بقلم : د.جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
المولد النبوي لا هو احتفالات بدعية … ولا هجر للسنة النبوية
تأتي ذكرى المولد النبوي، والأحداث التي تعصف بالأمة الإسلامية تؤكد ما آل إليه حال المسلمين عندما تركوا تحقيق الهدى النبوي في منهاج حياتهم، وتنكبوا الطريق، واتخذوا من شرائع الشرق والغرب ما يدارون به فوضى اجتهاداتهم القاصرة، بينما المنهج واضح جلي، لا يجب أن يضيع بين الذين حولوا ذكرى المولد إلى طقوس بدعية ما أنزل الله بها من سلطان، ولا إلى مجافاة لصاحب المولد ومنهجه وأعلنوها حرباً على شريعته وأتباعه.
| الحقوق الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ليست لأحد من البشر، ولكنها لا تختلط مع حق الله على عبيده. |
ففي الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موجها أمته إلى منهج الاعتدال في التعاطي مع محبته وفق أصول الدين: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبدالله ورسوله”، وهي رواية ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث يوجد من البشر من تقصر به العقول فيوجه بعض أنواع العبادات إلى الرسول المبلغ بدلا من أن يوجهها إلى الذي بعث هذا الرسول لإنقاذ البشرية من السير في الظلمات والتيه، وقد رأينا حركات صوفية كثيرة انحرفت عن معنى التصوف الحقيقي، وغالت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نسبت له بعض الصفات التي لا تنسب إلا لله سبحانه وتعالى، وأصبحت تستغيث به ودخلت في عالم الشركيات بدعوى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي وردت في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين”.
ما دفعني للحديث في هذا الموضوع الذي يبدو للبعض أنه قتل بحثا وتأصيلا، رؤية رآها أحد الأخوة الطيبين، وهي موافقة لأصول الدين حيث يقول إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ومن يرى النبي في المنام فقد رآه حقا فإن الشيطان لا يتمثل به عليه الصلاة والسلام، وقد تحدث له الرسول صلى الله عليه وسلم عن أناس من الدعاة افترقوا ما بين مفرط ومغالي في تعظيم النبي عليه السلام، منهم من تركوا ما هو من الهدى الذي درسوه في حق النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه وتوقيره وتعظيمه في حدود النصوص الشرعية، وزهدوا في الالتزام بورد ثابت يقومون فيه بحقه عليه السلام مخافة الوقوع في الغلو، ومنهم من طال بهم الزمن وكبرت بهم الأعمار وكسلت بهم الأعمال، فبحثوا عن مكان يسترعون فيه، واكتفوا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإنشاد المدائح والطرب لسماعها، فلا هؤلاء وفقوا ولا هؤلاء وفقوا، فإلى متى الجفاء والمغالاة..؟!
هذه الرؤيا جعلت صاحبها يطرح العلاج لإشكالية التطرف في المغالاة أو الجفاء في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الموضوع يستحق التنبيه إليه وضرورة العودة إلى المفاهيم والأصول لتأكيد ضوابط التعامل في حفظ حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلمس لهذه الرؤيا في حكم الواقع وشكوى النبي صلى الله عليه وسلم على حملة الدعوة، أما غيرهم من أهل الخزعبلات الخرافات الشركية والبدعية فلا التفاف إليهم، وهذا يجعلنا نستجيب لصاحب هذه الرؤيا الطيبة ونكتب في الموضوع باحثين عن الحقيقة والثواب محاولين القيام بحق الرسول صلى الله عليه وسلم ومبينين حقوقه الواجبة علينا نحن معاشر المسلمين فقلت وبالله التوفيق تأسيسا للموضع نذكر عدة أمور:
الأمر الأول: أن الداعية لا يضع رحله في مسبرة الدعوة إلا عند الوفاة لقوله تعالى: “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين” وهذا متناغم مع علو منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي هي من أعلى المراتب وأعلاها كما بينت أصول الشريعة ووضحته منازل السائرين ومدارج السالكين، ولهذا يجب على الداعية أن لا يهرب من الواجب المناط به تحت أي شعار وأن يحذر من المزالق والمصائد وخصوصا التي لها صيغ في ظاهرها تبدو أنها شرعية، وأن يعي أن مجال العمل يختلف عن مجال القول، وميدان العمل الجاد يختلف عن ميدان الجهاد، وميدان الجهاد الصادق الذي لا هوادة فيه يختلف عن ميدان الجهاد، فلا يغير موقعه ويظل مرابطا على ثغره حتى يأتيه اليقين من ربه.
الأمر الثاني: أن للنبي صلى الله عليه وسلم حق واضح في شرع الله يعطى من غير إفراط ولا تفريط: فيجب علينا محبته وطاعته وتوقيره واحترامه من غير إفراط ولا تفريط، كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبدالله ورسوله”
وهذه الحقوق الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ليست لأحد من البشر كما سيأتي وكذلك هي لا تختلط مع حق الله على عبيده، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
| ولعبده حق هما حقان من غير تمييز ولا فرقان |
لله حق ليس فيه لعبده لا تجعلوا الحقين حقا واحدا |
الأمر الثالث: أن إيمان المسلم لا يكون إلا بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، فهو آخر رسل الله وخاتم النبيين؛ يقول الله تعالى: “ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين” (الأحزاب: 40)
وقال سبحانه وتعالى: “إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا” (الأحزاب: 56)
وبعد هذا التأسيس ندخل إلى موضوعنا لعل إخواننا الدعاة من الصنف الأول ينتهوا عن مجافاته صلى الله عليه وسلم وينتبه الصنف الثاني من الاستدراج والوقوع في المغالاة والله نسأل التوفيق والسداد.
محبته صلى الله عليه وسلم حقيقية في حياته وبعد مماته لا مغالاة فيها:
نموذج واضح في قصة عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه عندما كان مشركا وفاوض النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فرأى من الصحابة ما يستحق التسجيل وإنذار قومه، فقال عندما رجع إلى قريش: “أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له” (أخرجه البخاري: 3/178، رقم 2731، 2732، الفتح: 5/388)
ولا شك أن هذا النموذج نفسه كان أثرا من آثار عظمته صلى الله عليه وسلم، ولكن عندما ضعف نور النبوة في حياة الأمة وقل تمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها، ضعف هذا التعظيم، فحاول بعض الغيورين -جهلا أو غفلة- جبر هذا الضعف بإحداث بعض المظاهر التي لم يعرفها خير من عظم المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما ساعد الفكر الإرجائي الذي صاحب هذا الانحراف في أن تكون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم مجرد كلمات ومدائح يتغنى بها المنشدون في الموالد والمناسبات من غير أن يكون لهذه الكلمات أي اثر من عمل واتباع لمن يزعم محبته وتعظيمه، أضف إلى ذلك أنه كلما اشتد الجهل والغفلة والادعاء زاد الغلو والانحراف الذي حذر منه المصطفى صلى الله عليه وسلم نفسه في أكثر من حديث.
وهنا أمر آخر، وهو أنه في الوقت الذي نستنكر فيه تلك الممارسات المبتدعة -التي اختزل فيها حب المصطفى صلى الله عليه وسلم بالقصائد والمدائح فقط- فإننا نستنكر أيضا الجفاء في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، والتقصير في القيام بواجباتها، فكما أن الغلو مردود، فكذلك الجفاء مرفوض بكل صوره وأشكاله.
إننا كبشر بحاجة إلى أن نحب ولكن لا نغلو، ونهوى ولا نفرط، فإن لكل فؤاد نزعة حب عذرية تفيض بعذب الهوى ونميره، ولو اطلع الناس على قلوب القساة لوجدوا فيها أنهارا متدفقة من الحب والرحمة، ولكنها تصب في أرض قيعان.
ميلاده صلى الله عليه وسلم إعادة الحياة للبشر:
مع بعثه صلى الله عليه وسلم ولدت الحياة، وارتوى الناس بعد الظمأ:
| واخضر في البستان كل هشيم | لما أطل محمد زكت الربى |
ولله القائل :
| وفـــمُ الزمان تبســـــم وضيـــــــــاء | ولد الهدى فالكائنات ضيـــــاء |
وكان من المبشرات بميلاد الحياة ما صادق المولد النبوي من إهلاك أصحاب الفيل؛ فإنه بشرى بإهلاك الطاغوت والطغاة، وولادة لفجر العدالة والحياة، كما أن في إهلاكهم اجتماعا لكلمة قريش وتوحدها، ولذا أنزل الله تعالى بعد سورة الفيل سورة قريش، بيانا لسبب من أسباب إهلاك أصحاب الفيل وهو أنه لتأتلف قريش.
لماذا الحب للنبي صلى الله عليه وسلم؟؟
إن الحب أسمى العلاقات، ولعله أرقها، ويكفي في ذلك قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “أنت مع من أحببت” (البخاري، رقم 6167، رقم 2639)، وأي سعادة تقارب تلك السعادة في الحب؟ وللأسف الشديد أن الناس استبدلت ذلك بالأدنى من الحب، قال الله تعالى: “أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير“
كيف كان علماء الأمة يتعاملون مع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم؟؟
أ- قال صاحب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم: ذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني؟ فقال: “ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أوثق منه” (سير أعلام النبلاء: 6/24). وقال عنه مالك: “وحج حجتين، فكنت أرمقه، ولا أسمع منه، غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت، وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه” (المصدر السابق: 6/17)
ب- وقال مصعب بن عبدالله: “كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون”.
ج- وذكر مالك عن محمد بن المنكدر -وكان سيد القراء-: “لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه” (حلية الأولياء: 3/147، وسير وأعلام النبلاء: 5/354، 355)
د- لقد كنت أرى جعفر ابن محمد -وكان كثير الدعابة والتبسم- فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا، وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله.
هـ-وكان الحسن –رحمه الله- إذا ذكر حديث حنين الجذع وبكائه (البخاري، رقم 3584) يقول: “يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إلى لقائه؛ فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه” (سير أعلام النبلاء: 4/570، وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبدالبر، ص572، مكتبة ابن تيمية).
| ساعد الفكر الإرجائي إلى تحويل محبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مجرد كلمات ومدائح في الموالد والمناسبات. |
و- وكان صفوان بن سليم من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، للقاضي عياض، ص598، بتصرف وإحالة).
ز- وقال عمرو بن ميمون: “اختلفت إلى ابن مسعود سنة فما سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه حدث يوما فجرى على لسانه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم علاه كرب، حتى رأيت العرق يتحدر عن جبهته، ثم قال: هكذا إن شاء الله، أو فوق ذا، أو ما دون ذا، ثم انتفخت أوداجه، وتربد وجهه وتغرغرت عيناه” (المصدر السابق: 2/599).
وبعد هذا التطواف في بيان مظاهر الحب بين علماء الأمة ونبينا صلى الله عليه وسلم، تعالوا ننظر إلى مظاهر الجفاء مع النبي صلى الله عليه وسلم:
- البعد عن السنة باطنا وظاهرا:
يأتي في أول تلك المظاهر البعد عن السنة باطنا؛ وذلك بتحول العبادات إلى عادات ونسيان احتساب الأجر من الله، أو ترك متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، والمحبة القلبية الخالصة له، ونسيان السنن وعدم تعلمها، أو البحث عنها، وعدم توقير السنة، والاستخفاف بها باطنا.
ومن ذلك أيضا: البعد عن السنة ظاهرا؛ وذلك بترك العمل بالسنن الظاهرة الواجب منها والمندوب، وعلى سبيل المثال سنن الاعتقاد ومجانبة البدعة وأهلها بل وهجرهم، أو السنن المؤكدة مثل: سنن الأكل، واللباس، أو الرواتب، أو التوتر، .. إلخ، وهذا البعد مع قول صلى الله عليه وسلم: “فمن رغب عن سنتي فليس مني” (البخاري: 5063)
- رد الأحاديث الصحيحة:
وللأسف ترد بأدنى حجة كمخالفة العقل أو عدم تمشيها مع الواقع، أو عدم إمكان العمل بها، أو تأويل النصوص وتحريفها لتوافق الهوى .. وقد كان علماء الأمة يحرصون على تعظيم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس أتباعهم.
قال الحميدي: “كنا عند الشافعي رحمه الله فأتاه رجل، فسأله في مسألة؟ فقال: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟! فقال: سبحانه الله! تراني في كنيسة! تراني في بيعة! ترى على وسطي زنارا ؟! أقول لك: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول: ما تقول أنت؟!” (سير أعلام النبلاء: 10/34، وحلية الأولياء: 9/106). وقال مالك: “أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله؟” (سير أعلام النبلاء: 8/99، وشرف أصحاب الحديث، للخطيب البغدادي، ص5)
قال ابن القيم رحمه الله: “ومن الأدب معه ألا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقول، -نعم! هو مجهول، وعن الصواب معزول-، ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد.
- نزع هيبة الكلام حين الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:
وفي مجالسنا ومنتدياتنا يلاحظ المتأمل منا جفاء روحانيا يتضح في نزع هيبة الكلام حين الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكأنها حديث عابر، أو سيرة شاعر، أو قصة سائر، فلا أدب في الكلام، ولا توقير للحديث، ولا استشعار لهيبة الجلال النبوي، ولا ذوق للأدب النوراني القدسي، فلا مبالاة، ولا اهتمام، ولا توقير، ولا احترام، وقال قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض” (الحجرات: 2) هذا أيها الناس هو الأدب الرباني؛ فأين الأدب الإنساني قبل الأدب الإسلامي؟
وقد كان مالك رحمه الله أشد تعظيما لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا جلس للفقه جلس كيف كان، وإذا أراد الجلوس للحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وتعمم وقعد على منصته بخشوع وخضوع ووقار، ويبخر المجلس من أوله إلى فراغه تعظيما للحديث” (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي: 1/196، والشفا لعياض: 2/601)
أما الصحابة رضوان الله عليهم فانظر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يحرص على تعليم الناس تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كتعظيمه حيا، وذلك من تمام وفائه للنبي صلى الله عليه وسلم. روى البخاري رحمه الله عن السائب بن يزيد، قال: “كنت نائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما، قال: من أنتما؟ –أو: من أين أنتما؟- قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم!!” (البخاري، رقم 470)
4- هجر أهل السنة أو اغتيابهم والاستهزاء بهم:
ويلحق بالجفاء: جفاء القلوب والأعمال تجاه من خدموا السنة، ويتمثل ذلك في هجر أهل السنة والأثر العاملين بها، أو اغتيابهم ولمزهم والاستهزاء بهم واستنقاص أقدارهم، وانتقادهم وعيبهم على التزامهم بالسنن ظاهرا وباطنا.
قال الجنيد بن محمد يقول: “الطرق إلى الله تعالى كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته؛ فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليها. كما قال تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا” (الأحزاب: 21) (أبو نعيم في الحلية: 10/257، وابن الجوزي في تلبيس إبليس، ص19)
وفي الحقيقة أن من تكلم فيهم لا يضر إلا نفسه:
كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل
ولعل هذا أيضا مما ينشر السنن من الناس:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت؛ أتاح لها لسان حسود
5- هجر السنن المكانية:
ومن صور الجفاء الممض الذي طبقه الكثيرون -من غير استشعار للجفاء-: هجر السنن المكانية، وشواهد هذا الجفاء في حياتنا كثيرة؛ فترى من الناس من يحج كل عام ويعتمر في السنة أكثر من مرة، ومع ذلك تمر عليه سنوات كثيرة لم يعرج فيها على المدينة النبوية إلا أقل من أصابع اليد الواحدة، وقد يعتب بعضهم على أهل الآفاق أو الوافدين الذين لا يقدمون الديار المقدسة في العمل إلا مرة، ويأتون المدينة فيصلون فيها ويغتنمون أوقاتهم، وترى من أولئك الآفاقيين حرصا لا تكاد تجد بعضه عند سكان الجزيرة العربية ومن حولها، بل يعتصر الإنسان أسى على أننا في هذه المناطق قل من يهتم بالزيارة، وقد يزورها لكن على عجل وخوف من فوات مصالح يظنها كذلك، وإن زارها فلا اهتمام بالسنن والشعائر.
وجدير لمواطن عمرت بالوحي والتنزيل، وتردد بها جبريل وميكائيل وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر صلى الله عليه وسلم، وانتشر عنها من دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدارس آيات، ومساجد، وصلوات، ومشاهد الفضائل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومواقف سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ومتبوأ خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم (الشفا لعياض: 2/622) أن يعتنى بها، وأن تحل في القلوب وتخالط بشاشتها، وأن يكون في زيارتها ما يحدو إلا اتباع السنة وتعظيم نبي الأمة صلى الله عليه وسلم.
* ومن السنن في المدينة: الصلاة في المسجد النبوي، وهي صلاة مضاعفة كما قال صلى الله عليه وسلم: “صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام” (البخاري، رقم 119، ومسلم، رقم 1394)
* ومن السنن المكانية: الصلاة في مسجد قباء، وقد نال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أسيد بن ظهير: “صلاة في مسجد قباء كعمرة” (الترمذي، رقم 323، وابن ماجه، رقم 1414، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، رقم 267)
* ومما نسي في المدينة من السنن المكانية: الصلاة في الروضة الشريفة، وهي من رياض الجنة التي ينبغي التنعم فيها والاعتناء بها؛ إذ هي من أماكن نزول الرحمة وحصول السعادة وأسبابها (انظر فتح الباري: 4/125، مدارج السالكين لابن القيم، 3/260). وقد بين ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: “ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي” (البخاري: رقم 1196، ومسلم، رقم 1391، وانظر فتح الباري: 3/90)
- ويلحق بزيارة المدينة المنورة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه وعلى صاحبيه، رضي الله عنهما. وهل يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم كلما دخل المسجد (وهو غير الدعاء عند دخول المسجد) ممن كان من أهل الآفاق؟ مسألة فيها خلاف (قال مالك رحمه الله: “وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء ..”، وهنا يلاحظ أن الزيارة في أوقات الزحام ليست بلازمة. الفتاوى [1/231]، وانظر التحقيق والإيضاح للشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله ) ، وأن يزور قبور البقيع من الصحابة، وقبور الشهداء، وقبر حمزة رضي الله عنهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزورهم ويدعو لهم، ولعموم الأحاديث في زيارة القبور؛ وأن يدعو لهم، وأن يستشعر فضائلهم ومناقبهم، وجهادهم، وأن يلين قلبه ويتذكر الآخرة لعل الله أن ينصر به دينه كما نصره بهم، وأن يجمعه بهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والله المستعان (ومما ينبغي ذكره قول شيخ الإسلام ابن تيمية: “إن زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية وزيارة بدعية؛ فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة، فهذه الزيارة الشرعية.
كان الصحابة والسلف يذكرون النبي يذوبون شوقاً ويتغير لونهم وأين هذه المشاعر من مسلمي اليوم؟
والثاني: أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات منهم، أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، أو أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضي إجابة الدعاء، فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها”. الفتاوى: 1/236)
6- عدم معرفة خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته:
ومن الجفاء مع النبي صلى الله عليه وسلم علميا وتربويا عدم معرفة الخصائص والمعجزات التي خص الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وهذا مما ينبغي أن يتفطن له المتعلمون قبل غيرهم، وينبغي مراعاة الفروق بين الخصائص والشمائل والمعجزات والكرامات، وأن الكرامات هي ما يبارك الله في أصله مثل تكثير الطعام والاستسقاء، أو ما يحدثه الله عز وجل من الخوارق التي يعجز عنها الإنس والجن؛ فيهيئها الله لعباده من غير قاعدة سابقة (انظر مجموع الفتاوى: 11/311، وشرح العقيدة الطحاوية، تحقيق التركي والأرناؤوط: 2/746)، ولا تكون الكرامات إلا لمن استقام ظاهرا وباطنا على الطريق المستقيم، وقد تجري لغيرهم لكن ليس على الدوام. أما المعجزات فلا تكون إلا للأنبياء للاستدلال بها والتحدي، وهي على الدوام على بابها في التعجيز، وليست من جنس الخوارق (انظر الفرقان بين أولياء الشيطان، لابن تيمية، ص59 فما بعدها). وأما الخصائص فهي الأحكام التي خص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم مثل الجمع بين أكثر من أربع زوجات، والقتال في الحرم المكي. والشمائل هي: الأخلاق الكريمة التي كانت محور حياة النبي صلى الله عليه وسلم كالعفو والصفح والرحمة ولين الجانب.
7- الابتداع في الدين:
ويزداد الجفاء سوءا حين يبتعد المرء عن الجادة والشرع إلى سلوك الابتداع في الدين ومشابهة حالة المخلطين من تعظيم مشايخ الطرق ورفعهم فوق منزلة الأنبياء بما معهم من الأحوال الشيطانية والخوارق الوهمية، أو الغلو في الأولياء الذين يظن أنهم كذلك، وإطراؤهم في حياتهم وتقديسهم بعد مماتهم، ودعاؤهم من دون الله، والنذر لهم وذبح القرابين باسمهم، والطواف حول قبورهم أو البناء عليها، وهذا هو الشرك الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لإزالته وهدمه وإقامة صرح التوحيد مكانه في الأرض وفي القلوب، فأقام الله دينه، ونصر عبده، وأعز جنده المؤمنين، وأقر الله أعينهم بإزالة علائم الشرك وأوثان الجاهلية حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها ويحطمها بيده وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: 81] (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) [سبأ: 49] (البخاري، رقم 4287، مسلم، رقم 1781)
8- الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم:
ومن الجفاء -الذي يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويخالف هديه ودعوته، بل يخالف الأصل الذي أرسله الله به وهو التوحيد-: الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم ورفعه فوق منزلة النبوة وإشراكه في علم الغيب، أو سؤاله من دون الله، أو الإقسام به، وقد خاف النبي صلى الله عليه وسلم وقوع ذلك فقال -في مرض موته-: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا: عبدالله ورسوله” (البخاري، رقم 3445)
ويبلغ الحد في التنفير من الغلو في ذاته صلى الله عليه وسلم أن لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فقال صلى الله عليه وسلم: “لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد” (البخاري، رقم 1330، مسلم، رقم 529)، ويحذر ما صنعوا.
ومن الغلو فيه صلى الله عليه وسلم: الحلف والإقسام به؛ فإنه من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله وحده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت” (البخاري، رقم 2679، ومسلم، رقم 1646)
9- ترك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم:
ومن الجفاء أيضا ترك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لفظا أو خطا -إذا مر ذكره- وهذا قد يحدث في بعض مجالسنا؛ فلا تسمع مصليا عليه صلى الله عليه وسلم فضلا عن أن تسمع مذكرا بالصلاة والسلام عليه، وهذا على حد سواء في المجتمعات والأفراد. وأي بخل أقسى من هذا البخل؟ وبهذا الجفاء يقع الإنسان في أمور لا تنفعه في آخرته ولا في دنياه، ومنها:
- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي” (رواه الترمذي، رقم 3545، وأحمد 2/254، وصححه الألباني في الإرواء: 6)
- إدراك صفة البخل التي أطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال: “البخيل: من ذكرت عند فلم يصل علي” (الترمذي، رقم 3546، وأحمد: 1/201، وصححه الألباني في الإرواء: 5).
- فوات الصلاة المضاعفة من الله عليه: إذا لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم وآلخ وسلم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: “من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا” (مسلم، رقم 284)
- ومنها فوات الصلاة من الله والملائكة لتركه الذكر النبوي، قال تعالى: “هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور” (الأحزاب: 43)
10- عدم معرفة قدر الصحابة رضوان الله عليهم:
هم الجيل الذين لهم شرف الصحبة، ونور الرؤية ويكفي فيهم قول الله تعالى: “والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ..” (التوبة: 100) أما ما وقع بينهم من الخلاف فهم بشر ليسوا بمعصومين، فلتسلم ألسنتنا كما تسلم قلوبنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص201 “إن القدر الذي ينكر من فعلهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح ومن نظر في سيرة القوم يعلم وبصيره وما من الله عليهم به من الفضائل، علم يقينا أهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمهم على الله” ا.هـ. وقال ابن تيمية رحمه الله كذلك في منهاج السنة 6/236: “هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين” ا.هـ
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه” (البخاري، رقم 3673، ومسلم، رقم 2541).
ولك أن تنظر في الذب عن الصحابة حينما دخل عائذ بن عمرو على عبيد الله بن زياد -كما روى مسلم- فقال: “إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن شر الرعاء الحطمة؛ فإياك أن تكون منهم”، فقال: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال: وهل كان لهم أو فيهم نخالة، إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم” (مسلم، رقم 1830) وصدق رضي الله عنه وأرضاه:
| حبا لذكرك فليلمني اللوم | أجد الملامة في هواك لذيذة |
11- الحساسية المفرطة حيال كل ما يتصل بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم:
ويأتي في النهاية ما قد يكون السبب في التزام الجفاء والتقنع به وهو الحساسية المفرطة من بعض المنتسبين إلى السنة والجماعة حيال كل ما يتصل بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتقديره وتعظيم أهل بيته الصالحين، سواء عند ذكره أو ذكرهم أو القصد إلى ذكره أو ذكرهم، خشية التشبه ببعض الطوائف، وهذا قصد في غير محله، وهذا التعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد به الخروج عن التعظيم الشرعي الوارد في الكتاب والسنة، وضابط ذلك التعظيم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومعرفة المحب الصادق من غيره في الاتباع، ومن إذا ذكرت له هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثله، وانتهى عما أحدثه في الدين، ومن إذا ذكرت له السنة تركها واتبع هواه.
فأين أولئك الجفاة من قول أبي بن كعب رضي الله عنه “اجعل لك صلاتي كلها” الأحاديث الصحيحة للألباني 954

