(البحر الرقراق في مقامات شعر مكارم الأخلاق)

              بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

قال صاحبي: هلم نتطارح الأشعار .. ونتذاكر الأخبار، ونأنس بنظم السابقين، وننهل من حكمتهم كل معنى متين.

قلت: لبيك إلى طلبتك، وسراعا إلى قضاء نهمتك.

قال: حسبنا أن نبتدر المقام .. بقول نبينا عليه السلام “إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة”، فهي خير مبتدى، لهذا المنتدى، بين رياض الأشعار .. وقصيد الشعراء الكبار، من ذوي العلم والحكمة، وأهل التقى والفطنة، فليس كل شعر بسمين .. إلا إذا توشى بمبادئ الدين.

قلت: صدقت فيما أخبرت، وأحسنت فيما عبرت، إذ ما لم يتوشى الشعر بالحق، فإنه يذل ويرق، وقد نبأ بذلك القرآن، في صراحة وبيان، فقال في سورة الشعراء يذم شعراء الأهواء: “والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم ترى أنهم في كل تواد يهيمون .. وأنهم يقولوا مالا يفعلون”.

قال: غير أنه استثنى، أهل الحكمة والحسنى، فقال منوها بهم، ومثنيا على حالهم، ومجيزا لصنعه شعرهم “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصرا من بعدما ظلموا”

قال صاحبي: فاسأل يا بن الياسين، وانهل من بحر معين، واطلب قليلا أو كثيرا، فدونك العطاء وفيرا ..

1- أدب الاغتراب والسفر والترحال

قلت: هلا أتحفتنا برائع الأشعار، في الرحلة إلى الأمصار، فإنا على أبواب الصيف، وتبلغ درجات الحرارة ستين ونيف ..

قال: من رائع الأشعار .. وجميل الأخبار، ما قاله الذكي، والرحالة الألمعي، عساه الإمام الشافعي:

ورزق الله في الدنيا فسيح
إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا
بلاد الله واسعة فضاء
فقل للقاعدين على هوان

قلت: وماذا عن قولهم في الأسفار، لطلب الرزق والاستكثار..

قال: لقد أتوا بجواهر حسان. من بليغ القول ورائع التبيان، فاسمع هذه الأبيات، وترحم على من لزم البيات، ولم يغترب لنيل الطيبات.

قال شاعرهم:

وخشيت فيها أن يضيق المكسب
طولا وعرضا شرقها والمغرب
وإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة
فارحل فأرض الله واسعة الفضا

وقال الآخر يزجر عن الكسل، ويحث على العمل، مصدقا لحكمة العقلاء، وتصديقا لقول النبلاء “ما اشتار[1] العسل من لزم الكسل”

وقول الآخر “ما ملأ الراحة[2] من استفرش الراحة”..!

ولكن ألق دلوك في الدلاء               وما طلب المعيشة بالتمني
يجيء بحمأة[3] وقليل ماء              يجيء بمائها طورا وطوار
تحيل على المقدر والقضاء             ولا تقعد على كسل التمني

قلت: جاءنا من الأنباء، عن فضل السفر ومخالطة الغرباء، فوائد كثيرة، وعبر وفيرة، ترنم بها الشعراء، وأثنى عليها الأدباء، فهلا أتحفنا منها بأبيات، تبعث فينا حب الرحلات ..

قال: سألت يسيرا، وطلبت وفيرا، فدونك ما يجمل، من الشعر الأمثل .. قاله عالم الفقه والبيان، بليغ القلم واللسان، إنه الإمام الشافعي، صاحب المقام العلي قال:

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
وعلم وآداب وصحبة ماجد
وقطع الفيافي واكتساب الشدائد
بداء هوان بين واشي وحاسد
تغرب عن الأوطان في طلب العلا
تفرج هم واكتساب معيشة
وإن قيل في الأسفار ذل ومحنة
فموت الفتى خير له من حياته

قلت: وماذا عن قول الأدباء، وقصيد الشعراء، في الذلة والهوان، في دار الأوطان، والتي أشارت إليها آية القرآن في قول ربنا الرحمن “إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها

قال: نعم عندي باقة من أبيات الشعر، في الحث على الهجر، من دار الذل والهوان، إلى أرض بها الأمان والإيمان، ومنها قول القائل:

ترحل طالبا أرضا سواها
وأرض الله واسعة فضاها
بليد ليس يعرف من طحاها
وخل الدار تنعى من بناها
ونفسك لم تجد نفسا سواها
فليس يموت في أرض سواها
إذا ما ضاق صدرك من بلاد
عجبت لمن يقيم بأرض ذل
فذاك من الرجال قليل عقل
فنفس قربها إن خفت ضيما
فإنك واجد أرضا بأرض
ومن كانت منيته بأرض

وقال الآخر:

ولا تكن لفراق الأهل في حرق
فالاغتراب له من أحسن الخلق
ارحل بنفسك من أرض تضام بها
من ذل بين أهاليه ببلدته

وعبر آخر، بكلام حكيم زاخر، عن العزة في الترحال، والرحلة عند حلول الوبال، فقال:

فدع المقام وبادر التحويلا
في بلدة تدع العزيز ذليلا
وإذا البلاد تغيرت عن حالها
ليس المقام عليك فرض واجب

2- أدب القناعة والرضا

قلت: هلا حدثتني، وبالأشعار أتحفتني، عن أشعار القناعة والرضا، واليقين بالقضاء والقضا، فكما ترى الناس في عصرنا، قد استلبتهم الآمال والمنى، وما لهم عنها من رادع، وما أحدهم عنها بقانع، فأتحفنا بجواهر الأشعار، وشنف بها الأسماع للاعتبار..

قال: لبيك من طالب، وطوبى لك من راغب، عندي بضاعة من الشعر غير مزجاة، في القناعة والرضا بقدر الله، فاسمع وتبصر، قول من قال وأبهر:

لو لم يكن منك إلا راحة البدن
هل راح منها بغير القطن والكفن
هي القناعة فالزمها تعش ملكا
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها

وتلك أبيات أخرى، تفضل السالفة ذخرى، وتفوح بالبلاغة والإيمان، وتنبه عقل وقلب الكسلان، حيث قال:

يجر ذيل التيه في خطرته
كأنه الميت في سكرته
جهرا ولا يخشاه في خلوته
واعلم بأن العز في خدمته
واتبع الشرع على سنته
ويذهب الرونق من بهجته
كيف يخاف المرء من فوتته
ما في الذي قدر من حيلته
مفاتح الأشياء في قبضته
ويحرم الكيس مع فطنته
على الذي نالك من عضته
إلا لمن تطمح في رحمته
واعجبا للمرء في لذته
يزجره الوعظ فلا ينتهي
يبارز الله بعصيانه
ارغب لمولاك وكن راشدا
واتل كتاب الله تهد به
لا تحرصن فالحرص يزري الفتى
والحظ لم تجلبه حيلة
ما فاتك اليوم سيأتي غدا
والرزق مضمون على واحد
قد يرزق العاجز مع عجزه
إن عضك الدهر فكن صابرا
أو مسك الضر فلا تشتكي

ولله ما قال ابن الوردي، من معان حسان بعطرها الوردي:

قطعها أجمل من تلك القبل
وعن البحر اجتزاء بالوشل
تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الجاهل فيها أو أقل
وعليم بات منها في علل
وجنان نال غايات الأمل
إنما الحيلة في ترك الحيل
أنا لا أختار تقبيل يد
ملك كسرى تغني عنه كسرة
اطرح الدنيا فمن عاداتها
عيشة الراغب في تحصيلها
كم جهول بات فيها مكثرا
كم شجاع لم ينل فيها المنى
فاترك الحيلة فيها واتكل

قلت: وماذا عن أحسن ما عندك، وخير ما اقتدحه زندك، في التدبير والحزم، واتباع ألة الرأي والعزم، وترك الجهال الأصاغر، واتباع السراة الأكابر.

قال: عندي أبيات زاهية، ومعان عالية، لصاحب الفضل والسؤددي، فحل الشعراء الأفوه الأزدي، حيث يقول:

ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
فإن تولت فبالأشرار تنقاد
نما على ذاك أمر القوم فازدادوا
البيت لا ينبني إلا على عمد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة
لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
إذا تولى سراة الناس أمرهم

قلت: زدني مما تحفظ، فقد شغفني ما أسمع وألحظ

قال: وهذه أبيات حسان، في امتداح ذي الرأي والعرفان، من ذوي البطولة والنهي، والمقدمين في الكريهة والوغى، وهي من لامية الطغرائي، ذات المكان العلي، حيث يقول:

وحلية الفضل زانتني لدى العطل
على قضاء حقوق للعلي قبلي
عن المعالي ويغري المرأ بالكسل
في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل
فصنتها عن رخيص القدر مبتذلي
وليس يعمل إلا في يدي بطل
حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
وراء خطوي ولو أمشي على مهل
من قبله فتمنى فسحة الأجل
لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
أصالة الرأي زانتني عن الخطل
أريد بسطة كف أستعين بها
حب السالمة يثني عزم صاحبه
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا
غالي بنفسي عرفاني بقيمتها
وعادة السيف أن يزهو بجوهرة
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني
تقدمتني أناس كان شوطهم
هذا جزاء أمري أقرانه درجوا
فإن علاني من دوني فلا عجب

قلت: لله درك، ودمت فيما أسرك، منشدا للشعر وراويا، وبمكارم الأخلاق زاهيا..

[1]  أشتار أي جمع

[2]  الراحة الأولى هي الكف وذلك كناية عن سعة الرزق، والراحة الثانية من الارتياح والقعود عن الكسب..!

[3] الحمأة: أي الطين