رؤية لواقع الحركة الإسلامية في انتخابات 2..3 (1-2)

  بقلم: الشيخ جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

أجدني مدفوعاً دفعاً للابتداء بهذه الأبيات المعبرات عن مقالي ومغزاه وفحواه وهي لشاعر يدري كيف ينضد كلماته… وينظم أبياته… وأين يضع قافيه… ولعله شَعَرَ شعوري من تهالك وتدافع وتخاصم وتباين وتهاجر وتصاخب… حول الرئاسة والإمارة والقيادة… وحوز سبق القصب… في ميدان البرلمان…!!!

حتى أفضى هذا التنازع إلى ذهاب الريح وتلاشي العبق الإيماني الرباني… وحلول ريح التنازع والفشل كما قال سبحانه وتعالى:”ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم“… ولله ما كان أبلغ فيما قال… حيث باح بمكنون المقال

                     إن التنازع في الرئاسة زلة

                                  لا تستقال ودعــوة لم تنصر

                     أو ما ترون الشامتين أمامكم

                                  ووراءكم من مضمر أو مظهر[1]

هل من وقفة صادقة لمراجعة المسيرة الانتخابية؟

       في الثمانينيات كانت التجربة الرائدة للحركة الإسلامية في الكويت حيث دخول الإسلاميين البرلمان وجهروا بدعوة الحق من داخله إبان ذاك، وكان الإسلاميون يدفعون إلى الترشيح دفعاً بالترغيب والتحبيب والتأنيب وكان الجميع يتعفف وكان حالهم في الفضل كما كان الفقهاء قبلاً تعرض المسألة على خمسين منهم وكل واحد منهم يدفعها إلى أخيه دفعاً… ويتعفف عنها، يستشعر أن أخاه أولى  بالفتيا والإقدام منه عليها إلا أن يكون هناك إلزام فيدفع إلى ذلك دفعاً.

الحذر الحذر أن تكونوا رأساً للفتنة ومثاراً للعثرة والطلقة الأولى على مسيرة الدعوة!!

والله الله في تلك الأخلاق السامقة… والتجربة الرشيدة

وقتها كان للدنيا معنى وللآخرة المكانة العليا كأنها تتجلى لنا في قوله تعالى “وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون”.

       والآن بعد مضي عشرين سنة من دخول الحركة الإسلامية بمختلف فصائلها أصبح الأمر معكوساً فأصبح التنافس في داخل المؤسسة الإسلامية الواحدة.

       وفي داخل الجماعة الإسلامية المعنية ناهيك عن الصراع ما بين الإسلاميين… بعضهم بعضاً.

       لله ما أعظـم ما كـان… ووا أسفاً ما أشـد ما هـو كائن…!!!

       كان الإسلاميون في بداية الثمانينيات يعدون العمل البرلماني مغرماً لا مغنماً ثم في التسعينبات أصبحت الترشيحات الانتخابية تكليفاً لا تشريفًاً… لعبء الأمانة الملقاة.

       واليوم للأسف الشديد.. أصبحت مغنماً يتنافس عليه بل وتهدد الكثير من القيم والموازين التربوية عند البعض ونسي أوتناسى أبجديات الفهم الإسلامي عندما يلوح المنصب وخصوصاً بعد الإغراءات الكثيرة التي وجدت في البرلمان من رواتب وزارية، وسفرات، ومزايا الرحلات الصيفية، والرواتب التقاعدية… إلخ.. إلخ…!!!

       هذا فيمن عف… أما من تطاول فالإغراءات كثيرة ويعرفها الجميع…!

عودة إلى الأصول… ومراجعة الوسائل والغايات

       يدعو هذا المشهد الكائن إلى مراجعة خاصة لفقه العمل الإسلامي… وفقه الحراك الاجتماعي للحركة الإسلامية وفقه الواقع البرلماني… غاية ووسيلة… جوهر وعرض… معنى ومبنى… فهذه وقفات ولقطات تكشف عن مقاصد المقاصد وغاية الغايات… أدفع بها إلى إخواني في الحركة الإسلامية عساهم يجد فيها معلماً يرد عنهم تلك الظاهرة غير الصحية التي حلت ببعضهم من تنازع وتدافع على الوسائل ورفعها فوق الغايات… وهذا شاهدها في إعدادات انتخابات المستعان أن تصل إلى القلوب وتودع في العقول وتكشف غشاوة ومزايا عقدين مـن تاريـخ الحركـة في البرلمان وتضع علامات فـي طريـق المستقبل…

 أخي… تمهل وانء بنفسك… ففي التأني السلامة

       أخي قد تكون اكفأ من غيرك… وقد تكون أهلاً لهذا الأمر (للترشيح) ولكن اعلم أن “فوق كل ذي علم عليم” وأنك إن كنت كفأً فهناك من هو أكفأ منك… وإن كنت فَقِهاً فهناك من هو أفقه منك…

وحبذا التريث… لمزيد من تعلم… وكمال تفقه… وزيادة تبصير بالأمور والأحوال…!

       وفي التأني السلامة لثلاث أسباب اسمعها واصغ إليها… واعرضها على قلبك عسى الله أن يجلو على بصيرتك سيل الشبهات… وأن يعصمك عن زلل العجلة…

*يتأنى الداعي أولاً إلى حين اكتمال فقهه ووعيه وينفذ وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:”تفقهوا قبل أن تسودوا”[2].

       فيجب على الداعية أن يتفقه… لسيادة وقيادة من يأتي بعده من أفواج الآيبين إلى الإيمان.

*ويتأنى ثانياً إلى حين اكتمال رجولته وتجربته الحياتية، فإن الأيام لا تزال تزيد المرء تجربة وعلماً كما زادت الشاعر الذي خاطبك:

                     أخي عندي من الأيام تجربة

                                  فيما أظن وعلم بارع شاف

*ويتأنى ثالثة في ذلك أيام الفتن على الأخص، ويكون متوقفاً حذراً، ينفذ وصية أبي العتاهية هذه المرة:

                     اصبر على الحق تستعذب مغبته

                                  والصبر للحق أيحاناً له مضض

                     وما استربت فكن وقافة حذراً

                                  قد يبرم الأمر أحياناً قينتفض

       وأقل ما في الفتن أنها ريبة كلها، وقد ترى الفتنة أنها قد أبرمت أمرها وأحكمت خطتها، فينقضها وعي الدعاة المؤمنين[3].

احذر فقد توقعك الفورة العارضة… والحماس الخاطف إلى موارد لا تحمدها

نعم أخي الكريم

       إني أخاطب فيك عقلاً راشداً وقلباً ناضجاً… وأنبهك إلى مزالق لا يسلم منها الكثير-عصمني الله وإياك وإخواننا المسلمين- من كل سوء.

       تريث… وأوكل أمر الترشيح لصاحبه، ولا تحملنك فورة الحماس على معارضة أو مقايضة أو مبادرة أو مجاهرة بسوء… وكم في النفوس من تطلعات انتخابية غير مضبوطة بقواعد الشرع تحمل على نبش خلاف وإثارة قطيعة مع الآخرين ممن تقدموا لهذا الأمر دونك أو من ارتأوا التقديم لغيرك… وحبذا هنا تفويض الأمر إلى القادة فذلك خير وراحة وسلامة وإنما عليك التبعة… وقد برأت ساحتك عنها…

       واسمع هذا الأدب الجم الذي أورده البخـاري فـي صحيحه (5/213) عن أبي بكر وعمر لما قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمِّر القعقعاع بن معبد بن زرارة، قال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي قال عمر: ما أردت خلافك.

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنا لا نولي هذا – يعني الإمارة – من سأله ولا من حرص عليه).

فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: “يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله”

       ولا شك أن تذكر الدعاة دوماً لهذا الأدب، والتطلع لقول قادتهم وإنفاذ اختياراتهم: يجرد مثل هذه الخلافات من كل خطر بتاتاً.

       فإن تشدد القادة، واقصوا عن المسؤولية أو عن الجماعة من  انحرف أو خالف: فبالحزم أخذوا، ليس في ذلك ضير.

       وإن تساهلوا، وعفواً وتجاوزوا، فبسد الذريعة وقواعد لم الشمل أخذوا، ليس في ذلك ضير آخر.

       كل ذلك صواب في أعراف سياسة الجماعات، تؤيد الظروف النسبية المختلفة هذا المسلك أو ذاك، ما لم يكن ثمة هوى.

       ورحمة الله على من تجرد وغلب هواه، قائداً كان أو جندياً.

ولله أيام الترشيح في الثمانينيات ما كان أعظم سلوك المرشحين والمترشحين!

هذا الأمر لا يعطاه من سأله ولا من حرص عليه..!!!

       وهذا فقه نبوي رباني  ليس فيه اعتداء ولا احتكار ولا تجبر وإنما هو صياغة تجريبية لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في اختيار الأمراء “إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه” أي هذا الأمر من شئون المسلمين.

       وشدد في النصيحة الصريحة لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه، فقال له:“يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن اعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها”.

       مع أن عبدالرحمن من صالحي صحابته وشجعاتهم، ويكفيه أنه لما التزم وصية النبي صلى الله عليه وسلم هذه صار قائد جيش المسلمين الذي كلف بفتح كابل عاصمة الأفغان، وكان حصنها من أمنع الحصون، وسقط عنده من شهداء المسلمين ما لم يكن في معركة أخرى[4].

       ونحن إذ غدت الرئاسة مطمع… وثار الاختلاف… وكثر التهجم حتى كاد يصل إلى شفير التنازع داخل المؤسسة الإسلامية التي يفترض فيها غير ذلك… كان الضبط أولى والمنع أحزم…

       فالله الله في حالنا في الثمانينيات لما كان الإسلاميون يدفع بهم إلى البرلمان دفعاً… وكان الجميع يتعفف… أما اليوم والتدافع عليها…فليس ثم إلا الهتاف في الآذان بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم واسمع إلى منهج السلف في التربية الروحية في ضبط الإقدام على الرئاسة.

مدرسة السلف… في التربية على طلب الرئاسة

       نعم وعى سلفنا الصالح هذا الإشكال التربوي إشكال طلب الإمارة والرئاسة… والتهجم عليها… والتزلف والاحتيال إليها فثاروا على ذلك…

       وخطوا لنا خططاً عريضة يربون تلامذتهم ومن بعدهم من أمثالنا… ولنسمع إلى مناهجهم الوضيئة التي أفرزت سادة القادة… وقادة السادة… ممن فتحوا الدنيا بالقيم والإيمان قبل فتحها بالقوة والسلطان…

       معاً فلنسمع ونحن على أبـواب انتخابات تتشوفها نفـوس وتطـوف لها جفون…!!

       ولما هالت المربين تلك الضلالة التي عكرت صفاء تاريخ المسلمين بعد عمر بن عبد العزيز من التهالك والتدافع على طلب الرئاسة والتنازع حولها: أطفقوا على ذم التنازع على الرئاسة وتحذير الأجيال اللاحقة منه، وجعلوه أصلاً مستقلاً من أصول التربية الإسلامية، يتجاوز أن يكون مجرد علاج واقع أرهق الذين بعد عمر.

       فللثوري كلام كثير جزل في ذلك تصدر به المربين، يبدؤه بتقرير واقع الناس، فيقول:“ما رأيت الزهد في شىء أقل منه في الرياسة”.

*لله ما قاله سفيان الثوري (من طلب الرياسة قبل مجيئها فرت منه).

       ورؤياه هذه ظلت تؤرقه، حتى أمسك بقلمه يكتب رسالته المشهورة إلى صاحبه عباد بن عباد، وإلى كل عباد من الدعاة في كل الأجيال، أن:”إياك وحب الرياسة، فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فتفقد نفسك، واعمل بنية”.

       ثم جسد حقيقة ينساها طلاب الرئاسة، فذكرهم أن:” من طلب الرياسة قبل مجيئها: فرت منه” أي: يبقى عليه وزر الشوق الآثم، وزفرة الصدر الراغم، ليس إلا، ويرجع صفر اليدين، وبخفى حنين، لم يذهب لأبعد من فضح نفسه أمام جمهور العاملين.

       وكما كانت نظرية الإشكال المؤتلفة مذهبياً لعبيد الله بن عبدالله جسده في جماعة عمل متآخية استدركت التفرق، كان نداء الحذر في طلب الرئاسة مذهباً للثوري جسده في جماعة زهد محتسبة، استدركت تفرقاً آخر، ولا نت لها نفس هارون الرشيد، فشغل الناس معه بحج أو بغزو، سنه فسنة.

       ولعل الفضيل بن عياض هو من أهم أركان تلك الجماعة التي عضدت الثوري في شرح مذهبه من بعده، إذ صحبه وأخذه علمه، وتأخرت وفاته عنه قرابة ثلاثين سنة، كان يكثر خلالها ذم التكلف في طلب الرياسات، وعلى الأخص تركيزه على كشف النفسية المعقدة الغريبة التي يحملها طالب الرياسة.

يقول الفضيل:“ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكر الناس أحداً عنده بخير، ومن عشق الرياسة قد تودع من صلاحه”.

       ومن لم يجرب الأعمال الجماعية يستغرب مثل هذا أو يستبعده، ولكن الممارس يحفظ قصصاً تصدق الفضيل أيما تصديق، فإن العمل الإسلامي حين يدع الانتقاء، ويلهيه التكاثر بالأعضاء: يدخله أصحاب التخليط، ويظهر في محيطه مثل هذا الذي وصفه الفضيل.

       فمن لم يزهد في الرياسة صار ميؤوساً منه عند الفضيل، أي وإن زهد في الأموال وأطايب الطعام وجمال النساء، لأن “الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الدنيا”، كما يقول صاحبه وصاحب الثوري، الزاهد يوسف بن أسباط.

       كلام لا يقولونه اعتباطاً، بل كانت تأملاتهم في مصائر الجيل الذي عرفوه تعمل كعمل دوائر الاحصاء الحديثة، يحصون من كمل ونقص، ومن وصل ومن خانته قدمه، والعثرة التي عثرها، إن كانت في أول الطريق، أو عند أوسطه، أو لما كاد أن ينتهي ولم يتبق له إلا خطوة الفوز، ثم يعطونك نتئج الاحصاء في أقوالهم هذه[5].

يا أبناء الحركة الإسلامية… أنتم رموز وقدوة… فقوموا بحق مكانتكم

       لا يسعني إلا أن أقول لكم أيها الأأحبة أربعوا على أنفسكم ولملموا شتات أفكاركم وأيقظوا زهور الإيمان الذابلة واسقوا أغصان المحبة المورقة… وأتموا المسيرة، فأ،تم مثال ورمز… ولله القائل مخاطباً علماء المسلمين – ونسأل الله أن يلحقنا بهم:-

                     يا علماء الدين يا ملح البلد

                                  من يصلح الملح إذا الملح فسد

       لذلك أفيقوا أحبتي وانتبهوا… واحذروا بريـق الإمارة وزخـرف الرياسة… فأنتم قدوة لغيركم… وأولى بالعمل بحق الدعوة وقيم الإسلام… ولا يغرنكم صحة غايتكم عـن صحة وسيلتكم واسمعوا معـي بعنـاية هـذا الخبر من سلفنا:

“يروي أن عبداً مهدياً داعياً إلى الله تعالى نظر يوماً إلى أصحابه من حوله، فأعجبه الذي هم فيه من جمال التعبد والأخاء.

       ثم نظر أخرى، متأملاً تقلب القلب، فأطرق، وبشعور مزيج من السرور والتخوف قال لهم:”يا ملح الأرض لا تفسدوا، فإن الشىء إذا فسد لا يصلحه إلا الملح”.

       فكانت منه حكمة صادقة، تشهد حروفها إنها من كلام أهل التربية وممارستها.

وكأنه ما من مصلح مرب إلا وصى بها أصحابه مراراً وحين موته.

       فجراثيم التسمم، وبكتيريا العفونة، لا تنمو في بيئة مالحة، وكذلك أهل الفساد، لا يستطيعون رفع رؤوسهم في بيئة يتواجد فيها الناهون عن المنكر.

*لله ما قاله الفضيل (ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال… ويكره أن بذكر الناس من أحداً غيره بخير…!).

       إنه تصوير لواقع القلة المؤمنة من دعاة الإسلام بين الكثرة اللاهية المسترسلة مع أمور دنياها.

       بهم يصلح الله كل فساد اجتماعي، فيقومونه من بعد الاعوجاج، وهم الذخيرة للأمة يحفظون لها مصالحها كلما ضيعها شهواني ظلوم، فيرجعونها إلى مكانة العز التي تنبغي لها.

       فإذا اعوج الدعاة أنفسهم، وضيعوا رابطة اخائهم، وألفوا بعض المنكر، فمن للأمة يصلحها؟ ومن للمجتمع يزكيه؟.

       لذلك بات النداء إلى التحابب وايطاء الاكناف، ثم التواصي بإنكار المنكر، ركنين مهمين في التربية الجماعية الإسلامية، يكفلان تمكن الدعاة من أداء دورهم الواجب في مصادمة الفساد.

       فالآخاء يحفظ المجموعة، ويمنع التسيب، ويكسب الإنكار فاعلية تأثيرية.

       والتواصي بما يتضمنه من تجرىء على التضحية المحتملة ينقل المجموعة إلى الشجاعة في المواجهة والصبر عليها.

       وبهذين الركنين التربويين تمكنت دعوة الإسلام الحديثة من انتاج “جماعة إنكار متآلفة” أحيت سمت إخاء إيماني انقطع لقرون طويلة، وطفقت تضرب في النهي عن الفساد الأمثال، فشدت قلب أبناء الحركة الإسلامية من أمثال الشيخ إليها فراح يصفها بعضهم في سنة1370هـ حسن نماذجها:

                     أعطوا ضربيتهم للدين من دمهم

                                  والناس تزعم نصر الدين مجاناً

                     عاشوا على الحب أفواهاً وأفئدة

                                  باتوا على البؤس والنعماء اخوانا

                     الله يعرفهم أنصـــار دعوته

                                  والنــاس تعرفهم للخير أعـوانا[6]

هكذا، ليس غير أعوان خير، يقدمون ضريبة نصر الدين، على درب من الحب.

       فلا عجب أن يكونوا الخط البارز في صورة الإسلام الحديثة.

       ولا عجب أن يحرص كل ذي حرص على منع من يريد لهم انفراطاً يحرمهم القدرة على ممارسة الإنكار، ويضع في دربهم أحجار العثرات.

 

رب يوم بكيت منه… ثم بكيت عليه ولان حين بكاء

       نعم كم من يوم يمر علينا نأسف له ونحزن عليه… ونود لو ولى مدبراً في غير رجعة غير أننا… نصير في غيره بأشد مرارة وأشد حسرة فنبكي ولان حين بكاء… ولله القائل:

                     رب يوم بكيت منه فلما

                                  صرت في غيره بكيت عليه

       مـن هنا أحبتي أعظكم ونفسي وأذكركم ونفسـي بأيام وضيئات كنا فيه مثالاً… كنا نتذوق كئوس الخشية والمحبة والرهبة والرغبة في عمل الخير… ونشر الدعوة، والذب عنهما وتربية أجيال من ناشئة وولدان وشباب وشيبان على درب دروب الطريق… غافلين عن الذكر والشهرة وبريق الحمد والثناء… ونتوثب حماساً… ونقفز سراعاً لله وفي الله وكأننا بهاتف زاعق علينا “ففروا إلى الله…” وهاتف آخر يقول “انفروا خفافاً وثقالاً…”

ماذا حدث لنا…؟ وماذا جار علينا…؟!

وما الذي أذهب عنا تفانينا… وتساعينا في الخير… أترانا أصبنا بداء الغرور… أترانا نسينا الغاية وضللنا السبيل؟!!

ماذا دهانا… أنتصارع… أم نتقاتل في سبيل البروز والنفوذ… والظهور…وحوز المعالي…؟!

أبعد مضي عشرين عاماً على العمل السياسي… نتكب ونتساقط عن طريق الدعوة.. وعن تلك الغاية… المرسومة… ولله كم قائم لله وبالله وفي سبيل الله… ولا يعلم عنه أحد شيئاً… ولله كم من باذل وفقه وجهده ونفسه في سبيل الله وما ابتغى من عبد جزاء ولا شكوراً…

*أين نحن من هؤلاء… وأولئك؟!!

*أين نحن من ذلكم العبد الأشعث الأغبر الذي ذكره رسول الله في حديثه.

حيث قال صلى الله عليه وسلم:”رب أشعث أغبر… مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره…”.

*أين نحن من “محمد بن واسع” الزاهد العابد القائم لله ليلاً وحامل سيفه في سبيل الله نهاراً…

*أين نحن من قولة قائد المسلمين إلى شبه القارة الهندية والله لكف محمد بن واسع عندي خير من ألف سيف في كف بطل – أو كما قال- وما ذاك إلا للإخلاصه وانزوائه عن الشهوة والجاه والمنزلة في الدنيا، حتى لا ينادي فيمن قال الله فيهم:” أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها”.

أين وأين واين وأين…؟؟؟!!!

       ولنخلص إلى تلك النقطة الهامة في أسباب السقوط عن طريق الدعوة…

أخي لا تكن من الساقطين على طريق الدعوة

       نعم والله كثر الساقطون… وكثر المتعثرون على دروب الدعوة –نسأل الله السلامة والستر والعافية…0

       ولسنمع معاً إلى حديث غص كأنما يخاطبنا في حالنا هذا لداعية مخضرم ومنظر يشرح لنا هذه الظاهرة الخطرة التي تكاد تطوق كثيراً من شباب الحركة الإسلامية[7].

       إن على العاملين في الحقل الإسلامي والدعاة إلى الله أن يدركوا أن دعوة الإسلام لا يصلح لها، ويثبت عليها، من كان مختالاً فخوراً، أو متكبراً مغروراً… فالداعية بحاجة لأن يجلس مع الناس، ويتواضع للناس، ويخدم الناس، ويخفض جناحه للناس، ويتقبل النصح والنقد من الناس..هكذا كان الداعية الأول صلى الله عليه وسلم وهكذا كان الدعاة الأولون ممن تربوا في مدرسة النبوة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين..

       فعن عائشة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل متكئاً يقول “آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد”.

       وعن جرير رضي الله عنه، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم من بين يديه فاستقبلته رعدة، فقال النبي “هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد”.

       وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأنف ولا يستكبر أن يجلس إلى المسكين والضعيف أو يذهب معه حتى يفرغ من حاجته، وتستوقفه امرأة في الطريق حتى يقضي لها حاجتها فيفعل، ويشـارك أهل بيته والمسلمين الأعمال كلها كأي واحد منهم…

       على هذا الخلق سار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لم يتسلل العجب إلى نفوسهم، ولم يداخل الغرور قلوبهم، بل تواضعوا لله فرفعهم الله وأكرمهم في الدنيا والآخرة…

       أخرج الدينوري عن محمد بن عمر المخزومي عنأبيه قال: نادى عمر بن الخطاب (الصلاة جامعة) فلما اجتمع الناس، وكثروا صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:”أيها الناس: لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي القبضة من التمر والزبيب، فأظل يومي وأي يوم”… ثم نزل… فقال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه:”با ايمر المؤمنين، ما زدت على أن قمئت نفسك “يعني عبتها وحقرتها” فقال:”ويحك با ابن عوف.. إني خلوت فحدثتني نفسب فقالت: أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك.. فأردت أن أعرفها نفسها”.

       وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال:”رأيت عثمان رضي الله عنه نائماً في المسجد، في ملحفه، ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين”.

       وأخرج ابن عساكر عن زاذان عن علي رضي الله عنه “أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو وال يرشد الضال، وينشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال، فيفتح عليه القرآن “تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين”.

       ودار الغرور هذا قد يصيب في الدعوة العاملين في الحقل السياسي كما يصيب العاملين في الحقل التربوي.

       ألا فلبسمع المغرورن المعجبون بأنفسهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم “ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه”.

       وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام “لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك، العجب العجب”.

       قال مطرف:”لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً”.

       وقيل لعائشة رضي الله عنها:”متى يكون الرجل مسيئاً؟ قالت: إذا ظن أنه محسن”[8].

[1] انظر العوائق للأستاذ محمد أحمد الراشد 90، ط مؤسسة الرسالة 1977

[2] صحيح البخاري 1/28

[3] السابق 101،102

[4] انظر السابق ص91

[5] انظر صفوة الصفوة لابن الجوزي، وسير أعلام النبلاء للذهبي والسابق نفسه ص87-89

[6] الأبيات السابقة للدكتور يوسف القرضاوي/ انظر ديوانه نفحات ولفحات انظر السابق نفسه ص245 وما بعدها.

[7] انظر المتساقطون على طريق الدعوة كيف…ولماذا؟ ص97،98 للأستاذ فتحي يكن ط طار الرسالة: بيروت 1984م.

[8] [8] انظر المتساقطون على طريق الدعوة كيف…ولماذا؟ ص97،98 للأستاذ فتحي يكن ط طار الرسالة: بيروت 1984م.