بقلم : د.جاسم محمد مهلهل الياسين

كلمة ذات وقع خاص هي كلمة (حضارة) أتحسس فيها الفخامة والجزالة والبهاء وأستشعر العزة والنصر والكينونة….وأستشعر أيضاً عند سماعها أو تردادها أو الهمس والجهر بها بالحسرة والخذلان والضعة…؟! ولك أن تسأل أخي القارئ، ما هذان النقيضان، وما دوافع كل من الشعورين؟!

أقول أما الشعور الأول فهو شعور يعتريني عند استرجاع المواقف، وإنشاط الذاكرة… والسبح في أعماق الماضي المجيد ماضي المسلمين المشرق أهل الحضارة والريادة والقيادة والسيادة والسؤدد…. فيالها من حضارة كانت ويا لها من أيام غبرت…. غير أن البكاء على الأطلال لا يجدي والعيش في الأوهام لا يغني…. وصدق القائل :

سبيل العز أن تبني وتعلى            فلا تقنع بأن ســواك يبني

ولا تك عالة في عنق جدٍّ             رميم العظم أو عبئاً على ابن

وأما شعور الأسى والضعة والخذلان فهو ذلك الشعور الجارف الذي يحتويني ويعتريني فهو شعور يستشعره كل مسلم غيور على دينه، وكل أمّار بالمعروف ونهاء عن المنكر…. وهو شعور نابع من ذلك الخذلان الذي نحياه… وتلك المتاهة التي نعيشها…. وهذا البؤس والشقاء والخلاف والشقاق الذي يعمنا أقطاراً واتجاهات وجنسيات ومدناً وقرى وضواحي ونواحي خلاف في خلاف في خلاف في خلاف…!!

حضارة الإسلام توجب الاعتزاز بها وتستدعي الحسرة والأسى لضياعها .

انظر حولك…. تأمل واقعك… افتح مذياعاً واسمع نشرة أخبار… أو طالع مشهداً في التلفاز…. ماذا ترى..؟ ترى الأمم تتربص بنا، والهلاك يحيق بأمتنا، والذلة قد تربعت واسترخت وتمددت على أمتنا وترى الأمم والأجناس تنهش فينا….

فاليهود…… يدمرون ويقتلون ويستبيحون

والسيخ المتعصبون… يحرقون المصاحف عياناً بياناً… ويهدمون مساجد المسلمين

والهندوس…. يضطهدون في مسلمي كشمير من زمان بعيد

والروس…. سحقوا المسلمين في الشيشان ولا يزالون يتتبعون فلول المجاهدين ليقضوا على البقية الباقية….!

والمتعصبون الأرثوذكس… يتتبعون المسلمين في أرمينيا ومقدونيا…. في أرزاقهم ومعاشهم وأموالهم… والصرب السفاحون…. هدموا البوسنة والهرسك على المسلمين… وهاهم ذا توجهوا إلى المسلمين الألبان في كوسوفو وفي مقدونيا وفي غيرها… والكروات…. يحتقرون في المسلمين ويطهرون كرواتيا منهم ومطارات أوربا وأمريكا وكل دول العالم تستوقفك وتفتشك في معظم الأحيان إن عرفت أنك مسلم مؤمن من أمة محمد…. ولله أنت إن عرفت أنك متدين أو صاحب فكر حرٍ أو مجاهد… ولا نبتعد بعيداً… فهذه معظم الحكومات العربية تتتبع شباب الصحوة وتحاول وقف مسيرتهم… وبعضها يضطهدهم… والبعض الآخر يضيق عليهم في معاشهم وحلّهم وترحالهم….

وقد ابتدعت بعض الحكومات مذهباً جديداً في الاضطهاد اسمه (تجفيف المنابع) أي تجفيف مصدر الإمداد الروحي لشباب الصحوة المتدينين… أي منابع قصدوا، وأي شئ سيجففوا، وما البديل والحل ولله در القائل عنهم ( إن كنّا خوارج كما تزعمون…‍‍‍!! فهل أنتم أتباع عليّ؟!!

بلاء في بلاء في شقاء في شقاء….!! صورة مظلمة وما خفي أظلم وما تحت الدهاليز أعظم وأعظم؟ فكيف لا يعتصرني الأسى وكيف لا أحزن فالله الله.

انظر حولك…. وتأمل واقعك ليس من مكان إلا والإسلام فيه يهان… فأين أنتم يا مسلمون؟!

وفي خضم هذا الشعور المتنوع بل والمتباين بين الهم والغم والأسى وبين الاعتزاز والافتخار والابتهاج…. أثوب إلى عقلي وأرجع إلى رشدي وصوابي داعياً إخواني جميعاً ألا تعميهم الصورة المعتمة عن الوجوه المشرقة… وألا تصدهم العقبات عن سبيل الفتوحات…. وألا تلحظوا الهزيمة ويغفلوا عن بريق النصر… وأقول لهم قولة المجد (الصخور تسد الطريق أمام الضعفاء بينما يرتكز عليها الأقوياء ليصلوا إلى القمة ) .

ولله در هذه الأبيان الكريمات التي قالتها أم ملك بني الأحمر في الأندلس عندما أوشك نجم المسلمين على الأفول وضاع ملكه وهاهو ذا يبكي وينعي ويشكو حاله لأمه فصاحت في وجهه وقالت مقالة خالدة عظيمة :

ابك مثل النساء ملكاً مضاعا               لم تحافظ عليه مثل الرجال

نعم والله صدقت فيما نطقت وبلغت كلمتها الآفاق وبلغت…. علامَ البكاء…. أنبكي ما أضعناه بأيدينا…. أنبكي ما حنيناه… أنفر مما زرعناه… كيف ذلك هل يجني شوكاً من يزرع تفاحاً وعنباً وهل يجني ثمراً يانعاً من غرس شوكاً وحنظلاً…؟؟! كيف هذا…

وما دمنا نجني الأسى ونحصد الحنظل ونقتطف المصائب ونحصد البلاء تلو البلاء، فلنرجع من قريب ولنثوب ونتوب ولنراجع أنفسنا ونحلل وضعنا… ونتريث وليكن شعارنا (العود من قريب… ومراجعة النفس ووضع العقل مكان العاطفة… ومنهج الله مكان منهج الإنسان… والرسول هو القدوة…. والشريعة هي البهجة…) وأذكر هذا الدعاء الذي كان يردده رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح كل يوم ( رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ) .

وهذه مواقف وعبر أذكرها من حضارات المسلمين عساها تبعث الأمل في النفوس وتمهد للمراجعة وتنبه على الأصول التي بها ننال السبق ونستعيد المسيرة.

المفتاح الأول : الاعتصام بالله يفتح قلوب العباد ويفتح البلاد :

الاعتصام بالله ليس مجرد كلمة تقال ولا قاعدة تردد إنها معنى كبير يعني الإسلام لله والإيمان به والاستقامة على منهجه وفىّ بذلك وفىّ الله له بالنصر والسبق قال تعالى (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) وقال سبحانه (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) .

وهذا هو معنى الاعتصام بالله سبحانه من خلال الآيات أما عن عاقبته وجزائه فإنه تبدو لنا في قوله تعالى (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) وهذا الصراط المستقيم هو سعادة الدنيا وظفر الآخرة وهو ما ندعو به في كل صلاة (اهدنا الصراط المستقيم) ولله در القائل :

فاشدد يديك بحبل الله معتصماً                    فإنه الركن إن خانتك أركان

أثر الاعتصام بالله في استعادة حضارة المسلمين :

الاعتصام بالله يقوي قلب المؤمن ويجعله جريئاً في الحق لا يتهيب أحداً إلا الله، ويجعله يؤثر الله على كل شئ وهذه صفة الجندي المخلص لله سبحانه وتعالى… وهذه صفة امتدحها الله بل وحث المسلمين عليها فقال يصف المجاهدين (إن الله اشترى من المؤمنين  أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) وهكذا يجعل الاعتصام بالله المسلم في رغد النصر وسعة الفتح وقوة البأس… ومكان الأمن من الله وفي رضوان الله إن قاتل فقَتَل وانتصر أو قُتِل وهزم .

بعض الحكومات العربية راحت تجفف المنابع عن حركات الصحوة الإسلامية فماذا يفعلون….؟ وأي منابع يجففون ؟

الاعتصام بالله يفتح البلاد للمسلمين :

    كان المسلمون قلة مستضعفة غير أن اعتصامهم بالله ملأهم قوة وبأساً ولما كتب عليهم القتال هبوا كالأسود الضواري بأساً وصلابة يجاهدون في سبيل الله وانظر كيف نصرهم الله بالإيمان وبالاعتصام به في معركة (بدر الكبرى)، ثم في الأحزاب، ثم في حنين اعتصموا بكثرتهم وأعجبوا بقوتهم فخابوا وخسروا ولما اعتصموا بالله ووثقوا به حلّ بهم النصر قال تعالى (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة..) وقال سبحانه (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين).

الاعتصام بالله يفتح الإمبراطورية الفارسية :

ثم هاهم المسلمون بعد وفاة النبي يحاربون أعظم إمبراطورية في العالم من أقصاه إلى أدناه حينئذ  إنهما إمبراطوريتا الفرس والروم .

فهؤلاء الفرس كانوا قوة ضاربة في الأرض ومجاورين للمسلمين وكانوا يحتقرون العرب ولا يعبئون بهم، حتى بعث النبي وأسلموا لله رب العالمين فقاتلوهم بسلاح الاعتصام بالله على أن سيوفهم كانت منتصلة (متكسرة) فهزموهم بإذن الله وبالاعتصام به فهزموا الفرس في موقعة القادسية سنة 637هـ، وبلغوا المدائن سنة 638هـ وأسسوا على شط العرب مدينة البصرة سنة 637هـ، وبالغرب من الحيرة أسسوا مدينة الكوفة بأمر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في عهد عمر سنة 638هـ .

وبالاعتصام بالله ذهبوا إلى قلب الإمبراطورية الفارسية فأسقطوا أهم مدنها مثل خورستان سنة 640هـ، والموصل سنة 641هـ، ونهاوند سنة 641هـ في موقعة نهاوند الشهيرة ، وفتحوا مناطق الساحل من بلوخستان سنة 643هـ وفتحوا أضخم وأعظم مدن فارس سنة 649هـ وبهذا سقطت الإمبراطورية الفارسية في أيديهم نهائياً وقسموها إلى ولايات تابعة لهم، بل ولقبوا الفرس بالموالي وامتلأت أيديهم بالغنائم والخيرات حتى إن عمر لينادي على سراقة بن مالك ليلبسه أساور كسرى وهو المعدم الفقير الذي كان يطلب موت النبي -قبل إسلامه- ببعض الجمال التي وعدته قريش بها….‍‍!!

وهكذا كان الاعتصام بالله هو السلاح وهو المفتاح لفتح البلاد…. فمتى نعتصم بالله ونرجع إلى الله لكي نعيد مسيرة المجد ونجدد عهداً كان وضاءً وعلياء وسامقاً بالاعتصام بالله…..

الاعتصام بالله يفتح قلوب العباد :

فتح المسلمون بلاد الفرس وأزالوا إمبراطوريتها ولم يكتفوا بهذا…. بل فتحوا القلوب باعتصامهم بالله سبحانه فأسلم معظم الناس في البلاد التي فتحوها… وأقبلوا على الإسلام لا خوف السيف وإنما حباً وتعقلاً وتبصراً بالدين الحق فأصبحوا عبدة لله وجنوداً لله، ومع اختلاف الألسن والألوان إلا أن القلوب توافقت وانسجمت فيما بينها وحل الإيمان فيها وأصبح الفرس على دين الله عوناً….

وهكذا يصدق قول القائل من اعتصم بماله قل ومن اعتصم بعزه ذل ومن اعتصم بعلمه ضل ومن اعتصم بعقله اختل ومن اعتصم بالله فلا قلّ ولا ذلّ ولا ضلّ ولا اختلّ!!!

المفتاح الثاني : الإيمان بالله والإخلاص له يفتح البلاد وقلوب العباد

هذا هو المفتاح الثاني الذي نورده لكي نلتزمه ونحتذيه ونفتح به أبواب الخير ونسد به أبواب الذلة والضعة والتي فتحت علينا….

إنه مفتاح الإيمان بالله والإخلاص له ولعمري إنه لمفتاح ليس بالهين…. إنه الإيمان إنه الإخلاص إنه أمانة الله الذي حملها السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها…

الاعتصام بالله والوحدة سبيلنا لاستعادة حضارتنا…. وماضينا يشهد بهذا.

ونعني بالإيمان هنا الإيمان الحق القائم على الاعتقاد الصحيح والتوحيد الخالص لله فذلك هو الإيمان… وللإيمان شعب وعرى وقد أوصل بعض العلماء شعب الإيمان إلى أكثر من مائة شعبة كالإمام البيهقي وغيره في كتاب شعب الإيمان…..

آثــار الإيمــان بالله :

للإيمان بالله آثار كثيرة أهمها :

  •  تحرير القلوب من أسر الشهوات والشبهات واعتاقها لله سبحانه

وما أجل هذا الأثر وأعظمه إنه الفكاك والخلاص من رق الطينية إلى مقام النور والرقي لله سبحانه… وتلك غايات المسلمين الكبرى التي هتفوا بها في فتوحاتهم فقالوا (جئنا لنحرر العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة) .

لم يفتح المسلمون البلاد وقلوب العباد بالسيف وإنما بالإيمان والإخلاص لله.

وفي الحديث أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( دلّني على عمل لا أسأل أحداً بعدك ‍! قال :” قل آمنت بالله ثم استقم” ) نعم هذا هو الإيمان اعتقاداً وعملاً يزيد وينقص ولله القائل :

إيماننـا بالله بــين ثلاثـة            قول وفعل واعتقاد جـنان

ويزيد بالتقوى وينقص بالردى           وكلاهما في القلب يعتلجان

فالإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، والإيمان هو الهدى قال تعالى “فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى“.

الإيمان بالله يبنى حضارة الإسلام :

تعم بنى الإيمان بالله سبحانه تعالى حضارة مجيدة تليدة نعم المسلمون في ظلها ونعمت البشرية جميعاً بها… كيف لا وقد كانت هي حلقة الوصل بين الحضارات القديمة والحضارة الأوربية الحديثة وكانت هي أصل ومنشأ الحضارة الحديثة لأن الغرب ما تحضروا ولا عرفوا عمراناً ولا تمدناً إلا بها والشواهد على ذلك كثيرة ووفيرة… سلوا عنها المستشرقين والمنصفين من أبناء الحضارة الأوربية فهم يشهدون بذلك في كل مصنفاتهم ومؤتمراتهم…. ويكفي هنا أن أسوق مثالاً واحداً أن ملوك أسبانيا بعدما هزموا المسلمين فيها طفقوا يفتخرون بحضارتها الإسلامية ويحتذون حذو الملوك المسلمين فيها فهذا بدرو الأول ملك أراغون لا يحسن الكتابة إلا باللغة العربية لأنه تعلم في معاهد ومدارس وجامعات الأندلس المسلمة وفي ربوع حضارة الإيمان التي وسعته ولم تضق عنه ولا عن أمثاله، وهذا ألفونس السادس ملك الأندلس يتسمى بإمبراطور العقيدتين الإسلامية والنصرانية… وها هو ذا يجعل من طليطلة المسلمة بعدما سقطت في يده منارة معارف وفي عهد سلفه ألفونسو السابع كانت كذلك أيضاً وقد احتفظ خلفهم ألفونسو الثامن بالكتابة العربية على نقوده، وكانت المسكوكات الإسلامية والفرنسية عملة مملكة النصارى في أسبانيا وجنوب فرنسا طوال أربعمائة عام، وهناك العديد والعديد من الشواهد غير هذا .

وأفاد الأوربيون من النظام الإسلامي في القضاء وفي الإدارة وفي الأحوال الشخصية والاجتماعية… وهناك تفاصيل كثيرة على ذلك لو يتسع المقام لذكرناها…. وكيف لا وحضارتنا حضارة الدين والدنيا حضارة الروح والبدن حضارة التواؤم بين العلم والإيمان… والسماء والأرض.

وهناك مفاتح أخرى سنذكرها فيما بعد إن شاء الله .