسان العالم وينسجم مع نفسه .

دفع الوسواس وألم الجهل :

وهذا بدوره يؤدي إلى الراحة والسكون والطمأنينة والأمن بما يؤدي إلى زيادة حالة الإشباع والامتلاء الروحي .

إقناع النفس وتهدئتها بالمنطق والتأمل :

وهذه من أدوار العلم الكبيرة، حيث إنه يولد لدى الفرد قناعات ويقيناً راسخاً يفضي إلى الهدوء والسكينة والإشباع الروحي، سواء كان ذلك عن طريق الإقناع العقلي بالحجة والبرهان، أو عن طريق إثارة حاسة التأمل والتفكر، ومن ثم الانسجام والإقناع النفسي .

ثانياً : الاستعداد للآخرة

مما يملأ الروح ويشبعها ويؤنسها الانشغال بالآخرة والاستعداد لها، وقد جاءت أحاديث النبي كالعقود والنضيدات، لا تعلق على صدر إلا وأذهبت خواءه الروحي وأحلت محله الأنس بالله والامتلاء بنوره سبحانه.

ومن هذه الآثار التي نذكرها في الاستعداد للآخرة :
 عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال :” أخذ رسول الله بمنكبي فقال:كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” .
  • وكان ابن عمر يقول : “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”1
  •  وكان النبي-صلى الله عليه وسلم- يقول:”ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها”2

ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه قال لهم “من ذا الذي يبنى على موج البحر داراً، تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قراراً”3

  • وكان سيدنا علي بن أبي طالب يقول “إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل” .
  • وقال عمر بن عبدالعزيز في خطبته : “إن الدنيا بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء وكتب على أهلها منها الظعن، فأحسنوا –رحمكم الله- منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى”1.

اغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات :

سبق أن ذكرنا أن هناك ارتباط وطيد بين الخواء الروحي وسعة الوقت، وعدم الحكمة في تصريفه والاستفادة منه، وصدق القائل :

إن الفراغ والشباب والجدة                    مفسدة للمرء أيّ مفسدة

وقال أيضاً :

تحرى فيما تطلب والبلاغا                    واغتنم الصحة والفراغا

وعليه فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإفادة من الوقت واستنفاده في طاعة الله وإشباع الروح بحبه والأنس به، فقال صلى الله عليه وسلم “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ” .

وقد جاءت الآثار عن السلف كثيرة في الحث على اغتنام الأوقات، فهذا الحسن البصري يقول “إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك، يا ابن آدم إنما أنت بين مطيتين يوضعانك يوضعك النهار إلى الليل ، والليل إلى النهار، حتى يسلمناك إلى الآخرة” .

وقال داود الطائي : إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زاداً لما بين يديها فافعل فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو، والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك.1

وكتب بعض السلف إلى أخ له : يا أخي يخيك لك أنك مقيم، بل أنت دائب السير، تساق مع ذلك سوقاً حثيثاً، الموت موجه إليك والدنيا تطوى من ورائك، وما مضى من عمرك فليس بكار عليك

سبيلك في الدنيا سبيل مسافر           ولابـد من زاد لكـل مسـافر

ولابد للإنسان من حمل عدة            ولا سيما إن خاف صولة قاهر

وقال بعض الحكماء كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وسهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته .

نعم الأمان في الإيمان .

وقال الفضيل بن عياض لرجل : كم أنت عليك؟ قال : ستون سنة.قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك، يوشك أن تبلغ . فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون . فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ تقول: أنا لله عبد وإليه راجع فمن علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً. فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال : يسيرة. قال : ما هي. قال : تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضى وبما بقى2.

ثالثاً : الإيمان القوي بالله ( اليقين )  :

وهذا سبيل مكين من سبل الإشباع الروحي، لأن الروح لا تأنس ولا تقر ولا تتشبع إلا بأن تؤمن بالله، حتى إن الأديان الباطلة تفيد أصحابها في اشباع حاجاتهم الروحية، والقضاء على الخواء الروحي لديهم، فما بالنا إذن بالدين الحق والإيمان الصادق والصحيح .

وقد فطر الله النفوس على الإيمان والاعتقاد به سبحانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن رب العزة ( خلقت عبادي كلهم حنفاء …) وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- :”كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يمجسانه أو يهودانه أو ينصرانه” .

ولذلك فإن أهل الإلحاد لا يقر لهم قرار ولا تتشبع أرواحهم ولا تأنس ولا تركن إلى الراحة وإن أحاطتهم النعم من كل مكان وذلك لأن غذاء البدن وكسائه لا يغني شيئاً لأنه ظل زائل وإلى فناء، بينما قوت الأرواح هو الباقي وهو الدائم وصدق الله إذ يقول (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) .

أثر الإيمان في الإشباع الروحي :

الإيمان من أهم مصادر الإشباع الروحي عن طريق :

بث الطمأنينة في النفس، وإشباعها بحب خالقها والاعتقاد الصحيح فيه قال تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً).

تأمين الروح من المفازع والمؤرقات وذلك سبيل لا يستطيعه الشعر ولا الغناء ولا شئ من عالم المادة وإنما هو قوت رباني إيماني يتصل بالملأ الأعلى يلائم الروح، قوت قوامه حب الله الباقي (كل شئ هالك إلا وجهه) .

وإذا بلغت الروح منازل الحب لله والاعتقاد فيه سبحانه، فإنها تتحلى بالأمان وتكتسى ثوب الطمأنينة كما قال تعالى (يا عبادي الذين آمنوا لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) وقال سبحانه (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) .

رابعاً : اللجوء دائماً إلى الله :

لا شك أن البشر محكومون بقوانين اللذة والألم، وقد يضعفون مع المتاعب إلى حد الهوان … وقد يشتدون مع المنافع إلى حد الطغيان …

وفي كل فهناك فراغ وخواء روحي جاثم على نفوسهم يزيد الهوان هواناً، أو يزيد الطغيان طغياناً، ولا يندفع هذا الخواء والفراغ إلا باللجوء إلى الله والوقوف ببابه .

وقد ركز الله في طبيعتنا ضعفاً فطرياً مهما حاولنا أن نستره فهو لا يزال يظهر بين الحين والآخر قال تعالى (وخلق الإنسان ضعيفاً) .

كما أن الآلام تكشف الضعف الإنساني وتدفع بالبعيد عن الله إلى مزيد من الهواية وفيض من الخواء يغدو معه حيران يتخطفه الشيطان .

بينما تدفع بالمؤمن العاقل إلى الوقوف بباب الله وحسن اللجأ إليه سبحانه وله في رسول الله خير أسوة وأفضل قدوة، فينهج نهجه ويسلك دربه .

اللجوء إلى الله يدفع الخواء النفسي :

نعم إذا وقف المسلم على باب ربه وأذعن له ورغب إليه أورثه الله أنساً به، وتلذذا بعبادته، واستغناء به عن غيره سبحانه، وهؤلاء الصالحون والعابدون كانوا يقولون ( إنا لفي لذة لو عرفها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسهام ) .

وكانوا يقولون ( من ذاق عرف، ومن حُرم تلف ) .

وقال أحدهم :

يا مؤنسي بذكره

ومن فؤادي موكل

لأمره ونهيه

وقال الآخر :

الله يعلم أني صرت في سعة            أرضى القليل ولا أهتم بالقـوت

وشاهد خالقي أن الصلاة له            أحب عندي مـن در وياقـوت

الاقتداء برسول الله في اللجأ إلى الله يدفع خواء الروح :

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عظم عليه خطب واشتد به فزع لجأ إلى الله، وطالت ضراعته، واتصلت وقفته بباب ربه، فكيف بخواء أو فراغ روحي أن يتسرب إلى من يتبع رسول الله في اللجأ إلى الله ؟‍

وعن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا راعه شئ قال (هو الله، الله رب لا شريك له )، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه عند الفزع، وبداية دبيب الخواء إلى نفوسهم أن يقولوا ( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون).

عجزت فنون الشرق وملاهي الغرب عن دفع القلق وإشباع الروح.

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقاً أصابني فقال ( قل اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حيّ قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم يا حي يا قيوم اهدئ ليلي وأنم عيني ) قال زيد : فقلتها فأذهب الله عزوجل عنّي ما كنت أجد.

وهكذا كان حال رسول الله مع أصحابه معلماً ومرشداً أو آخذاً بيدهم إلى الله ليدفع عنهم خواءهم وأرقهم ويداوي علاجات نفوسهم وعلل أرواحهم.1

تعليم الرسول لأصحابه دفع خواء الروح بالدعاء واللجوء إلى الله :

علم رسول الله أصحابه – كما سبق – أن يدفعوا أرقهم وفزعهم باللجوء إلى الله، وهذه نماذج من تلك الدعوات الرقيقات المشعات حباً والمعبقات حنيناً وإذعاً لله تدفع خواء الخاوين، وتلهب مشاعر المطيعين

اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي “

” اللهم اهدني وسددني “

” اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وضلع الدين، وغلبة الرجال ” .

” اللهم إني أعوذ بك  من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها ” .

 ” اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك وجميع سخطك” .

” اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليّها ومولاها” .

” اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار “1 .

————————————

1 رواه البخاري

2 (رواه أحمد 1/391، الترمذي برقم (2377) وقال حديث حسن صحيح ).

3 ( الزهد للإمام أحمد ص93) .

1 ( الحلية لأبي نعيم الأصفهاني 5/292) .

 

1 .انظر الحث على اغتنام الأوقات بالأعمال الصالحات لابن رجب الحنبلي ص4  .

2 الحث على اغتنام الأوقات ص4 .

1 ( انظر فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء للشيخ محمد الغزالي ص77-78-81) .

1 ( انظر فن الذكر والدعاء ص81)