بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

 

الحوار أحد الأساليب الشائعة في اللغة العربية، وهو يجمع كثيرا من السمات الفنية التي تنتج عن يقظة الوعي، وحضور الفكر، وسلامة الحجة، وقوة التعبير، وبلاغة التصوير، وغيرها من الخصائص الأسلوبية التي بها يثري الحوار، ويجذب الأذهان.

وقد استخدم القرآن الكريم أسلوب الحوار في مواقف متعددة، وذكر أدلة المخالفين وحججهم، ثم ردّ عليها وأزال الشُّبَه منها.

الخلاف حول إعطاء المرأة في بلدنا حق ممارسة الانتخاب أوالترشيح ينبغي أن تحكمه ضوابط الحوار، وألا يخرج عن الإطار المحدد لذلك شرعا وقانونا.

ونحن –المسلمين- لنا في أساليب الحوار القرآنية أسوة نتأسى بها عند اختلاف الآراء، وتنازع القضايا من غير إسفاف ولا تهجم، ولا اتهام لأشخاص أو هيئات، مع التزام الصدق وقبول الآراء المخالفة إن التزمت بالحق وقامت على الدليل.

ولا أدل على ذلك من اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في الأمور الفقهية.

صور لاختلاف الصحابة مع بعضهم في الأمور الفقهية:

  • اختلافهم في بعض المسائل الفقهية: فأبو بكر رضي الله عنه يرى سبى نساء المرتدين وعمر رضي الله عنه لا يرى ذلك، وفي الأرض المفتوحة كان أبو بر يرى قسمتها وكان عمر يرى وقفها ولم يقسمها عند خلافته، فرضي الله عنهم لم يفسد الخلاف في هذه المسائل الكبيرة الحب والود بينهم.
  • بين عمر وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما:
  • قول الرجل لامرأته “أنت علي حرام”:
  • عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أنها طلقة واحدة.
  • ابن مسعود رضي الله عنه يرى أنها يمين.
  • اختلافهم في رجل زنى بامرأة ثم تزوجها:
  • عمر رضي الله عنه لا يرى أنهما زانيان ويُعتبر أوله سفاحا وآخره نكاحا.
  • ابن مسعود رضي الله عنه يرى أنهما لا يزالان زانيين ما اجتمعا.

قال ابن القيم في إعلام الموقعين: إن المسائل الفقهية التي خالف فيها ابن مسعود عمر رضي الله عنهما بلغت مائة مسألة.

اختلاف قريب:

وقد ثارت في الآونة الأخيرة خلافات واسعة في بلدنا حول إعطاء المرأة الكويتية حق ممارسة الانتخاب أو الترشيح في المجلس النيابي، وبالتالي فيما هو أقل منه مثل النقابات المهنية والجمعيات وغيرها، واختلاف الآراء بين الناس أمر طبيعي إن لم تغب عن المختلفين حول هذا الشأن القاعدة المعروقة: “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية” ولو أن مثل هذا الأمر وردت فيه نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، لما كان هناك اختلاف. ولكن النصوص الواردة ليست قطعية الدلالة على المنع أو الإيجاب ولذا فإن فيها مجالا لاختلاف الآراء، دون أن نقول: إن هذا الرأي هو الصواب، وإن ذلك الرأي هو الخطأ، فتعدد وجهات النظر في المسائل غير القطعية أمر ورد كثيرا في كتب الفقه والأصول، إذ إن الأحكام الظنية هي مجال الاجتهاد سواء أكانت أحكاما لا نص فيها، أو فيها نص ظني الدلالة أو ظني الثبوت أو ظنيهما معا، ومذهب الإمام أحمد –وهو يقوم على تتبع الأثر- فيه روايات متعددة في المسألة الواحدة، وكتاب الإنصاف دليل على ذلك. وصدر الإسلام –في هذا الإطار- يتسع لاختلاف الآراء ولا يضيق عن الجهاد.

يسعنا ما وسع السابقين:

ومن الممكن أن تتناقض أو تضارب آراء الفقهاء والمفكرين بناء على فوارق كثيرة بينهم، بحيث يجيز بعضهم ما لا يجيزه الآخر، دون أن يكون لهذا التناقض أو الاختلاف أدنى أثر في الطعن على بعضهم بعضا أو إحداث أي خصومة بينهم أو غير ذلك مما يحدث الآن بين المختلفين، وينبغي أن يسعنا ما وسع السابقين الاختلاف، فقد اختلفوا في أهم الأمور التي يجب أن يعنى بها المسلم وهي الصلاة.

ينبغي أن يظل قائما بين المختلفين الاحترام والتقدير وحسن الظن والعمل بالقاعدة المعروفة “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”

فالإمام الشافعي بناء على فهمه للنصوص يقرر أن قراءة الفاتحة فرض في الصلاة، والإمام أبو حنيفة يقرر أن قراءة أي شيء من القرآن تكفي، وبقية الأئمة لهم آراء مختلفة في هذه المسألة، وكذلك اختلفوا في وجوب القراءة خلف الإمام أو عدم وجوبها، وغير ذلك مما اختلف فيه الأئمة دون أن يطعن أحدهم على الآخر، ودون أن يَزْوَرَّ المسلمون أجمعون عن رأي بعينه، وإنما الآراء معروضة أمام الجميع، مستندة إلى النصوص التي استمدت منها، والناس أحرار في اختيارهم للرأي الذي يجدونه أقرب إلى الحق وأدنى إلى القصد، دون أن يُخرج أي فريق منهم الآخر من إطار الحق إلى إطار الباطل، لأن مرونة الشريعة وسعتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان يمكن أن تنظر للشيء الواحد من وجوهه المختلفة، وحديث “لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة” أصل في هذا الموضوع حيث أجاز النبي e رأي كل فريق من الفريقين ولم يأمر فريقا بإعادة الصلاة أو ينبهه إلىخطأ وقع منه، مما يدل على سلامة تصرف الجميع. فلم يكن الذين نظروا إلى مقاصد الحديث ومراميه مخطئين، ولم يكن الذين وقفوا عند ألفاظ الحديث مخطئين.

ولقد وضع الله على الحق معالم، وجعل على الصراط المستقيم منائر ولذلك كان الاستثناء “ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك” فهداية الله للحق متحققة “فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فالنفوس إذا تجردت من أهوائها، وجدّت في تلمّس الحق، فإنها مهدية إليه، فأصول الدين وأمهات الفضائل، وأمهات الرذائل بينها الله بنصوص بينة لا تقبل تحريفا ولا تأويلا، وقد جعلها الله أم الكتاب، وما دون هذه الأصول فقد عذر الله الخلق إذا ما اختلفوا فيها ورفع الحرج عنهم، بل جعل للمخطئ أجرا وللمصيب أجرين.

وما دام الأمر كذلك فإن اختلاف الفقهاء المعاصرين حول ممارسة المرأة لحقوقها السياسية بين مانع رافض محرم، وبين مجيز لا يرى في ذلك بأسا، لا ينبغي أن يخرج عن حدود الخلاف الذي حدث بين السابقين الأولين في صلاة العصر في بني قريظة، طالما أن النصوص لم تحسم هذا الأمر حسما شافيا، بل تركت للناس أن يجتهدوا في ضوء المعطيات الواقعية والاجتماعية المختلفة بحسب الأحوال والظروف، وهذا ما سار عليه الفقهاء في غير الأمور القطعية الدلالة كأحكام المواريث والأعداد والمقدرات وغيرها.

وقد أردنا أن نذكر بهذا الأصل قبل أن نعرض لآداب الحوار.

ونذكر في إيجاز شديد بعض المصطلحات المستخدمة وهي:

أولا: الحوار: هو المراجعة في الكلام.

ثانيا: المجادلة: هي تبادل الأدلة والبراهين بين الأطراف دعما لما يراه كل منهما من فكر، وما يعتقده من راي.

أصل الاستعمال للجدل: يستعمل لمن خاصم بما يُشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة فكل واحد من المتجادلين يحاول أن يُفتل صاحبه استعمل في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها.

مراد الحوار والجدل في مصطلح الناس ومقاصده:

مناقشة بين طرفين أو أطراف يُقصد بها: (1) تصحيح كلام (2) إظهار حجة (3) إثبات حق (4) دفع شبهة (5) رد الفاسد من القول والرأي.

وهناك مقاصد فرعية منها:

(1) إيجاد حل وسط يُرضي الأطراف (2) التعرف على وجهات النظر كتمهيد للحوار (3) البحث والتنقيب من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرُّؤى والتصورات المتاحة من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وأمكن.

ثالثا: الاختلاف: أن ينهج كل شخص طريقا مغايرا للآخرين ومن استيضاح النصوص القرآنية المتحدثة عن الخلاف، والاختلاف يتبين أنه يراد به.

مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة.

فالاختلاف الظاهري دال على الاختلاف في الآراء والاتجاهات والأغراض قال تعالى: “ولو شاء ربك لجعل الناس أُمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم

قال الفخر الرازي “والمراد اختلاف الناس والأديان والأخلاق والأفعال” أ.هـ. فالله سبحانه خلق الناس بمقتضى حكمته:

  • كاسبين للعلم لا مُلهمين.
  • عاملين بالاختيار لا مجبورين ولا مضطرين.
  • متفاوتين في الاستعداد وفي كسب العلم.

استدراك:

أما قول الله تعالى: “ولذلك خلقهم” في الآية فليس المراد أنه سبحانه خلق الناس ليختلفوا، وإنما الكلام للعاقبة والصيرورة أي أنهم حين يختلفون سيئولون إلى فريقين – فريق في الجنة وفريق في السعير.

قال محمد رشيد رضا في اختلاف الناس إنهم “خُلقوا مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم وآرائهم ومشاعرهم، وما يتبع ذلك من إرادتهم واختيارهم في أعمالهم ومن ذلك الإيمان والطاعة والمعصية”

أدب الحوار والاختلاف:

يقولون “الوقاية خير من العلاج” ومنع أسباب المرض أفضل من علاجه بعد أن يقع، ولذلك ورد في الحديث “المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء” فحتى لا يقع الخلاف المذموم بين الناس لابد من مراعاة أصول الحديث والاستماع والأخذ والعطاء، كما أنه من الضروري معرفة ما يجوز وما لا يجوز فيه الخلاف، ووجود الحوار في الناس أمر لابد منه، وفوائده يحتاجها الداعية في طريقه كالمسافر لحديث رفيق السفر من أجل قطع الملل، ورفع الضجر، وتهوين البعد، قال سليمان بن عبدالملك بعد أن عدد عظيم نعم الله عليه وما هو فيه من ملك قال: وما أنا اليوم إلى شيء أحوج مني إلى جليس يضع عني مؤونة التحفظ، ويحدثني بما لا يمجه السمع، ويطرب إليه القلب، ولهذا الأمر سنتحدث عن الحمية التي مع وقوع الاختلاف في الحوار من خلال عدة محاور:

المحور الأول: اتباع أصول الحوار الصحيح:

  • بدء الحديث والحوار بمواطن الاتفاق وذلك من أجل:
  • أن يتحقق في الحوار الهدوء والاتزان وإصابة الهدف.
  • فتح آفاق الاتفاق والتلاقي.
  • الابتعاد عن تغير القلوب وتشويش الخواطر.
  • التقليل من روح التحفز في الرد والتتبع للثغرات والزلات.
  • سلوك الطرق العلمية في الحوار والتزامها:
  • تقديم الأدلة المثبتة للدعوى.
  • صحة النقل في الأمور المنقولة.

وبهاتين الطريقتين جاءت القاعدة “إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مُدّعيّا فالدليل”

  • قبل البدء بالحوار لابد من الاتفاق على المسلمات العقلية والدينية:

فقبل البدء بالحوار لابد من التأكد من أن المسلمات العقلية ثابتة نحو حُسن الصدق، قُبح الكذب، شكر المُحسن، معاقبة المذنب، وكذلك الاتفاق على المسلمات الدينية، الإيمان بربوبية الله وعبوديته اتصاف الله بصفات الكمال، وجوب الحكم بما أنزل الله، وجوب حجاب المرأة، حرمة الزنا والخمر والربا، فالحجاج للمرأة أمر محسوم بجملة نصوص منها: “يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن فأصل الحجاب ليس محلا للاجتهاد، وقد يسوغ النقاش في فرعيات الحجاب كمسألة كشف الوجه والطفين.

  • التجرد وقصد الحق والبعد عن التعصب في الحوار:

قال الإمام الغزالي أبو حامد “التعاون على طلب الحق من الدين، ولكن له شروط وعلامات، منها أن يكون في طلب الحق كناشد ضالّة، لا يُفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد مُعانه، ويرى رفيقة معينا لا خصما، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهره له”

  • وضوح قطعية النتائج ونسبيتها عند المتحاورين:

من المقرر أن الرأي الفكري نسبي الدلالة على الصواب أو الخطأ والذين لا يجوز عليهم الخطأ هم الأنبياء عليهم السلام فيما يُبلغون عن ربهم سبحانه، وما عدا ذلك فيندرج تحت المقولة المشهورة “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخر خطأ .. يحتمل الصواب” ولذلك فإنه ليس من شرط الحوار الناجح أن ينتهي أحد الطرفين إلى قول آخر، يقول ابن قدامة في المغني “وكان بعضهم يعذب كل من خالفه في المسائل الاجتهادية، ولا يكلفه أن يوافقه فهمه”

  • الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها المتحاورون والالتزام الجاد بها، وبما يترتب عليها، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه “ما ناظرت أحدا فقبل مني الحجة إلا عظم في عيني”.

الأخذ بأصول الحوار:

  • الابتعاد عن الغلظة في الخطاب، ففي الحديث “أن الله يُحب الرفق في الأمر كله”

والغلظة في القرآن لم تأتي إلا في موضعين:

  • في قلب المعركة “قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ويجدوا فيكم غلظة
  • في تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها وتضييق الحدود “ولا تأخذكم بهما رأفة دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
  • الابتعاد عن سوء الظن بالآخرين والنظر إليهم من خلال منظار أسود، يخفي حسناتهم، ويضخم سيئاتهم.
  • معرفة مراتب الأحكام الشرعية، وأنها ليست في درجة واحدة من حيث ثبوتها وبالتالي من حيث جواز الاختلاف فيها.

الأخذ بالاعتبار طبيعة الفروق الفردية بين البشر:

مما لا شك فيه أن مستويات فهم الناس للكالم تتفاوت، مع تساويهم من حيث الجملة أمام الرؤية بالعين المجردة، قال ابن الجوزي: ما أكثر تفاوت الناس في الفهوم، حتى العلماء يتفاوتون التفاوت الكثير في الأصول والفروع، لذلك لابد من مخاطبة الناس على قدر أفهامهم، قال بن مسعود: “ما من رجل يُحدث قوما حديثا لا تدركه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم”

لنا –المسلمين- أسوة حسنة، نتأسى بها عند اختلاف الآراء وتنازع القضايا من غير إسفاف ولا تهجم ولا اتهام.

 

التسليم في الحوار ببشرية الناس في كونهم خطائين:

ومثال ذلك كثير فعلى سبيل ذلك ابن حزم على ما عنده من فضل ومن علم، ولكنه فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم على العشرة المبشرين، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله “وبالجملة فهذا قول شاذ لم يسبقه إليه أحد من السلف” وهذا ليبقى الناس في بشريتهم قال ابن القيم رحمه الله: “إن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة المعصوم.

المحور الثاني: من أدب الحوار: الالتزام بأخلاقيات الحوار:

  • التزام القول الحسن وتجنب منهج التحدي والإفحام:

قال تعالى: “وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن“، وقال سبحانه “وجادلهم بالتي هي أحسنوقال تعالى في بيان أرقى صور الحوار “وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبينوذلك لأن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف.

وقد تُفحم الخصم ولكنك لا تقنعه، وقد تسكته بحجة ولكنك لا تكسب تسلمه وإذعانه، ولذلك لا بد من الابتعاد عن:

  • إغلاظ القول.
  • رفع الصوت أكثر من الاحتياج.

 

حسن الاستماع:

قال الحسن لابنه: “يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام وإن طال حتى يمسك” وبين ابن المقفع أشكال ومظاهر حسن الاستماع بأنها:

  • إمهال المتكلم حتى ينتهي.
  • الإقبال بالوجه على المتكلم والنظر إليه.
  • الوعي لما يقول.

 

تقدير الخصم واحترامه:

فيخاطب بالعبارات اللائقة والمستحبة، وأن لا يظن أن الحق لا يغار عليه ولا يحبه ولا يدافع عنه ولا يتبناه إلى هو، وأن ينتبه وهو في دائرة الحوار من حظوظ النفس.

 

الابتعاد عن العجب:

قال ابن القيم رحمه الله في المدرج أنك إن تبيت وتصبح نادما، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا.

 

التجمل بالصبر والرفق:

فلابد للمحاور من طلاقة الوجه، والتبسم دون تكلفة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض ما يعين على حسن الخلق: لابد من هذه الثلاثة “العلم، والرفق، والصبر” العلم قبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرفق معه، والصبر بعده.

 

ومن مظاهر الرفق في الحوار:

من المقرر “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شأنه” ومظاهر الرفق كثيرة منها:

  • التمهيد للأمر بالحسنى.
  • اجتناب الألفاظ القاسية والعبارات الجافة.
  • المناداة بأحب الأسماء.
  • الابتعاد عن التعبير.
  • الابتداء بالتلميح دون التصريح.

مثال الرفق:

تأمل امتثال موسى لما أُمر به كيف قال لفرعون: “هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى” فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض لا مخرج الأمر، وقال “إلى أن تزكى” ولم يقل إلى أن أُزكيك، فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء، ثم قال: “وأهديك إلى ربك” أكون كالدليل بين يدك الذي يسير أمامك، وقال “إلى ربك” استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه، ورباه بنعمة صغيرا ويافعا وكبيرا.

وعلى المحاور أن يعرف، أنه ليس المقصود إقامة الحجة على الناس وإنما دعوتهم للخير ونهيهم عن الشر امتثالا لأمر الله والكلمة قد لا تؤتى ثمارها في وقتها، ولكنها تؤتى بعد حين.

 

الابتعاد عن التطرف بالرأي في الحوار:

  • التعصب للرأي تعصبا لا يعترف مع الآخرين بوجود.
  • اتهام من يخالفه في الرأي بالجهل واتباع الهوى كأنما جعل نفسه نبيا معصوما، ومن قوله وحيا يوحى، وهذا العنصر يجيز لنفسه أن يجتهد في أعوص المسائل ولكنه لا يجيز لعلماء العصر المتخصصين أن يجتهدوا في رأي يخالف ما ذهب إليه.
  • ارهاب المقابل لا بالعصا بل بالاتهام بالبدع والاستهتار بالدين.

 

الحوار الهادئ وإعطاء الناس مكانتهم سبيل لكسبهم:

إننا نرى ذلك في قصة حصين الخزاعى والد عمران حين جاء وفد قريش فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أوسعوا للشيخ، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك إنك تشتم آلهتنا، فقال صلى الله عليه وسلم: يا حصين كم تعبد من آله؟ قل سبعا في الأرض وواحدا في السماء، فقال فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟ قال الذي في السماء، قال فإذا هلك المال فمن تدعو؟ قال الذي في السماء، قال: فيستجيب لك وحده وتُشرك معه! يا حصين أسلم تسلم، فأسلم فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شيعوه إلى منزله.

استخدام التلميح والتعريض:

التعريض والتلميح من صور القول الحسن، ولذلك كان الغالب في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، في الخطاب “ما بال أقوام يفعلون كذا ويقولون كذا”.

 

المحور الثالث: وحدة الصف ونبذ الخلاف المذموم:

إن الإسلام ما أكد على شيء مثل تأكيده على الإيمان والأخوة، أو بعبارة أخرى تأكيده على “كلمة التوحيد” “وتوحيد الكلمة” قال تعالى: “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون والخلاف عندما يفقد أخلاقياته يسقط المجتمع فريسة سهلة للتآكل الداخلي، والتنازع والتناحر الذي أورثنا معيشة ضنكا وذهاب الريح، قال تعالى: “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكموالخلاف منه ما هو مرفوض وما هو مقبول، وسلف هذه الأمة اختلفوا لكنهم لم يتفرقوا لأن وحدة القلوب والغايات والأهداف كانت أكبر من أن ينال منها شيء، والاختلاف حين لا يتجاوز حدوده، وحين يلتزم الناس بآدابه يكون ظاهرة إيجابية لها آثار، منها:

  • التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن أن يكون الدليل أومأ إليها بوجه من وجوه الأدلة.
  • الاختلاف الملتزم بالآداب يعتبر رياضة للأذهاب وتلاقحا للأراء.

 

حالة الأمة في الأحقاب الأخيرة ومسألة الخلاف:

الأمة في الفترة الأخيرة من الدولة العثمانية إلى سقوط الخلافة إلى سيطرة ما يُسمى بالأنظمة الثورية عاشت في مجموعة احباطات من خمول في العقيدة، وزعزعة في الإيمان والسلوك والاستقامة ومع هذا الواقع بدأت فئات كثيرة من أبناء الأمة تدرك الحقيقة الكبرى “أن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح بها أولها” وظهر ما تم الاصطلاح عليه “بالصحوة الإسلامية” فبدأت المعركة مع هذه الصحوة في الداخل والخارج، وأخذت الصحوة تتعثر عند صخرة الخلاف المقيتة فعلى إطار المسائل الفقهية بدأ الصراع بين من ينتسب إلى المذهبية ومن يدعو إلى اللامذهبية، وبدأت الاتهامات حتى وصلت إلى التفسيق والتبديع، وفي هذا الصراع كانت هناك غفلة عما يتعرض له الإسلام من هجمات خارجية شرسة، وعند التحقيق نرى أن الجميع يأخذ من الأئمة الكبار! فلماذا لا يلتزمون بآداب الاختلاف التي عاش في كنفها كرام الأئمة من السلف، ولعل ما نعيشه من اختلاف بعيد عن آداب الحوار يرجع إلى الجهل بالإسلام أو العلم الناقص به وهذا يستلزم أموار منها:

اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في أمور خطيرة يحكم على أصحابها بالكفر في رأي والإيمان في آخر، أو يحكم على أصحابها بارتكاب كبيرة في رأي ولا يحكم عليه بشيء في رأي آخر، ومع هذا كانوا متحابين متآلفين.
  • أن شباب الدعوة لا بد أن يأخذوا بالأدوات التي يتعاملون بها من منبع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكتب العلماء.
  • التعامل مع الشريعة بالمقصد الذي جاءت به من إدخال السعادة على الناس في الدنيا والآخرة. قال تعالى “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسروتحقيق المقاصد والكليات الخمس.
  • إدراك أن من أهم واجبات المسلمين أن يدركوا أن أخوة الإسلام ووحدة صفوف المسلمين تأتي في أولويات العمل، كما أنه لابد من معرفة خطورة عدم الالتزام بآداب الحوار وسياج هذا كله مراقبة الله سبحانه في كل تصرف ولفظ.