بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

أعرف أرض الجزيرة العربية مهبط الرسالة المحمدية والأرض التي اختارها الله لتكون المحضن والمستقر لخاتم الأنبياء والرسل، ومهد الشريعة الأخيرة المحكمة التي اختارها الله سبحانه وتعالى للبشرية حتى قيام الساعة.

وأعرف أرض الجزيرة العربية التي كانت منطلقاً لنشر الدعوة بين قبائلها وسكانها وقراها حتى دخلت في دين التوحيد في أقل من ثلاثة عقود من الزمان، فأضاءت بنور الحق وتلألأت بالجيل الرباني من الصحابة رضوان الله عليهم الذين نشروا العلم والنور بين الناس.

وأعرف أرض الجزيرة العربية التي اتخذها الصحابة الكرام منطلقاً لنشر الإسلام خارج حدود الجزيرة العربية، وتبليغ هذه الرسالة الخاتمة لجميع الناس في العراق وبلاد فارس والشام وأرض مصر وشمال أفريقيا والعالم كله.

وأعرف أرض الجزيرة العربية التي على أكتافها قامت حضارة هذا الدين العظيم انطلاقاً من أرض الحرمين الشريفين مكة المكرمة الطاهرة حيث بيت الله الحرام الكعبة المشرفة، والمدينة المنورة مقر الدولة الإسلامية الأولى في تاريخ البشرية حيث المسجد النبوي الشريف وأرض طيبة الطيبة، التي حملت الدعوة حتى وصلت إلى مشارق الأرض حيث الصين، ومغارب الأرض حيث أمريكا اليوم التي يعيش بها ملايين المسلمين الذين يدينون بالإسلام الذي انطلق من تلك الارض المباركة

      كما أعرف المملكة العربية السعودية بسنواتها المئين السابقة عندما ارتبط التوجيه العلمي الشرعي والتأصيلي بالسياسة الإسلامية من خلال البيعة المباركة التي تمت بين الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب والإمام السياسي محمد بن سعود، فكان تجديداً لمعاني الدعوة المحمدية ومثلما تذكر الروايات فقد قام الإمام محمد بن سعود بمبايعة الشيخ محمد عبدالوهاب، ففي كتاب (المجد في تاريخ نجد) لمؤلفه عثمان بن بشر يقول:”إن محمداً (بن سعود) بسط يده وبايع الشيخ (محمد بن عبدالوهاب) على دين الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر” حتى “فتح الله الرياض، واتسعت ناحية الإسلام، وأمنت السبل، وإنقاذ كل صعب من باد وحضر، جعل الشيخ (محمد بن عبدالوهاب) الأمر بيد عبدالعزيز بن محمد بن سعود، وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه، وانسلخ منها، ولزم العبادة وتعليم العلم، ولكن عبدالعزيز لم يكن يقطع أمراً دونه، ولا ينفذه إلا بإذنه” (تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر).

ويقول ابن بشر في موضع آخر يصف فيه الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود:” وكان عبدالعزيز كثير الخوف من الله آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، لا تأخذه بالحق لومة لائم، ينفذ الحق ولو في أهل بيته وعشيرته وكان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، ويصلي فيه صلاة الضحى وكان متواضعاً يحب العلماء وطلبة العلم وحملة القرآن ويحب الفقراء والمساكين، ويعيطهم حقهم”.

      نعم أعرف المملكة العربية السعودية أرضاً تلتزم أحكام الشريعة الإسلامية وتطبيقها، وهي أرض العلماء وفيها جامعات إسلامية عريقة كجامعة الإمام محمد بن سعود وجامعة أم القرى بمكة المكرمة، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

      كما أعرف المملكة العربية السعودية، واهتمامها الكبير بالعالم الإسلامي ومشكلاته، فبصماتها واضحة في أنحاء العالم الإسلامي وغيره فقد بنت المساحد، وفتحت المدارس، وكفلت الأيتام، واهتمت بحلقات القرآن الكريم، وساهمت في كل القضايا الإسلامية بجهد إيجابي واضح

      كما أعرف المملكة العربية السعودية بأصالتها الشرعية وسلفيتها النقية وعقيدتها التوحيدية وقد أصل ذلك الاتجاه الطاهر النقي الخالي من البدع والشوائب والشركيات الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، وبعده الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ودعمها ونشرها كمنهج علمي متقن من خلال الجامعة الإسلامية والحلقات العلمية في الحرم الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله، والشيخ المعلم الرباني محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، ثم مؤسسات الدعوة الإسلامية الشعبية والنظامية، التي تعمل في إطار تنسيقي تكاملي يعتبر نموذجاً رائعاً أضاف للدعوة الإسلامية الكثير في هذا المجال.

كما أعرف المملكة المغربية ذات التاريخ العريق والحضارة الإسلامية الزاهرة، فهي التي احتضنت الإسلام منذ أن وطأتها خيول عقبة بن نافع، بعد أن رفضت كل الغزاة والمستعمرين فلما جاء الإسلام فتحت له بوابة الترحاب.

      وأعرف المملكة المغربية وتاريخها المجيد في الذود عن الإسلام وصد الهجمات الصليبية التي انبعثت من الأندلس، فمزقت شمل المسلمين هناك وكادت تستأصل شأفتهم لولا أن امتدت إليهم يد يوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين فمزقت الجيش القشتالي في موقعة الزلاقة

      وأعرف المملكة المغربية من خلال حركة المرابطين والموحدين والحركة العلمية الأصيلة وجامعاتها العريقة ومنهجها العلمي المتقن، ودعمها لمسلمي الأندلس الذين فروا بدينهم بعد سقوط دولتهم هناك، فكانت المغرب هي الحاضنة والآوية لهم.

      وأعرف المملكة المغربية وجهادها ضد المستعمر لعشرات السنين حتى حصولها على الاستقلال عام 1956، فحافظت على هويتها وتراثها وحقوق شعبها.

      وأعرف المملكة المغربية بمدنها العريقة فاس ومكناس والدار البيضاء والرباط، وبجبالها وبغاباتها وسهولها ورمالها الذهبية وسنابل القمح الشامخة، والأنهار الدافقة.

وأعرف المملكة المغربية وأهلها الطيبين البسطاء الكرماء وخروجهم بعد صلاة الفجر لمزاولة أعمالهم، فالشيبان والعجّز في الحقول، والطلبة في المدارس والموظفين في اعمالهم، والكل يبدأ يومه من صلاة الفجر.

كما أعرف مدى تماسك الأسرة المغربية وترابطها حتى مع فقرها وعوزها، فلا يأكلون إلا في قصعة واحدة وربما كان أحد الأبناء فقط يعمل من بين عشرة أبناء لكن هذا لا يغير من قيمة الترابط والتماسك الذي أعرفه في الأسر المغربية.

كذلك أعرف المملكة المغربية بوحدة أرضها شعباً وعمقاً وأعرفها أرضاً ونسيجاً فكانت ولا زالت مركزاً للثقافة وإشعاعاً للحضارة الإسلامية منذ أكثر من 1200سنة، ويشهد على ذلك مسجد القرويين وفاس الرائعة ومكناس الجميلة

كما أعرف أصالة الحركة الإسلامية في المغرب بتأصيلها وحكمتها المعتمدة على أصول الشرع ولم لا وهم أحفاد الإمام الشاطبي صاحب المقاصد في موافقاته، وقد قدمت أروع معاملة في تعاملها المجتمعي المعتمد على الفكر الحضاري الأصولي الواقعي

وأبغض الجريمتين

وأبغض هذه التفجيرات المخزية التي وقعت في الرياض والدار البيضاء، فلا يمكن بمقياس الأسباب والنتائج والآلية والعقل المدبر من ورائها أن تكون صدرت إلا عن منهج يتبعه أهل الابتداع هؤلاء، فلا نعرف على مر التاريخ الإسلامي بعصوره الزاهية الرامية أو بعصوره الدامية المترامية هنا أو هناك أن مجاميع المسلمين بعلمائهم وشعوبهم قد استباحوا دماء المسلمين، ولم يكن في يوم من الأيام ليصدر عن أهل السنة والجماعة هذا الفكر الذي استحل بكل بساطة دماء المسلمين وحرماتهم، متناسين كل النصوص الشرعية الواضحة في هذا الأمر، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم:” لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً” وفي الحديث الآخر الذي ورد في سنن الترمذي وسنن النسائي وصححه الألباني قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم المعني جلي واضح:” لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم”، فأين يذهب هؤلاء من هذه النصوص الواضحة، وكيف استسهلوا تأويل النصوص هكذا بكل بساطة، ولو كان بين هؤلاء الضحايا أحداً من أهلهم أو أبنائهم هل كانوا يقدمون على مثل هذه الجريمة؟

       لقد علمنا التاريخ والنظر فيه أن عمل السيف بالأمة كان دائماً من قبل أهل الابتداع كالخوارج وغيرهم وليس أهل الاتباع، أما أهل السنة والجماعة فلا يستبيحون دماً إلا بحق واضح كالثيب الزاني، أو المرتد الكافر، فكانت نتيجة أعمال الخوارج عبر التاريخ أن فتكت بالأمة وأضرتها بينما لم يتأذى منها العدو، ولم نجد للخوارج بطولات في ميدان الجهاد على الثغور وأطراف الدولة الإسلامية، بل إن التاريخ يرشدنا إلى معاول هدمهم منذ أيام خلافة سيدنا علي رضي الله عنه وعلى امتداد التاريخ الإسلامين فقد كانوا يقتلون الصحابة وأبناء الصحابة ثم يسألون عن نجاسة دم البعوض بعد أن سفكوا دماء أطهر وأشرف الناس!!

       ولو طالعنا إلى من تصدى لهذه الفرقة الضالة المبتدعة، لوجدناهم الجهابذة العلماء الكبار الذين لا يخشون في الله لومة لائم، وكان إمام هؤلاء الكبار عبدالله بن عباس رضي الله عنه، حيث تصدى لهذا الفكر الخارجي في بواكير ظهوره الأول.

       ونقولها بصراحة مدوية ومعلنة إن الصحوة الإسلامية اليوم، ونقصد به جسم الصحوة الأساسي وهو التيار المعتدل الملتزم بمنهج أهل السنة والجماعة، مدعوة اليوم بكافة أطيافها وتجمعاتها وأحزابها وقادتها وأفرادها ومؤسساتها إلى وقفة جادة واضحة جلية، لا كما عودتنا في سالف وقتها عندما كانت تمارس تمييع الأمور من خلال عباراتها العامة الفضفاضة والتي تجامل فيها الجميع فلا تشفي عليلاً ولا تداوي جرحاً، فالظرف الحالي يتطلب تجرد وشفافية ووضوح كل الأطراف وحزم في المواقف والتزام بالشرع بعيداً عن التأزمات النفسية التي تعيشها الحركة مع أنظمة الحكم التي تعيش في ظلها وبعيداً كذلك عن هموم الانحسار الشعبي عنها، ومحاولة جمع عوامل الجاذبية من حولها من جديد.

       يجب أن يكون الكلام في هذا الأمر دافعه وحاديه النصح للأمة فقط، ولا يخشون في الله لومة لائم، فيجب أن يقولوا للمخطىء: أنت أخطأت وللمصيب: أنت أصبت، فلا يخشون من بطش منتسبي الفكر الخارجي ومستبيحي دماء المسلمين لأنهم إن ذبحوا بسكينهم فهم إن شاء الله مع سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمـة حق عند سلطان جائـر فقتله

       وهذه كلمة حق عند إنسان جائر، جار على الشرع وجار على الدين وجار على الروح المسلمة الطاهرة البريئة، وجار على الإنسانية عامة، فلا يخشى العلماء ولا الدعاة ولا المفكرين إن هم ذبحوا بسكين أولئك الخوارج، وألا يجاملوا بالعبارة على حساب الأمة فيجب أن يسَمُوا الأشياء بمسمياتها بلا رتوش ولا تجميل، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

       أقول هذا الكلام وأعلم أن هذا الأمر لا يعجب البعض، ولا عليه إن يقبل كلامي أو يرفضه، ولكنني في المقابل أدعوه هو أن لا يحكم لا هواه ولا عاطفته في الموضوع، فلم يعد الوضع يحتمل أحكام تصدر عن العاطفة أو الهوى، بل عليه أن يعود إلى نصوص الشرع وأقوال فحول العلماء في السابق، وليدرسها ويراجعها حتى يقع على بصيص نور يقوده إلى الحكم الشرعي المعتبر.

       ونحن عندما نخطىء هذا العمل الذي أضر بالمسلمين ومصالحهم، فإننا في نفس الوقت لا نقر الظلم والتجبر والطاغوتية والتسلط والاستبداد وقهر الشعوب الذي يقع على عاتق هذه الأمة المسكينة التي تدفع من كرامتها وهي تقف ما بين المستعمر الحرامي وما بين مندويها ووكيلها السامي وما أكثرهم في الأمة، فإدانتنا الشديدة لهذه الأعمال والتفجيرات، لا يمكن أن تجعلنا نخلط الأوراق ونمشي على الأشواك ونحن نبتسم، وكأننا نأكل المر والعلقم من طغاتنا ونقول لهم رياء ونفاقاً: هل من مزيد، بل نقول للصواب صواباً، وللخطأ خطأ

       فالحركة الإسلامية اليوم مدعوة وخاصة العلماء والدعاة والمفكرين أن يقولوا كلمة الحق بشكل واضح لا لبس فيه ولا اضطراب ولا يضعوا في أذهانهم الاتهامات التي سوف تتراشق عليهم من هنا وهناك، تارة بأن مثل هذه المواقف تدفع بالجماهير لكي تنفض عنهم، أو أن هذه المواقف تجعلهم تحت طائلة الضعف والخور عن مواجهة الظلم أو ممالاة الحكام والأنظمة إلى غير ذلك من الاتهامات والعبارات التي يطلقها من ينصبون شباكهم لتدمير العمل الإسلامي

نقول كفانا في الحركة الإسلامية حالة اللاموقف التي لم نجن من ورائها إلا التراجع واهتزاز المواقف والصور، فكان من الواجب علينا منذ البداية أن نضع النقاط على الحروف ونحدد مواقفنا للآخرين بكل جرأة وشفافية، ولم يكن من الملائم أبداً أن نتأزم مع كل أزمة تصيب الأمة، فنصغر أمام الأزمة، وبدلاً من تشخيص المرض وبيان أسبابه ودواعيه والنتائج المترتبة عليه وتوعية الأمة من مخاطره، هربنا إلى فقه “الفتن” فكل أزمة كنا نخشى على جماهيريتنا أن تنحسر بسببها كنا نلجأ إلى تمييع الأمور حتى نرضي جميع الأطراف، وحتى نبرّر اختلاف مواقفنا عن بعضنا البعض، نلجأ إلى فقه الفتن ونقول أنها فتنة فنلجأ إلى الصمت، وكأننا نحويّون نتبع قاعدة ” سكّن تسلم” وها نحن أصبحنا نسكّن مواقفنا لنسلم، فعندما جاءت حرب الخليج الثانية قلنا إنها فتنة وعندما جاءت حر بالخليج الثالثة قلنا إنها فتنة، كل ذلك هروباً من اتخاذ الموقف الصحيح وتحمل المسؤولية التاريخية في مثل تلك المواقف، وإذا كان من المقبول أن تصيب الفتن الأفراد وتنال منهم ومن مواقفهم، فلا يعقل أن تصيب تلك الفتن الجماعات وهي المؤهلة بكوادرها وعلمائها ورموزها وقيادتها من خلال آليات العمل الموجودة الوصول إلى الحكم الصحيح وتبنيه، فإذا ما كانت الفتن تصيب الجماعات مثلما تصيب الأفراد، ففيما التجمع من الأساس إذا كان الذئب يأكل من الجماعة كما يأكل من الغنم القاصية!!

       وإذا كنا قد دفعنا ثمن الوضوح مرة واحدة، فنحن ندفع ثمن الغموض مرات كثيرة، ولئن كنا صادقين في إيضاح مواقفنا وتحمل تبعاتها مهما كانت رؤانا في ذلك الموضوع قاصرة، فإن ذلك يبقى أفضل من حالة الغموض التي نغلف بها كثيراً من مواقفنا، فتبقى نهباً لمن يكتب التاريخ ويحلله، فيكتب ما يشاء كيف شاء، وكلنا نذكر حادثة المنشية تلك التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من خيرة شباب مصر ورموزها بسبب عدم وضوح الموقف المبدئي للحركة، ولو كانت الحركة أعلنت موقفاً واضحاً من هؤلاء الأفراد الذين قاموا بهذا العمل والتنظيم برىء منهم، وكيف تمت المؤامرة مع أطراف خارجية في ترتيب مسبق لما بقى التاريخ يُعيد تحليل تلك الواقعة بما يريد في كل حادث تصادم جديد مع السلطة، ولما تجرأ الآخرين على إلصاق تهم الإرهاب بالحركة الإسلامية في مصر، ورغم إن من خرجوا من المعتقلات والسجون بعد ذلك في بداية السبعينات كشفوا كل الحقائق، وأيدت الأحداث بعد ذلك صدق روايتهم إلا أن التاريخ كان قد مضى ووضع بصماته لدى الكثير من الباحثين، ودفعت الحركة الإسلامية ثمن حالة الغموض مرة مثلما دفعت ثمن حالات التعالي وعـدم الحـرص على الوضـوح مـرات أخـرى

       وقد تكرر الحدث نفسه أو قريباً منه مع الحركة الإسلامية في سوريا، فهي لم تكن حركة عنف ولم يكن القائمين عليها دعاة عنف، ولم يكن ذلك مسلكهم في الدعوة إلى الله، ولكن اتخاذ مروان حديد رحمه الله مع بعض إخوانه المتحمسين هذا الخط قد ورط الحركة في معركة خسروا فيها الكثير من مواقعهم الدعوية، فتعطلت مسيرة الدعوة وتراجعت كثيراً، ولو أن الحركة الإسلامية في سوريا اتخذت موقفاً واضحاً وقالت بكل صراحة أن ما قام به بعض الأفراد لا يمثلون الحركة وهم بريئون منه، ولم ينجّروا لمثل هذه المعركة ، لكان ربما كان وضع الحركة الإسلامية في سوريا أفضل من الآن.

       لا نقول هذا الكلام محاكمة لتيار أو اتهاماً لشخوص ولكن نقوله حتى تعي الحركة الإسلامية خطورة الصمت في المواقف الفاصلة في حياة الأمة، وإن كان الصمت يليق بالصغار فلا يليق أبداً بالكبار ومن يعتبر اليوم التيار الشعبي الرئيسي الذي يسري في جسد الأمة، ويجب أن لا نكابر وننكر أن المجاملات بين أبناء التيار الإسلامي من جماعة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى، جعلت حتى البيانات المصاغة تحمل في بواطنها الكثير من الغموض والمواقف العامة غير المصنفة، وكثرة الحديث عن المسلمات التي لا يختلف عليها أحد. 

       والحركة الإسلامية اليوم وقد تراكمت خبراتها ونضجت تجاربها يجب أن تتصدى لهذا الفكر الخارجي دفاعاً عن الإسلام أولاً وصورته النقية حتى لا تتعرض للتزوير والتشويه، وحفاظاً على الصف الإسلامي لكي لا تندس فيه من يعطي الأبرار والمبررات لإجهاض هذا العمل الذي لا ينكر عطاياه الإيجابية على الأمة إلا مكابر، ونذكر هنا  ما حدث مع الحركة الإسلامية في  الجزائر بقيادة الشيخ الفاضل محفوظ النحناح عندما تصدى لهذا الفكر الخارجي باسم الجماعة المسلحة، وغيرها من ألفاظ وأسماء فضفاضة وموهمة، وقد تعرض هو شخصياً لمرات ومرات ومرات لعمليات اغتيال شاء الله سبحانه وحده أن ينجيه منها، ولم يفت ذلك في عضده من الاستمرار في التصدي لهذا الفكر الخطير، كما قدمت هذه الحركة رجل من أنقى رجالها وهو نائب الشيخ محفوظ النحناح، عندما دخلت عليه هذه المجاميع الضالة بسلاحها داخل المسجد، وكان الرجل يقرأ القرآن بعد صلاة الفجر منتظراً الشروق، فذبحوه بسكين بارد، وكأنها تذكرنا بمشهد قتل الخليفة الطاهر  عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما تسوروا عليه داره وقتلوه وهو يقرأ المصحف، فلا يمكن أن يصدر عن هذا الفكر إلا مثل هذه الأفعال.

       فعلى الحركة الإسلامية أن تصدح بالحق ولا شىء غير الحق، ولا تخشى سكين الخوارج ولا أن يقل تصفيق الجمهور والشعوب لها ولا أن يقل الحضور في مؤتمراتها الجماهيرية لأن الحق الواضح الصريح لم يكن عند هوى تلك الشعوب، وويل للحركة إن حرص مفكريها ورموزها على إرضاء ما يسمى بالجماهير الغوغائية الغفيرة، حتى لو جانبت الحق، فالجماهير تحتاج إلى من يبصرها ويعلمها دينها، ويوصلها إلى رب العالمين، فهي تحتاج إلى التوجيه وليس العكس، فلا يهم أن تهتف الجماهير بحياة أحد، أو أن تحضر محاضراته بالآلاف أو أن تكبر وتهلل مع كل كلمة يتفوه بها، فيأخذ منه العجب بنفسه كل مأخذ وتراه يتوه بعيداً عما كان يجب أن يقوله بصراحة.

فعلى الحركة الإسلامية أن تعي أن الحق وحده سيجمع الجماهير حولها، وغير ذلك سيكون انتصاراً مؤقتاً وتخديراً للجماهير سرعان ما سيظهر زيفه ويذوب عندما تشرق عليه شمس الحقيقة، وقد أثبتت الأحداث تلو الأحداث صدق هذه النظرية، وقد حسم الإمام علي رضي الله عنه  الموضوع مبكرا ً قال:” اعرف الحق تعرف أهله”، فالحق كثير بنفسه ولو قل المصفقون له.

وأحب البطولتين

العلميتان الاستشهاديتان التي تمت قبل بضعة أيام في القدس الشرقية، وأسفرت عن مقتل سبعة أشخاص وربما أكثر، لعلها تستحق التحية والثناء، كما يستحق الطالب باسم التكروري عضو كتائب عزالدين القسام كل تقدير وإكبار، عندما تخفى بلباس حاخام واعتمر القلنسوة اليهودية، وقام بعملية بطولية في ذكرى فلسطين التي أصبحت الآن منكوبة بقيادتها وطريقة تفكيرهم، حيث استنكرت العمليتين، ورأت فيهما صورة تشوه النضال الفلسطيني كما رأت أنها أدت إلى مقتل أبرياء مدنيين لا ذنب لهم، ونحن والله لا نعرف ما هو النضال بوجهة نظر هؤلاء كالحي الوجوه حتى يتم تشويهه، ولا تعرف من هم هؤلاء الأبرياء الذين استولوا على بيوت وأراضي الشعب الفلسطيني بعد أن كانوا يعيشون مشتتين ما بين ثلوج روسيا وبولندا أو مستنقعات أفريقيا، وكأن الأرض الفلسطينية أصبحت إرث خالص وأرض موعودة ينبغي التسليم بحقهم في العيش فيها، أو ربما أعطوا صك البراءة لأنهم من جنود الجيش الإسرائيلي الاحتياط وليسوا تحت الخدمة، أما الإرهابيون الحقيقيون بنظر أولئك فهم الشعب الفلسطيني الذي قلب كل المعادلات ولا زال يقاوم ويرفض تصفية قضيته على الرغم من المعاناة الهائلة التي يحملها فوق ظهره طوال تلك العقود التي عاشها ما بين جرائم اليهود وخذلان العرب الذين اتخذوا من القضية الفلسطينية قطاراً يركبونه ليصلوا به إلى كراسي الحكم ثم يكبتوا أنفاس شعوبهم، فلا تسمع لهم همساً ولا رعداً إلا إذا تطلب الأمر قمع تلك الشعوب وما نراه من مقابر جماعية في العراق إلا دليل واضح على ذلك، ولا نعلم حقيقة كمية المقابر الجماعية الموجودة في مناطق أخرى من عالمنا العربي الواسع       !!

       إن من يريد أن يرفع راية الجهاد فليتجه إلى فلسطين حقيقة وقولاً وعملاً، ففلسطين ليست استعراضاً لأنواع الأسلحة والطائرات والمدافع في افتتاح الدورات الرياضية في الملاعب، وفلسطين ليست إذاعة تشتم فيها المرجعية والامبريالية، وفلسطين ليست جيشاً مليونياً يختفي في مصباح علاء الدين عندما يأتي المارد الأمريكي، وفلسطين بالتأكيد ليست غزة أريحا أولاً ولا أوسلوا ثانياً، وليست بالتأكيد خارطة الطريق ثالثاً وأخيراً.

       وما أشبه اليوم بالبارحة، فعندما كان الصحابة رضوان الله عليهم يخوضون المعارك وساحات الوغى في الثغور وعلى أطراف الدولة الإسلامية ليحملوا رسالة الإسلام وينشروها بين الناس لينقذوهم من الضلال والنار، كان الخوارج يعملون سيوفهم بأبناء الصحابة، وها هم اليوم يقومون بالتفجيرات هنا وهناك، وكأنهم لم يسمعوا بمأساة فلسطين لا من قريب ولا من بعيد ومستعدين للقيام بكل العمليات العسكرية والتفجيرية سواء في أفريقيا أو اليمن أو السعودية أو المغرب، إلا في فلسطين فهي قضية لا يعرفها خطابهم إلا عندما يحسون أن السكين أصبح قريباً من رقبتهم، وما سمعنا عن فلسطين في خطابهم إلا عندما حزم الأمريكان أمرهم تجاههم في المعركة التي أسقطتهم، عندها أصبحت فلسطين مطية لهم كما كانت مطية لصاحب القبور الجماعية الأول في العالم صدام حسين الذي وضع العراقيون صوره على الأرض وكتبوا عليها:” دوس على الذي باعك بالفلوس”!!

       إن فلسطين هي ساحة الجهاد الحق، وهي الساحة التي اتفق العلماء على شرعية الجهاد فيها، وليس في مكان آخر لا يأتي العمل فيه إلا بمزيد من المآسي والتفريق والشتات.

احذر من المخططين

إذا تجنبنا الحديث عن البعد الشرعي والديني في جواز هذه العمليات التفجيرية التي تمت في الرياض والدار البيضاء من عدمه، وإذا ابتعدنا قليلاً عن مفاهيم الجهاد وشروطه وآلياته وزمانه وراياته، وتمعنا قليلاً في توقيت هذه التفجيرات فإننا نصاب بالعجب من الفرق بين ما هو معلن من هدف هذه التفجيرات وبين النتائج التي توصلت إليها، ففي السابق وكلما احتاجت أمريكا إلى تبرير وحجة في مواصلة مخططاتها في المنطقة، خرج لنا خطاب جديد منسوب إلى بن لادن يبرر للأمريكان كل الإجراءات التي يتخذونها حتى لو كانت خارج نطاق القانون والشرعية الدولية، والتفجيرات الأخيرة بتوقيتها تثير الكثير من الأسئلة، فما معنى ومغزى أن تأتي هذه التفجيرات بعد إعلان الولايات نيتها مغادرة الأراضي السعودية، وإذا كانت هذه التفجيرات نصرة للعراق، أما كانت الأولى أن تتم داخل الأراضي العراقية، وفي وقت الحرب أو حتى قبلها، وليس بعدها؟

هذه الأسئلة المشروعة تجعلنا نطرح المزيد من التساؤلات حول هوية مرتكبي هذه الجريمة فهل هؤلاء الخوارج من أبنائنا تم تضليلهم، أم هم فئات لها ترتيبات خاصة مع المخابرات الأمريكية ( CIA).

       حقيقة نحن لا نعلم حتى متى يستمر التدخل الأمريكي في شئون العالم الإسلامي تحت ذريعة محاربة الإرهاب، فكلنا يعلم أن إسرائيل دولة محتلة قامت على الاغتصاب كما نعلم أن كشمير منطقة إسلامية محتلة، وتوجد قرارات دولية تدعو لحلها، ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة لا يمكن لها مقاومة الإرهاب إلا بالمناطق الإسلامية، ونحن هنا نحذر من مخططين:-

الأول: هو ضرب الاستقرار في دول المنطقة، وخاصة الدول التي تتمتع باستقرار جيد مثل المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية، ليقوموا بأعمال البلبلة والتخريب بعد أن طالت القلائل دولاً كثيرة كالجزائر وقبلها تونس، وبعدها العراق وربما السودان وبعض الأنظمة الثورية والتي بطبيعتها أصلاً وعداوتها لهوية الأمة غير مستقرة، ومن خلال هذا الهدف يستطيعون توجيه سهامهم وأهدافهم التالية كما يريدون، فبعد أن تتحول هذه الدول إلى الوضع غير المستقر وتزداد فيها القلائل يحصلون على المبرر الشرعي بالتدخل في شئونها وإدارة الأمور فيها لصالحهم نحو تحقيق أهدافهم، هذا بالإضافة إلى تشويه صورة الإسلام بشكل دوري مستمر ما بين فترة وأخرى، فمع ثورة المعلومات والإنترنت والقنوات الفضائية وعصر القرية الإلكترونية، فلت الأمر من زمام حارس البوابة الإعلامي الذي يقوم بفلترة المعلومات الواردة عن الإسلام والعالم الإسلامي ويقدمها مشوهة للمجتمع الغربي، فلما انطلقت ثورة الإعلام بدأ الناس في الغرب يتعرفون على الإسلام بشكل أفضل، وبدأت الصورة تتغير عن هذا الدين الذين لا يعرفون عنه إلا أنه انتشر بالسيف وأن رسوله صلى الله عليه وسلم – والعياذ بالله – رجل زواج هوعبارة عن خيمة وجمل وجواري وغناء ومجون، فيخلطون ما بين أساطير ألف ليلة وليلة وما بين الإسلام، فجاءت ثورة المعلومات لتفتح المجال واسعاً أمام الشعوب الغربية لكي تتعرف على الإسلام، بلا وسيط كاذب وغير محايد، كما جاءت القضية الفلسطينية في انتفاضتها الأخيرة لتغير من صورة إسرائيل عند الرأي العام العالمي والأوروبي من دولة ديمقراطية وواحة سلام، إلى دولة همجية مغتصبة تضطهد شعباً يقاوم من أجل حريته واستقلاله.

       كل هذه الاستحقاقات جعلت من الضروري لدى أهل المكر في الغرب من إعادة تشويه هذا الدين العظيم، فكانت هذه التفجيرات خير وسيلة لتحقيق هذه الغاية الدينية، وللأسف الشديد فقد نجحوا  إلى حد ما في تحقيق غايتهم، ولذا وجب التنبيه على ضرورة حمل رسالة الإسلام من جديد بالحكمة والموعظة الحسنة وعدم إغفال سلاح الإعلام الصادق في هذا المجال.              

      أما المخطط الثاني فهو يتصل باستغلال الولايات المتحدة هذه الحوادث ودعواها في محاربة الإرهاب لصالح الهجوم على عقيدة وهوية الأمة والتدخل في مناهجها وشئون حياتها، وما لم تستطع مؤتمرات المرأة والسكان والأمم المتحدة تحقيقه يتم تحقيقه تحت سيف محاربة الإرهاب، فتتحدث وتمارس ضغوطها على ضرورة تبديل المناهج، وإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعطاء المرأة حقوقها كما يزعمون.

       ونحن لا نعلم حتى الآن ما علاقة المناهج وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بموضوع الإرهاب، فكل من قاموا بهذه العمليات التفجيرية لم يكونوا لا من خريجي تلك المناهج ولا من طلبة العلم لدة العلماء المعتبرين في المملكة العربية السعودية التي ربما تفوق ثورتها في العلم الشرعي من خبرات ورجال ورموز أي ثروات مادية أخرى، وبصماتها في توجيه المسلمين في أقطار العالم خلال مواسم الحج واضحة ، ولعل تعديل المناهج قد يؤدي إلى أن يستقي الجيل الجديد معلوماته الشرعية من جهات غير موثقة مما يزيد الطين بلة، ويصبح الدواء هو الداء الجديد، وتكون النتيجة عكس ما يخططون.

       أما هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن وجدت عليها ملاحظات كما يدعون، فهذا لا يعني إلغاؤها، وكل ما في المسألة أن المملكة العربية السعودية سمت الأسماء بمسمياتها، فشرطة الآداب في كل مكان في العالم ويوجد منها في الولايات المتحدة بهذا الاسم أو تحت مسمى آخر، لكن المملكة أسمت هذه الشرطة بالمصطلح الشرعي وهو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول ديننا، قال تعالى:” ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر” وقال سبحانه:” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” فالله سبحانه وتعالى ربط خيرية الأمة بقيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا ليس له علاقة بما يحدث من أعمال عنف وعدوان، ولو تم إلغاء الهيئة لا سمح الله، فإن البديل سيكون الفوضى لأن الشعب السعودي عرف بأصالته وتمسكه بهويته ولن يسمح لأحد أن يلعب بالمجتمع السعودي ويدخله في متاهات الانحدار الأخلاقي، فنظام الحسبة ليس نظاماً جديداً، وليس ذنب المملكة أن الدول الأخرى لا تأخذ به، أما مسألة حقوق المرأة فهي دعوة متساقطة، ويكفي أن نعرف ما وصلت إليه المرأة من انحدار وسقوط وانحلال حتى غدت كالسلعة الرخيصة المبتذلة ما يكفي ويغني عن النظر في مرامي وأهداف هذه الدعوة