بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
بمناسبة قرب بداية العطلة الصيفية والعام الدراسي يلفظ أنفاسه الأخيرة أحببت أن أتوجه بهذه النصائح إلى أبنائي وبناتي الطلبة من واقع تجارب ومعايشة لما نشاهده ونسمعه من بعض الممارسات والسلوكيات التي نتمنى على أبنائنا وبناتنا تجنبها، واستغلال أوقاتهم فيما يفيد أنفسهم وأهليهم وأوطانهم:
ولدي الحبيب :
*حافظ على أدائك للصلوات ولا تتهاون في أدائها، قال تعالى:”إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً” وليكن أداؤك لها في جماعة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يحبنا ونحبه :”من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح” ويقول سعيد بن المسيب مبيناً شدة حرصه على أداء الصلوات في جماعة يقول :”ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد”.
إنك ولدي الكريم بحرصك على أداء الصلوات والمحافظة عليها في جماعة تفتح عليك أبواباً من الخير كثيرة لا يعلمها إلا الله.
| المحافظة على صلاة الجماعة تفتح أبواباً كثيرة لا يعلمها إلا الله. |
*يا فلذة كبدي اجعل لك ورداً يومياً مع كتاب الله عزوجل، ولو لدقائق معدودة، لعل الله يشرح صدرك، وينير دربك، وييسر أمرك، وأسوق لك ولدي الحبيب نموذجاً من سيرة سلفنا الصالح وكيف همتهم في قراءة القرآن، يقول يحيى الحماني: لما احتضر أبوبكر بن عباس –الإمام القدوة- بكت أخته فقال: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية قد ختمت فيها القرآن ثماني عشر ألف ختمة” لا شك أن هذا نموذج فريد قلما يحصل في زماننا، ولكن الذي نريده هو ألا نهجر القرآن،بل نخصص له ورداً يومياً ولو شيئاً يسيراً، فالقرآن هو الروح الذي يؤنس المؤمن في رحلته الشاقة في هذه الأرض، والنور الذي يضيء جوانب روحه،والمعلّم الذي يلقّنه، وما أجمل أن يحفظ الواحد منا شيئاً من القرآن، فإن ذلك يقوي ملكة الحفظ عند الإنسان وييسر له العلوم الأخرى.
ابني الكريم
*أطع والديك واحترمهما غاية الاحترام، واحرص على أن تنال من دعائهما لك، واحذر عقوقهما فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “رضاء الرب في رضاء الوالدين وسخطه في سخطهما”.
وأنت ابنتي:
ما قلناه لأخيك لا يختلف كثيراً عما نقوله لك فما قلناه له نقوله لك ولكن نضيف إليه:-
*احفظي حدود الله والزمي الحجاب الشرعي ولا تحيدي عنه، ففيه عفافك وحياؤك، وسعادتك، وتذكري قول الله عزوجل:”يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين” الأحزاب:59
وتذكري أيضاً حديث الرسول صلى اله عليه وسلم:”صنفان من أهل النار لن أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا” رواه مسلم.
وليكن حجابك شرعياً غير ملفت للنظر أو مثير للغرائز، فإن الحجاب إنما شرع لصيانة المرأة وعفتها لا لإبداء زينتها وجمالها.
بارك الله فيك وفي أمثالك
وصدق الشاعر إذ يقول:
ذرني أنل ما لا ينال مـن العــــلا
فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
ابني الكريم :
*قد تواجه أثناء العطلة ساعات فراغ طويلة نظراً لطبيعة الصيف ، فاحرص على الاستفادة من هذه الأوقات فيما هو مفيد، فإننا محاسبون أمام الله عزوجل عن أوقاتنا يوم القيامة، ومما يروى عن الإمام مالك النحوي الأندلسي أنه كان لا يُرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ، وكان شديد المحافظة على كسب الوقت وعدم إضاعته، حتى إنه يوم وفاته حفظ ثمانية أبيات لقنه ابنه إياها قبل مماته.
| إنما شرع الحجاب لصيانة المرأة وعفتها لا لإبداء زينتها، والجمال الحقيقي جمال النفس المهذبة التقية. |
*تعرف على إخوان لك في الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: المؤمن ألف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، ووطد علاقاتك معهم بالتعاون على نشر الخير وغرس القيم والأخلاق الفاصلة، قال تعالى:”وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” المائدة:2 .
ابنتي العزيزة:
*فراقبي الله تعالى في جميع تصرفاتك، واحفظي عفتك وحياءك، والتزمي أوامر الله عزوجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في مظهرك ومخبرك، تكوني كالدرة المصونة وتنالي من الله الأجر والثواب العظيم قال تعالى:”إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً” الأحزاب:35 .
إن التزامك بالحجاب والزي الشرعي دليل على كمال حيائك وخوفك من الله عزوجل، فلا تغتري بصيحات التبرج والسفور بحجة التقدم والمدنية فإنها في الحقيقة نكسة وخسارة ومهلكة.
*واعلمي أن الجمال الحقيقي إنما هو جمال النفس المهذبة التقية، يشع من العيون ويتدفق على الوجه فيكسوه جمالاً، وجمال الحياء يتألق ويغمر الوجه نوراً وبهاءً، فكم من وجه جميل يغشاه الخبث والوقاحة فتظلم بهجته، وكم من عيون جميلة الشكل يعلوها صدأ الجهل والغباوة فيطمس بريقها، يطفيء نورها، ويتحول جمالها قبحاً، فارعي حق الله واحفظي حدوده وقد قال رسول الله صلى اله لعيه وسلم:” احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك .. الحديث”.
*تعرفي أيتها الطالبة الفاضلة على أخوات لك في الله، وسارعي معهن في نشر الخير وغرس القيم والأخلاق الفاضلة في أوساط الطالبات.
ابني الحبيب :
*راقب الله عزوجل في جميع تصرفاتك .
*اجعل نيتك من طلب العلم الشرعي مرضاة الله عزوجل ونصرة دينه وخدمة المجتمع، يقول سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم (اعلم أن عون الله للعبد على قدر نيته ، فمن تمت نيته تم عون الله له، وإن نقصت نقص بقدره) ويقول مطرف بن عبدالله (صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية) .
*اعلم أيها الابن العزيز أن دوام الحال من المحال، والنعم لا تدوم، فالحياة المعيشية اليوم ليست كما كانت بالأمس من الرفاهية ورغد العيش، فعليك أن تتكيف مع الظروف المعيشية اليوم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم) .
*تجمل بالأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة، وأقبل على نفسك، وعالج جوانب القصور فيها، لتكون قدوة صالحة أمام الآخرين .
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس –لا بالجسم- إنسان
وقيمة الإنسان بما يحمل من صفاء القصيدة، وسمو الأفكار، وجميل الأخلاق .
| لا تجلسوا أمام التلفاز بالساعات، وتذكروا قوله تعالى:”إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً”. |
*نظم أوقاتك ولا تضيعها سدى، فالوقت كما قيل : كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فاعط كل ذي حق حقه، يقول الوزير الصالح يحيى بن هبيرة :
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
*أصحب الأخيار، وحذار من أن تصاحب قرناء السوء فتنحرف كما انحرفوا وتحيد عن الجادة كما حادوا، والمرء- كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم – على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، وقديماً قالوا :
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
ويقول الفضيل بن عياض رحمه الله : إذا خالطت فخالط حسن الخلق، فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه راحة، ولا تخالط سيئ الخلق، فإنه لا يدعو إلا إلى شر، وصاحبه منه في عناء .
*تجنب السهر والجلوس أمام شاشة التلفاز ساعات طويلة، واقتصر على البرامج والمشاهد المفيدة والهادفة، وتذكر قوله تعالى ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) .
أبنائي .. وبناتي
وبما أننا في عطلة صيفية، فأفضل الأوقات التي يمكن قضاؤها مع كتاب الله تعالى تلاوة وتأملاً وتفسيراً فتعيشون في ظلاله، وتستفيدون من توجهاته، فلتسمو نفوسكم، وتزكى أعمالكم، وتجدون لذة ذلك في الحياة السعيدة الهنيئة، كما لا تنسوا أن تجعلوا لأنفسكم ورداً من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتعلموا حبه، والأسباب الجالبة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ومنها:
- محبة الله تعالى والأنس بذكره وحمده وشكره على النعم الظاهرة والباطنة.
وينبغي للعبد كثرة سؤال الله تعالى الصدق في المحبة، والدوام والثبات على المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم:
| وفي الليل يدعوني الهوى فأجيب كان زمان الشوق ليس يغيب |
أحن بأطراف النهار صبابة وأيامنا تفنى وشوقي زائد |
وعلى الإنسان أن يأنس بخلوته ليتفرغ فيها للعبادة ففيها لذة السعادة التي لا تدرك إلا بالخلوات، ولذا قال الإمام أحمد رحمه الله: “رأيت الخلوة أروح لقلبي” (سير أعلام النبلاء: 11/226)
2- تقديم محبة النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأوامره على من سواه، وتعظيم ذلك، بدءا من المحبة القلبية وتمني رؤيته وصحبته، وانتهاء بالعمل بشريعته ظاهرا وباطنا، عن محبة وشوق، كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده، والناس أجمعين” (البخاري، رقم 15، ومسلم، رقم 44). ويتجلى هذا الحب إذا تعارض مع أحد هذه المحبوبات ما أحبه الله ورسوله ورضيه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ويبلغ التشريف لمن قصد المحبة مبلغه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله” (البخاري، رقم 3589، ومسلم، رقم 2832. واللفظ له)
ومما يجلب حنان القلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه تذكر ما يأتي:
- تذكر أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم في حرصه على أمته، ورأفته ورحمته بهم، وما لاقاه الرسول صلى الله عليه وسلم من الأذى والكيد من المشركين في مكة والطائف، ومن اليهود والمنافقين في المدينة.
* قال تعالى: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم” (التوبة: 128)
* قال ربيعة بن عباد الدؤلي -وهو شاهد عيان-: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله عز وجل، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس، لا يغرنكم هذا من دينكم ودين آبائكم. قلت: من هو؟ قالوا: أبو لهب!! (البخاري رقم 3405)
* وقيل عنه (ساحر، شاعر، مجنون، صابئ، يضرب على عقبه، يخنق بسلا الجزور، تكسر رباعيته، يدمى وجهه، يتهم في بيته، يتهم في عدله. ومع ذلك يقول: “يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر” (البخاري، رقم 3405)
ب- تذكر الأجر والأثر العاجل في الدنيا والآخرة الوارد في محبته صلى الله عليه وسلم
3- إجلال أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وآله إجلالا يليق بهم، وإكرام الصالحين منهم وموالاتهم، ومعرفة أقدارهم، وهذا مطلب شرعي قبل أن يكون مقربا لحب النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: “قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى” [الشورى: 23] (وهذا الاستثناء منقطع حتى لا يكون ذلك أجرا في مقابلة أداء الرسالة، ومعنى الآية: ولكني أذكركم المودة في القربى، وأذكركم قرابتي منكم، قال البغوي في تفسيره: 7/192، وابن كثير، 4/114، وابن عاشور في التحرير والتنوير: 12/83) وروى مسلم في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم: “أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به”، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: “وأهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي”(مسلم، رقم 2408).
وروى البخاري عن ابن عمر عن أبي بكر رضي اللهم عنهم قال: “ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته” (البخاري، رقم 3713)
كما ينبغي مراعاة ما يلي:
- بقاء شرف النسب لهم وتميزهم عن غيرهم لأجل ذلك.
- أنهم كغيرهم فيهم الصالح وفيهم غير ذلك، وأنهم داخلون في قوله صلى الله عليه وسلم: “ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه” (مسلم، رقم 2699).
- الدعاء لهم في الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: وآله.
وقد كان سلفنا يجعلون لهم المكانة العالية، نذكر هنا مواقف مبينة:
- لما دخل عبدالله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في حاجة له على عمر بن عبدالعزيز، فقال له عمر: إذا كانت لك حاجة فأرسل إلي أو اكتب فإني أستحيي من الله أن يراك على بابي (الشفا: 2/608)
- وعن الشعبي: صلى زيد بن ثابت على جنازة أمه، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله، فقال: هكذا نفعل بالعلماء فقبل زيد يد ابن عباس؛ وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم (الشفا: 2/608).
4- تعظيم السنة والآثار والأدلة من الوحيين قولا وعملا وعلما، وبهذا يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة -تلبيس إبليس- لابن الجوزي ص15.
5- إجلال العاملين بالسنة وتقديرهم وتوقيرهم، وخاصة العلماء منهم فهم الشامة في جبين الأمة، وهم النور الذي يمشي بين الناس كما هم الأمنة والأمناء على ميراث النبوة.
6- الإكثار من قراءة السيرة النبوية والمطالعة فيها تلك السيرة العطرة ففيها الغناء وفيها المتعة، وكذلك الإكثار من قراءة سيرة الصحابة رضي الله عنهم فإنها إنما تحكي حياتهم للدين وللرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.
قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت، لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس (سير أعلام النبلاء: 8/398)
| ألباء مأمونون غيبا ومشهدا وحلما وتأديبا ورأيا مسددا |
لنا جلساء ما نمل حديثهم يفيدوننا من علمهم علم من مضى |
ومن الكتب التي ينبغي المطالعة فيها وقراءتها، (السيرة النبوية الصحيحة) لأكرم ضياء العمري، وكتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم) للقاضي عياض وصحيح الشمائل المحمدية للترمذي واختصار وتحقيق الشيخ الألباني .
7- الذب عن النبي صلى الله عليه وسلم والتصدي للمغرضين والمنافقين والمنهزمين والمستشرقين والمستغربين الذين يبثون سمومهم في وسائل الإعلام المختلفة ووسائل الاتصال المتنوعة إيذاء للمؤمنين ومحاربة لله ولدينه ولأوليائه، وقد انتدب النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه ما يكفيه المشركين مع أن الله قد حفظه فقال: “من يردهم عنا، وله الجنة” (رواه مسلم، رقم 1789)
وقال لأبي قتادة حين كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقط من الراحلة ثلاث مرات وهو نائم، وكان أبو قتادة يدعمه حتى لا يسقط قال له: “حفظك الله بما حفظت نبيه” (رواه مسلم، رقم 681). وقال لحسان بن ثابت حين كان ينتدب للدفاع عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “اهجهم وجبريل معك” (رواه البخاري، رقم 3213، ومسلم، رقم 2486). ومن قول حسان رضي الله عنه:
| لعرض محمد منكم وقاء | فإن أبي ووالدتي وعرضي |
والدفاع والذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته، وأصحابه شرف ورفعة ينبغي العمل لأجله، كما أنه واجب على الإنسان العارف التحذير من المتطاولين على السنة وأهلها، وكشفهم للناس حتى لا تنفذ شبههم وسمومهم، وتحذير الناس منهم ومن كتاباتهم.
وعند الحديث عن الذب عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم يحسن بنا أن نقف عند موضوع كثر العبث فيه للتخلص من الاقتداء والاهتداء بهديه صلى الله عليه وسلم وهو: الأفعال النبوية من حيث الاتباع والتأسي:
تنقسم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الاتباع والتأسي إلى ثلاثة أقسام هي:
أولاً: الأفعال الجبلية:
كالقيام والقعود والشرب والنوم ونحو ذلك، وهي نوعان من جهة التأسي والاتباع:
* نوع جاء النص -الخارج عن الفعل- بإيجابه أو ندبه، كالأكل باليمين والشرب ثلاثا وقاعدا، والنوم على الشق الأيمن، فهذا يشرع التأسي والاقتداء به في ذلك.
* ونوع لم يأت نص دال على مشروعيته، وهو باق على الأصل من حيث الإباحة للجميع؛ وذلك لأن “الأوصاف التي يطبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطلب برفعها ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها” (الموافقات للشاطبي: 2/108)
وهذا النوع محل خلاف بين أهل العلم في مشروعيته التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم فيه -على جهة الندب- على قولين:
- أن التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا النوع مندوب، وقد كان ابن عمر رضي الله عنه يفعل مثل ذلك وإن كان قد فعله صلى الله عليه وسلم اتفاقا ولم يقصده.
- قول جمهور الصحابة رضي الله عنهم وفعلهم، ومنهم الفاروق وعائشة رضي الله عنهما (انظر في تقرير ذلك: كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: ص105، 106: لابن تيمية، والفتاوى له: 10/409)
ويلحق بالأفعال الجبلية: الأفعال التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى العرف والعادة كلبس الجبة والعمامة وإطالة الشعر ونحو ذلك؛ إذ لا تدل –على الأظهر- على غير الإباحة إلا إذا ورد دليل على مشروعيتها (انظر أفعال النبي صلى الله عليه وسلم د. عمر الأشقر: 1/235، 236).
ثانياً:الأفعال التي علم أنها من خصائصه صلى الله عليه وسلم:
ذكر أهل العلم في باب خصائصه صلى الله عليه وسلم أمورا من المباحات والواجبات والمحرمات، بعضها متفق على حكمه بالنسبة له صلى الله عليه وسلم، وبعضها الآخر فيه خلاف -ليس مقام تحريرها- فمن المباح له: الزيادة على أربع نسوة في النكاح، والنكاح بلا مهر، ونكاح الواهبة نفسها، ومن الواجب عليه: وجوب التهجد وقيام الليل. ومن المحرم عليه: الأكل من الصدقة، وأكل ذي الرائحة الخبيثة كالثوم والبصل.
| أفضل الأوقات مع كتاب الله تلاوة وتأملاً وتفسيراً، وليكن لكم ورد من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. |
فهذه خصائص لا يشاركه فيها أحد ولا يقتدى ويتأسى به فيها؛ قال الشوكاني: “والحق أنه لا يقتدى به صلى الله عليه وسلم فيما صرح لنا بأنه خاص به كائنا ما كان إلا بشرع يخصنا”.
ويلحق بهذا ويرجع إليه: ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه دون بعض، كشهادة خزيمة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم تعدل شهادة رجلين، وأضحية أبي بردة الذي ضحى بجذعة من المعز، وقال النبي صلى الله عليه وسلم له: “اذبحها ولن تصلح لغيرك”، كما يلحق به ما خص به صلى الله عليه وسلم أهل بيته رضي الله عنهم كالمنع من أكل الصدقة.
- الأفعال التعبدية:
وهي الأفعال غير الجبلية وغير الخاصة التي يقصد بها التشريع، فهذه مطلوب الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم فيها، وهي الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة..” (الأحزاب: 21)، إلا أن صفتها الشرعية تختلف من حيث الإيجاب أو الندب بحسب القرائن.

