بقلم : د.جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
هذه معايير شرعية نقدمها للداعية لتكون عونا له ونبراسا مضيئا على طريق الدعوة، وأداء لحق الأمانة العلمية، واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية دعوته الناس. وأول هذه المعايير هو:
- تقييد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمصلحة:
قال تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر” يقول الإمام القرطبي في تفسيرها: (جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فارقا بين المؤمنين والمنافقين) ودل ذلك على أن من أخص صفات المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي اكتسبت به الأمة الإسلامية الخيرية. قال تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” ووظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي وظيفة المرسلين، ولا يستطيعها إلا الفطن الذي يملك القدرة على التبليغ والتأثير بعد فقهه لعملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول القاضي أبو يعلى: (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه) والنظر إلى المصلحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غنى عنه، فإن تعارضت المصالح مع المفاسد فما غلبت مصلحته وجب اتباعه، والواجبات والمستحبات يكثر صلاحها ولذا يجب الأمر بها والنهي عن أضدادها، وما غلب عليه الفساد ينظر فيه فلو ترتب على النهي عنه مفسدة أكبر ترك من غير نهي، فلو كان قوم على بدعة وفجور بحيث لو نهوا عن ذلك وقعت فتنة أعظم لم ينهوا، ومن جمع بين معروف ومنكر لا يمكن التفريق بينهما لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر إن غلب جانب المعروف، وأما إن غلب جانب المنكر نهي عنه وإن استلزم فوات ما دونه من المعروف، والمهم النظر إلى المصلحة فتارة يصلح الأمر بالمعروف، وأخرى يصلح النهي عن المنكر، ثالثة لا يصلح أمر ولا نهي حيث كان المنكر والمعروف متلازمين، والواجب ألا يتضمن الأمر بالمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه وألا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أشد منه نكرا، أو فوات معروف أرجح منه .. والمصالح هنا تقدر بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها اشتبه عليه الأمر فعليه أن يتريث حتى يتبين له الحق .. وينبغي على الداعية أن يكون عارفا بمراتب الأعمال، وما اشتملت عليه من المصالح أو المفاسد، بحيث يقدم الأهم منها فالمهم عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يقدم أهمها عند المزاحمة. وعلى كل داعية أن يفقه هذه الأمور حتى يكون دوره مؤثرا فيمن حوله، وتكون نتائج عمله بارزة في المجتمع .. وثاني هذه المعايير:
- الحكم بالأظهر واتباع النسبية:
يقول ابن القيم في إعلام الموقعين: (وهديه صلى الله عليه وسلم تولية الأنفع للمسلمين، وإن كان غيره أفضل منه، والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه، فسيرته تولية الأنفع والحكم بالأظهر)، فعلى من ولي أمرا من أمور المسلمين أن يأخذ بالحكم بما يظهر له أن فيه مصلحة للمسلمين، فعلى ولي أمر المسلمين أن يولى على كل عمل أصلح من يجده لذلك العمل، وفي الحديث: من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح له منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين” ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين) ويجب على ولي أمر المسلمين أن يستعمل الأصلح فالأصلح، فإذا لم يتيسر ذلك فعليه اختيار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وإعطائه الولاية حقها فقد أدى الأمانة وقام بالواجب، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله.
ركنا الولاية: وللولاية ركنان رئيسان هما القوة والأمانة، والقوة في كل ولاية بحسبها، فهي في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب والخبر، والأمانة ترجع إلى خشية الله والمحافظة على ما أؤتمن عليه ونادرا ما تجتمع في رجل واحد القوة والأمانة، ولذا قال عمر بن الخطاب: (اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة) فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق بالولاية، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم لظهور البدع كان الأعلم أحق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، مع أنه أحيانا كان يفعل ما ينكره النبي حتى إنه رفع يديه ذات مرة وقال “اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد” ولم يولّ رسول الله أبا ذر مع أنه قال له: “ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر” وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل على من هم أفضل منه، فإن كانت الحاجة إلى حفظ الأموال واستخراجها وحفظها كان الأمين أولى بالتقديم، وفي ولاية القضاء يقدم الأورع فيما يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى، ويقدم الأعلم فيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه، ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع.
وخلاصة هذا الأمر إنما تنحصر في تولية الأصلح والأنفع للمسلمين، وذلك يعرف بحسب مقصود الولاية، فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر، ومن هديه كذلك تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيره أفضل منه، والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه، فسيرته صلى الله عليه وسلم: تولية الأنفع والحكم بالأظهر.
- اعتبار ما لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم” أي بمخالفتكم لسنته، وارتكابكم المعاصي، وقال صلى الله عليه وسلم “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” وفي حديث الثلاثة الذين ذهبوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني” وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أشد الناس تمسكا بكتاب الله وأكثرهم حرصا على سنته، وهذا أبو بكر يقول بعد توليه الخلافة: (إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني) ويقول ابن مسعود: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم) وقال ابن عباس لسائل عن الوصية: (عليك بتقوى الله والاستقامة، واتبع ولا تبتدع) وقال ابن عمر: (كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة) وقال أبو حنيفة: (عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة) وقال الإمام مالك: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا خان الرسالة لأن الله يقول: “اليوم أكملت لكم دينكم” فما لم يمكن حينئذ دينا لا يكون اليوم دينا) يقصد في الأمور التعبدية المنصوص عليها. وكما أن حديث: إنما الأعمال بالنيات) ميزان للأعمال في باطنها، فكذلك حديث “من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد” ميزان للأعمال في ظاهرها، فمن أحدث من الدين ما لم يأذن به الله تعالى ورسوله، فليس من الدين في شيء وليس لصاحبه أجر، بل قد يكون عليه وزر ومعنى ذلك أن أعمال العاملين ينبغي الحكم عليها بميزان الشريعة، فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول، ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود، يقول الإمام ابن رجب: الأعمال قسمان: عبادات ومعاملات، فأما العبادات فما كان منها خارجا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، يدخل تحت قوله تعالى: “أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله” فمن تقرب بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي أو الرقص وما أشبه ذلك من المحدثات .. ومن زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه، وقد تبطل العمل كله كمن زاد ركعة عمدا في صلاته، وتارة لا ترده من أصله كمن توضأ أربعا أربعا .. أما المعاملات فما كان منها تغيرا للأوضاع الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فإنه مردود من أصله، يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وإن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله. الوليدة والغنم رد وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام” وما كان من الأعمال منهيا عنه في الشرع، فهل هو مردود أو لا؟ في بعض الصور أنه مردود، وفي بعضها الآخر أنه لا يبطل العمل بالكلية.
وأما البدع والأحداث في المصالح والمنافع الدنيوية المعاشية فلا حرج فيها ما دامت نافعة غير ضارة ولا جارة لشر يعود على الناس، ولا تؤدي إلى ارتكاب محرم، أو هدم أصل من أصول الدين فالله سبحانه يبيح لعباده أن يخترعوا لشئون دنياهم ومعاشهم ما شاءوا، قال تعالى: “وافعلوا الخير لعلكم تفلحون” وقال: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”
- الابتعاد عن الشبهات:
قال تعالى: “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم” وقال “وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون” وقال صلى الله عليه وسلم: “تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك” فكل أمور الدين مبينة واضحة لكن بعضها أظهر من بعض، فهناك أمور اشتهرت وعلمت من الدين بالضرورة وهذه لا خلاف فيها بين جميع المسلمين، ولا يعذر أحد بجهلها، وهناك أمور لا يعلمها إلا حملة الشريعة من العلماء، وهناك أمور أخرى يختلف فيها العلماء أنفسهم، وفي الحديث عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” متفق عليه، يقول الإمام ابن رجب الحنبلي: “الحلال المحض بين لا اشتباه فيه، وكذلك الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس. هل هي من الحلال أم من الحرام، وأما الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك ويعلمون من أي القسمين هي) وقد أكد هذا المعنى نفسه الإمام الخطابي في قوله: إن الله سبحانه لم يترك شيئا يجب له فيه حكم إلا وقد جعل فيه له بيانا، ونصب عليه دليلا، ولكن البيان ضربان: بيان جلي يعرفه عامة الناس، وخفي لا يعرفه إلا الخاص من العلماء. قال: والدليل على صحة ما قلنا قوله صلى الله عليه وسلم “لا يعلمها كثير” وقد عقل بيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها، وإن كانوا قليلي العدد، وإذ صار معلوما عند بعضهم فليس بمشتبه في نفسه” والناس أمام هذه المشتبهات قسمان -كما يقول ابن رجب-: أحدهما من يتقي الشبهات لاشتباهها عليه، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه أي طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين. والثاني: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة، فهم قسمان أيضا: من أتى شيئا مما يظنه الناس شبهة لعلمه أنه حلال في نفس الأمر فلا حرج عليه من الله في ذلك فإذا خشي من طعن الناس عليه بذلك كان تركها حينئذ استبراء لعرضه فيكون حسنا، ومن أتى شيئا من الشبهات لاعتقاده أنه حلال بناء على اجتهاد مقبول أو تقليد مقبول، وكان مخطئا في اعتقاده فلا حرج عليه عند الله كذلك، ومن أتى شيئا من ذلك متبعا هواه فقد وقع في الحرام، ومثل هذه الأقسام الراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه” وهو مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لمن وقع في الشبهات، وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض، وينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا، ويستدل بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل المؤدية إليها، وصلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات، واتقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، واتقى الإنسان المحرمات وابتعد عن الشبهات حذرا من الوقوع فيما هو محرم، وإن كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه هو ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والشبهات، ولهذا قيل: القلب ملك الأعضاء تأتمر بأمره، وتنزجر بزجره فإن كان الملك صالحا صلحت جنوده وإن كان فاسدا فسدت جنوده، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم “يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم”.

