بقلم الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
الجماعات الإسلامية تحمل على عاتقها راية المناداة بإقامة المشروع الإسلامي الذي يسع المسلمين أجمعين، بل يسع الناس جميعا، وهي بذلك ترتاد الطريق الذي سلكه أتباع الأنبياء من قبل، وتواجه بعض الصعوبات التي اعترضت طريق المرسلين والصديقين على امتداد دعوة الإسلام منذ نوح إلى اليوم، لأن رسالة الأنبياء كلهم واحدة في أصولها، وإن اختلف بعض فروعها من رسالة إلى أخرى، والرسالة الخاتمة كانت مسك الختام للرسالات السماوية، وكان أصحابها هم المتمسكون بالحق، السائرون على الجادة، تستقيم لهم النفوس والظروف بقدر استقامتهم على الإيمان، فبقدر قربهم من الدين تعلو منزلتهم وتتآلف قلوبهم، وبقدر بعدهم عن الدين تهبط مكانتهم وتتنافر منهم القلوب، وإذا تنافرت القلوب صعب التئامها وجبر كسرها.
إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
وإذا زاد هذا التنافر أصبح أحد أسباب خروج بعض العناصر بعيدا عن الصف، لا لضعف إيماني من هذه العناصر ولا لهوى أرضي أو مغنم مادي أو مكسب سياسي، وإنما لغياب معلومات أو اختلاف في وجهات النظر، أو لأن الجماعة ذات منهج لا يستوعب في تفاصيله آمال كل الأفراد، أو لأنها ذات قيادات لا تفتح المغاليق أمامهم، أو لأنها وقفت من بعض الأحداث موقفا لم تكن له جذور شرعية واضحة، أو لأنها تباطأت في اتخاذ قرار حتى فاتت فرصته فعادت تبحث في كيفية علاج موقفها منه، أو غير ذلك من الأسباب، التي تكون دافعا لخروج البعض من الصف الإسلامي.
وهؤلاء الخارجون قد يكونون خارجين بالفعل أو بالقوة –كما يقول المناطقة- أما الخارجون بالقوة، فهم الذين يكتفون ببعض المشاركات، ويساهمون مع جماعتهم ببعض المساهمات، ثم هم بعد ذلك لا يسند إليهم عمل، ولا يحمل عليهم عبء، إنهم يعملون أعمالا صغيرة مقابل أن يظلوا مستمرين في ظلال الدعوة والحركة، أما أن يعملوا بكامل طاقتهم وكل قوتهم في سبيل دفع الحركة إلى الأمام فذلك بينهم وبينه بعد شاسع وبون بعيد، فكأنهم خارج الحركة وإن كانوا في داخلها إنهم خارجون بالقوة لا بالفعل، لأنهم أرادوا ذلك لأنفسهم.
أما الخارجون بالفعل فهم أحد رجلين: خارج يريد أن يكفي نفسه مئونة العمل مع أي جماعة وهذا يقضي وقته بعد الخروج كما يعيش بقية المسلمين في المجتمع، لا يشارك في شيء، ولا يعنيه أمر من أمور الدعوة أو الحركة الإسلامية.
وخارج آخر لا ينضم إلى جماعة أخرى من الجماعات ولكنه لا يكتفي بالرؤية ومشاهدة المجتمع حوله، بل يشارك بالرأي في قضاياه كاتبا أو محاضرا أو محاورا، دون أن يتعرض للجماعة التي فارقها بغمز أو لمز، ولا بنصرة أو تأييد.
وثالث خرج ليكون مشروعا إسلاميا جديدا يعبر به عن وجهة نظره التي تخالف وجهة نظر جماعته، ويرى أن وجهة النظر التي يتبناها هي الأصوب والأحسن والأنسب لمواجهة الأحداث الجارية، وروح العصر القائمة، مع حرص هؤلاء جميعا على عدم المساس بجماعتهم التي خرجوا منها وعدم توجيه التهم إليها أو محاربتها والسعي في الكيد لها.
والرابع شخص أو أشخاص من الخارجين ليس همهم غير الطعن واللمز في جماعتهم وفي جماعات غيرها، وأصبح ذلك كل عملهم، فقد كانوا يقربون الناس من الدين، فصاروا بالطعن والتجريح في الآخرين من إخوانهم ينفرون الناس من الانضمام لأي جماعة دينية.
ومحصلة الأمر أن الجماعة عليها أن تراجع مواقفها وأن تحاسب نفسها، لتعلم سبب خروج هؤلاء الخارجين فتعالجه معالجة حكيمة، كي يبقى صفها ملتئما إن لم يكن كالبنيان المرصوص وأن تمد أيديها لهؤلاء تعين العاملين، وتظل لها علاقة بغير العاملين تقوم على المودة والألفة، فلا تنقطع خيوط الاتصال بينها وبينهم، ولعلهم يعودون للصف إن أصلحت الجماعة ما كان سببا في خروجهم ولو كان شيئا هينا يسيرا، ولقد كان عمر بن الخطاب حريصا كل الحرص على نفوس المسلمين, فلا يزج بهم في ميدان الجهاد إلا وقد أعد للنصر عدته واتخذ له أسبابه، وكان يقول: “وددت لو كان بيننا وبين هؤلاء –يقصد المشركين- جبلا من نار فلا يصلون إلينا ولا نصل إليهم” وكان ذلك منه حرصا على سلامة الأنفس. والجماعة الإسلامية لا ينبغي أن يقل حرصها على سلامة صفها ومتانة بنائه من الأفراد عن هذا الحرص العمري، ولذلك فمعالجة حالات الخروج هذه بحسب ما تقتضيه كل حالة يؤدي في النهاية إلى ثبات الصفوف وإلى زيادة نموها، ومنع التسرب والخلل بينها، أو الخروج منها بالفعل أو بالقوة.
ذلك لأن دور الحركة الجادة محاولة الاستفادة من كل طاقة موجودة في إطارها، وليس الخروج من الإطار التنظيمي للحركة جريمة في حقها أو دليلا على ضعف إيمان صاحبه، أو اعوجاج مسلكه، أو رغبته في حب الدنيا، وليس للخروج من الجماعة صورة واحدة، ففي النظرة الواقعية قد نجد من هم خارج الصف يخدمون المشروع الإسلامي خدمات كبيرة، وقد نجد من داخل الصف من لا يقدم للمشروع الإسلامي أي إضافة تذكر.
فهناك من نظنهم داخل الصف وهم في الحقيقة خارجه، ومن نظنهم خارج الصف وهم في الحقيقة داخله بجهودهم وعملهم وسعيهم.
ويبقى على الجماعة أن تستفيد من كل القدرات والطاقات وأن تأخذ بمبدأ “كل ميسر لما خلق له”

