بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

الأيام التي نعيشـها ومهما اختلفنا في تقييمها أو كيفيـة التعامـل معها، فإنها لا شك أيام تاريخية، لأن السنن الاجتماعية تفرض في النهاية سقوط أي طاغية مهما استبد وعلا في الأرض ابتداءً من فرعون وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، فالتأمل في هذه اللحظات التاريخية وحالة الإبهار والأحداث السريعة التي نعيشها يجب أن لا تلهينا عن التفكر في ما بعد الحرب ومهما اختلفنا في تقييمنا للموقف فكل محب للإنسانية والحياة السوية لا شك قد فرح بسقوط الطاغوت العراقي، وسيكون أول من يجني مكاسب هذا السقوط هو الشعب العراقي الذي ليس من حق أحد أن يزايد على قوميته وهويته حيث دفع من أجلهما الكثير ورغم ذلك بقى في منطقة الظلال لفترات طويلة لا يشعر أحد بآلامه، حتى جاء غزو الكويت الذي أدخل العلاقات العربية العربية في منحنى جديد وغير مسبوق، وكانت بداية النهاية لهذا النظام الذي لم يبق ولم يذر.

*ما هو أخطر من الحرب

الحرب في حد ذاتها ما هي إلا إعلان واضح على فشل السياسة الدبلوماسية في حل أزمة قائمة، وإن كانت هناك أنواع من الأزمات منها ما هو هامشي ويستحق التجاهل ومنها ما يمكن تجميده، ومنها ما يمكن القفز عليه لوجود مصالح أخرى أولى وأهم بالرعاية ومنها الأزمات التي لا تندرج تحت هذه الأنواع من الأزمات السابقة فيكون آخر العلاج الكي، ومن الواضح أن الحرب ما هي إلا استعمال لوسائل القوة والعنف لكسر إرادة الطرف الثاني وحمله على القبول على ما رفضه في فترة المفاوضات والمشاورات السياسية والدبلوماسية، كما تعكس الحروب في الغالب اغترار أحد الأطراف بالقوة الرادعة التي يمتلكها، وهذا مشاهد عبر التاريخ ويمكن استثناء بعض الفترات الخاصة كفترة العهد النبوي والراشدي وأوقات متفرقة من الحضارة الإسلامية حيث كانت الحروب تعبر عن حالة رسالة سماوية ولم تكن تنطلق من مصالح مادية تحاول تحقيقها، والقرن الماضي مثال واضح على هذه الحقيقة، فالاغترار مثلاً بالعرق الألماني وقوة هتلر كانت سبباً في اكتساح أوروبا، ووجود جيش كبير مدرب على الحرب كانت من الأسباب التي حسم بها صدام خلافاته مع الكويت حول مبيعات النفط وقام بغزوها . 

استطاع الغرب أن يسقط في أقل من شهر دولة عربية كبيرة مثل العراق، بينما أنظمتنا الثورية تقاتل اليهود منذ خمسين سنة ولم تحرر شبراً من فلسطين!!

نقول هذا الكلام وقد ركزت معظم وسائل الإعلام على معطيات الحرب المباشرة، وسير العمليات ونتائجها، بينما لم يتم التعامل مع الآثار النفسية والتربوية للحرب بعد صمت المدافع حيث تستمر الحرب لفترة محددة لها بداية ولها نهاية مهما طال أمدها وكثرت ضحاياها، لكن تأثيرات الحرب لا نهاية ولا بداية لها، وإسقاطاتها النفسية والتربوية خطيرة وتمتد لعدة سنوات وبعضها يتحول إلى حالات من الكمون النفسي التي تنفجر في لحظات محفزة على ذلك

لقد لاحظ الجميع كم كان الشعب العراقي متحفظاً في الكلام والتعبير عن مكنوناته النفسية وآرائه إزاء ما يحدث في بلده حتى بعد سقوط نظام الحكم بعدة أيام، فلديه أولاً تجربة مريرة في انتفاضة مارس 1991م عندما سقطت (15) محافظة من أصل (18) محافظة عراقية، وظن الجميع بما فيهم الدول العربية والغربية إن نظام صدام ساقط لا محالة، فإذا به يعود ليمسك بزمام الأمور في ظروف قاسية وسحق هذه الانتفاضة بأعلى درجات الوحشية، بل وصور هذا القمع على أشرطة مرئية وزعها على الشعب العراقي ليزيد جرعات “جمهورية الخوف” تماماً مثلما فعل في أول اجتماع له بعد تسلقه على سدة الحكم وانقلابه على أحمد حسن البكر، حيث حرص على أن ينقل التليفزيون العراقي حفلة الإعدامات الحزبية التي بدأ بها حكمه، وكل العراقيين يذكر قصة “أبو طبر” في السبعينات، وغيرها وغيرها، هذا بالإضافة إلى عدد لا نهاية له من الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها صدام حسين الذي يعرف المجرم من عيونه كما يقول، حتى اشتهر أن أقل عقوبة في العراق هي الإعدام.

       هذا الشعب الذي عاش كل حفلات الدماء والقهر خلال عشرات السنين يحتاج إلى الكثير في مجال الرعاية النفسية، والسلوكية، فبعض ممارسات السلب والنهب بعد سقوط النظام التي تمت كانت حقيقتها تعبيراً عن رغبات مكبوتة ولم تكن سلباً بهدف السلب بحد ذاته، وإلا بماذا نفسر مشهد من دخلوا البنك الوطني ثم استولوا على النقود التي بها صور صدام حسين وقاموا بتمزيقها وسط الشوارع في لحظة جنون اعتبروها طبيعية ومستحقة.

       إن أولى ضحايا الحروب هم النساء والأطفال، فكيف سينشأ الطفل العراقي بدون هذا الصنم الإله الذي أسموه صدام حسين، وهو يرى صورته في كل شارع وتمثاله في كل حي، عيونه عليهم تارة يبتسم تارة يدخن السيجار، وتارة يرفع يده ملوحاً وكأنه يقول لهم: لا تحاولوا حتى التفكير مجرد التفكير في اتخاذ إله غيري، فحتى خلجات القلوب وخواطر النفوس في العراق ممنوعة، فجمهورية الخوف قدرها أن يكون الخوف هو الدستور الدائم، ومن لم تطوعه عيون أجهزة الأمن، طوعته الحرب مع الجيران، فكيف ينشأ هذا الجيل العراقي وقد رضع الدماء مع الخوف، وقد درسوه وعلموه أن قائد العراق هو القائد الضرورة، وفسروها له بأن قدوم صدام لحكم العراق كانت ضرورة تاريخية، وقدر تاريخي وها قد جاء الفارس ليملأ بيوتكم بالأحزان وعيونكم بالزوغان. 

الحذر من المندسين في الصف الإسلامي الذين يحاولون شق الصفوف، فيرمي أحدهم على عدوه حجراً وعلى إخوانه تسعة أحجار!!

       وكيف يمكن أن تقنع المرأة العراقية إن هذا الكابوس قد انتهى، فهي إما قد فقدت أباها أو زوجها أو أخاها أو ابنها، أو هؤلاء جميعاً مرة في حرب الانفصاليين الأكراد، ومرة أخرى في مواجهة المجوس في القادسية، ومرة ثالثة في الحفاظ على ثروة العراق النفطية من خلال غزو الكويت، ومرة رابعة في أن يكونوا رأس الرمح في مواجهة العلوج الأمريكان المرتزقة، ففي كل الأحوال كان هناك سبب يستدعي فرض الحرب، لم يكن في أي واحدة منها حسابات خاطئة للقائد الضرورة، ويكفيه فخراً أن حول الخوف إلى قانون في قلوب العراقيات حتى أصبحت منهن من تتحول إلى جهاز تسجيل وهي مع شريك حياتها وأبي أولادها لكي تقدم التقرير في اليوم التالي إلى الجهات المعنية، لتنعم عليها بلقب “ماجدة” فأصبحت المرأة العراقية هي الطرف الذي يتلقى كل الهزائم التي يمنحها لها السيد الرئيس، فتتلقاها بالآهات الصامتة والأنات المكبوتة والعيون الذابلة التي جفت دموعها مثلما جفت أهواز العراق بلاد الأنهار

وماذا عن أطفال الكويت الذين تلقوا سيلاً “مباركاً” من صواريخ حرب الحواسم، كيف نفسر لهم العلاقات العربية والهم القومي والمصير المشترك، وعلاقات الجوار، وأي إيمان بهذه المفاهيم وقد سقطت الواحدة تلو الأخرى مع كل صاروخ يسقط على الكويت

وبماذا نفسر لهذا الطفل الذي تركه والده في حضن أمه وهو ابن سبع سنين في بداية مراحله الدراسية وها هو الآن يتخرج من الجامعة ولم ير والده الأسير

وماذا عن الأسرى الذين قضوا أجمل سنوات حياتهم في السجون الصدامية، ولم يعرف مصيرهم حتى الآن؟

ما هو ذنبهم لكي يدخلوا في اللعبة السياسية؟

وكيف يتبجح أزلام هذا النظام البائد بالحديث عن غوانتانامو وهم يمنعون هؤلاء الأبرياء من الحق في الحياة، فيحرمونهم من أوطانهم وأطفالهم وزوجاتهم وأهلهم؟

وكيف يكون لهذا النظام مصداقية وهو ينفي ليل نهار عدم وجود أسرى حرب إيرانيين لديه، ثم يفرج عن الآلاف بعد أكثر من عشر سنوات كاملة؟!

وأي شعوب تلك التي يتم التلاعب بدينها فيمتطيه من يشاء ساعة ما يشاء ليحقق مآربه وأهدافه السياسية، فيموت “ميشيل عفلق” مسلماً، وتوزع شجرة النسب النبوي الشريف التي تثبت علاقة العلماني البعثي صدام بآل البيت، ثم يدخل المواطن العربي في حفلة زار من الفتاوى والآراء والاجتهادات، فتارة يعلنون أن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر، وكأنهم يعترفون أن أهل هذا الدين الأتقياء عجزوا عن نصرته، فلم يبق أن ينصره إلا الرجل الفاجر وتارة أخرى يقحمون الجهاد وآياته في صراع الممالك والمصالح، فتصل الصورة مشوهة إلى قارات العالم كلها، وكيف يدعو الإسلام وهو صاحب رسالة للدفاع عن الديكتوريات، وكأنها تحولت إلى شعوب مازوخية تستمع بتعذيـب جلاديها لها

       إن الأيام القادمة كفيلة بالإفراج عن أزمات نفسية معقدة ومركبة تعيش فيها الشعوب العربية، ولا أحد يستطيع أن يفسر لها:-

*كيف استطاع الغرب أن يهزم جيش أقوى دولة عربية متمرسة في القتال ويدخل عاصمتها في خلال ثلاثة أسابيع، بينما لم تستطع الجيوش العربية مجتمعة أن تحرر فلسطين من العصابات الصهيونية خلال خمسين عاماً وأكثر؟

*ومن يستطيع أن يفسر للشعوب العربية لغز النخوة العربية التي صحت من نومها فجأة لتدافع عن الشعب العراقي حتى لا يسقط منه بضع مئات من ضحايا القصف الأمريكي، بينما صمتت صمت القبور عن مئات آلاف الضحايا التي قدمها صدام على مذبح أهوائه وحروبه الشخصية؟

*ومن يستطيع أن يفسر للشعوب العربية أن أعداد الضحايا التي سقطت بسبب أنظمتها القمعية فاق عشرات المرات أعداد الشهداء الذين سقطوا في المواجهة مع إسرائيل؟

هذه الألغاز سوف تبقى حبيسة النفوس، منتظرة رياح التغيير أن تهب، وقطار الحرية أن يمر على بعض تلك الشعوب التي طال ليلها مع أنظمتها ولا زالت تنتظر لحظة من نور.    

*التخضير الدعوي والتصحر التغريبي

      إذا كانت نظريات العوملة وقطارها السريع وصراع الحضارات ونهاية التاريخ وغيرها من نظريات كانت مجرد أفكار يطرحها هننجتون وفوكوياما وغيرهم من مفكري الغرب قبل 11 سبتمبر، فقد وجدت لها بعد هذا التاريخ الذي أصبح ما يشبه الهولوكست الأمريكي خطط عمل تستدعي تجنيد الإمكانات والدراسات والقوى السياسية لتحويلها إلى واقع، وخاصة في الدول المرشحة كمصدر خطر على الحضارة الغربية، والدول التي لها إرث ثقافي ومعتقدات روحية تستعصي على الاختراق مثل المنطقة العربية بدرجة أساسية والدول الإسلامية بدرجة ثانوية  وهذا يستدعي وجود مخططات لتحويل العالم إلى كوكب أحادي الفكر يرفع راية الحضارة الغربية المنتصرة بالمقاييس المادية المجردة.

الغزو الناعم الذي يستهدف العقول والأفكار والذي يتم بيد بني جلدتنا أخطر من الغزو المادي الذي يستهدف الأبدان والأراضي بتدخل سافر من الأجنبي المحتل.

       هذا التصور يجعلنا نستدعي تجربة الهجمة الاستعمارية الأولى التي تمت في النصف الأول من القرن الماضي، ورغم خطورة تلك الهجمة الاستعمارية إلا أن آثارها الثقافية التي خلفتها كانت أخطر وأعمق بكثير من آثارها العسكرية، فإن كان قد نشأ عن الاستعمار العسكري إسقاط الخلافة وتقسيم الرجل المريض إلى دويلات صغيرة وحدود مصطنعة تعطي من الذريعة لإثارة القلاقل أكثر مما تعطي أسباب لتحقيق الاستقرار، فإن الإرث الثقافي لهذا الاحتلال فاق في مداه وتأثيره خطورة الإرث العسكري بكثير، حيث شهد النصف الأول من القرن الماضي هجمات مستمرة على الثقافة الإسلامية تحت الشعار الثلاثي الذي أطلقته الماسونية في ذلك الوقت: الحرية- الإخاء- المساواة وهي شعارات وألفاظ براقة كانت المجتمعات والشعوب في أشد الحاجة إليها، فكانت بعد التجربة كالسراب الذي يحسبه العطشان ماءً، وإذا بالأمة التي كانت تحمل هوية حضارية عملاقة تتحول إلى فسيفساء من التنوع الفكري الذي يستورد الأفكار كالسلع بين الغرب والشرق، متجاهلة البيئة والظروف التي ولدت بها تلك الأفكار، فكانت نتيجة جلبها للمشرق العربي كارثية على كل المستويات، فانفصلت النخبة التي كان من المفترض أن تكون من عوامل النهوض عن هوية وثقافة الأمة، وأضرت كثيراً بالأمة ومشروعها الحضاري من خلال تسلطها على المؤسسات الثقافية والفكرية الموجودة في ذلك الوقت.

       هـذا الثلاثي التغريبي الخطير وهـو الحرية- المساواة- الإخاء هاهو يتكرر الآن بشكل يناسب المرحلة المدنية التي تمر بها شعوب ودول العالم الثالث، فكان الثلاثي التغريبي الجديد يتحدث عن : الديمقراطية- حقوق الإنسان- حرية المرأة، وإذا كانت الثلاثية الأولى قد أنتجت ثورات وجمهوريات وتسلطاً وقهراً وتخلف ونفياً للآخرين، فإن عواقب الثلاثية الجديدة ستكون أعمق وأخطر من الثلاثية الأولى حيث سيفرض النموذج الغربي بكل أخلاقياته وقيمه وأشكاله في عالمنا العربي والإسلامي، يساعده في ذلك ثورة اتصالات مرعبة قادرة على تشكيل العقول وتسطيح الفكر وخلق حالة التبعية العمياء العدمية، بالإضافة إلى تعاون بين الكثير من الأنظمة التي تخشى من التيار الإسلامي لديها مهما كان معتدلاً وعقلانياً من جهة، واستجابة لضغوط الدول الغربية لتحقيق المعايير الأخلاقية الخاصة بها من خلال المناهج التعليمية ووسائل الإعلام من جهة أخرى، هذا التعاون الذي سيمتد ليفتح وسائل التوجيه والإعلام أمام التيار التغريبي في البلاد العربية، هذا التيار الذي سيجد فرصة جديدة يعيد بها بعض رونقه الذي فقده بسبب النتائج المريرة التي حصدتها الشعوب من واقع تجاربه في السلطة ولا زالت، وبسبب الالتفاف الجماهيري على الإسلام كفكرة متجددة قادرة على تحقيق الإشباعات النفسية للشعوب العربية والإسلامية، وتحقيق توازن روحي ومادي قادر على مواجهة العواصف السياسية والفكرية التي تعصف بالعالم، وهذا التصحر التغريبي القادم سيكون خطيراً وسيدخل مناطق جديدة كانت خطوط حمراء في المنظومة الأخلاقية لشعوب الشرق الإسلامي، مما يستدعي أن يقف العاقلون أمام هذه المعضلة القادمة، فالغزو الناعم الذي يستهدف العقول والهوية والأفكار والذي يتم بيد بني جلدتنا وبدعم مباشر من مراكز القرار أخطر من الغزو الخشن الذي يستهدف الأبدان والأراضي ويتم بتدخل سافر من الأجنبي المحتل.  

       إن مواجهة هذا التصحر التغريبي لا تتم إلا بإطلاق حملة تخضيرية عامة تتحمل فيه كل المؤسسات الإسلامية نصيبها من المسؤولية بحيث تتسامى على خلافاتها التفصيلية والصغيرة وإشكالاتها القديمة والحديثة في سبيل أن تكون على مستوى الحدث، فترتب أوراقها وتستعيد قوتها وتأخذ أهبتها لهذه الهجمة الخطيرة التي لو نجحت في صدها، فتكون قد نجحت في إحبـاط أي نجاح لأي حملة عسكرية تتم هنا أو هنـاك في الدول الإسـلامية، وعلى الحركة الإسلامية أن تدرك أن خصمها الجديد القديم مدعوم بوسائل تقنية وعسكرية قادمة من الغرب، وهذا يستدعي مصارحة ومدارسة للحركة الإسلامية نرجو أن تقوم بها ممثلة بالمؤسسات الدعوية ورجالات الفكر الإسلامي آخذين بعين الاعتبار حجم التحديات القادمة وأسلوب التعامل الأمثل معها من خلال:

أولاً: إيجاد مرجعية إسلامية تمثل الأمة:

وتعتمد على العمل المؤسسي ضمن آليات عمل تضمن عدم التأثر بغوغائية الشارع أو ضغوطات السلطات السياسية، لكي تخرج الفتوى نتيجة تلاقح عقول العلماء وتفاعلها مع النصوص الشرعية بعد دراسة الواقع دراسة متأنية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار المقاصد الكلية للشرع قبل أن تتوه في التفاصيل التجزيئية كما أن هذه المرجعية لا تتأثر لا ببلد المقر ولا بالإرث التاريخي الذي قد تختلف معطياته من عصر لآخر، مع تأكيد الاعتبار على مواصفات محددة وضوابط لأعضاء هذه المرجعية تعتمد على اختبار دقيق لأعضائها بناء على معطياتهم العميقة في مجال البحوث الفقهية وأصول الفقه والتأصيل الشرعي، وليس بناءً على دولة الفقيه أو مدى لمعان نجمه في وسائل الإعلام، أو منصبه الرسمي أو الوظيفي وآخذين في الاعتبار أيضاً إن عصر الرجل الموسوعي قد انتهى وأن الأمور تتطلب وجود طاقم عمل مساعد من الباحثين في مختلف العلوم، ويكونون هم هذه المرجعية الإسلامية إنارة الطريق أمام الشعوب الإسلامية وعدم تركها لسماسرة الفتاوى، لكي يعود للفتوى هيبتها مع التأكيد على أن تكون موارد هذه المرجعية الإسلامية تعتمد على أموال الوقف وليس أموال السلطات الرسمية أو حتى الشعبية حتى لا تتأثر قراراتها وخصوصاً إننا نعاني في المنطقة العربية من موضوع الموازنات وأنصاف الحلول، وأن يضع أعضاء هذه الهيئة في اعتبارهم أنهم أولاً وأخيراً يبغون حكم الله ويوقعون عنه.

اعطوا الشعوب حريتها، ونحن نضمن أن التخضير الدعوي سيكتسح كل مناطق التصحر التغريبي.

ثانياً: البحث عن صيغة عمل مشترك

تحت أي شكل من الأشكال وصيغة من الصيغ وتجنب تكرار التجارب المشابهة لضمان عدم بعثرة الجهود، والاجتهاد في تأسيس العمل المؤسسي والجماعي على أسس علمية وعملية تستفيد من طاقات كل تيار وقدراته مع إلغاء الحساسيات القديمة وتقديم الكسب الدعوي على الكسب الحزبي والشعور بالمصير المشترك والهم الواحد، وتفعيل الاجتماعات واللقاءات والمنتديات التي تدعم الأعمال المشتركة وتكثيف تبادل الآراء والخبرات من أجل مواجهة المخاطر القائمة، فإذا فشل أبناء الصحوة الإسلامية على جمع التيارات الإسلامية وبمختلف مشاربها وتوجهاتها وآلياتها ووسائلها على الاتفاق على الحدود الدنيا، فهي على غير هذا العمل أكثر عجزاً.

ثالثاً: الحذر كل الحذر من المندسين وإن تشكلوا بأشكال وصور إسلامية:

فإنهم أشد فتكاً من الدبابة الغربية والطائرة الأمريكية، فصحيح إن العمل للإسلام لا يمكن احتكاره ولا الوصاية عليه، لكن من جهة أخرى يجب الحذر من هؤلاء المندسين الذين يتطفلون على الإسلام ويقدمون له صورة مخالفة لما عليه إجماع الأمة سواء في الوقت المعاصر أو في العصور القديمة أو تلك التيارات تود أن تدخل الصف الإسلامي لتجيّر هذا الإنجاز أو ذاك الإنجاز أو تسير بالصف الإسلامي نحو هذا التوجه أو ذاك التوجه خدمة لنظام سياسي أو اجتهاد فكري تريد أن تفرضه على الآخرين.

رابعاً: نبذ كل من يحاول شق الصف والتعالي على غيره من المسلمين:

من خلال تحقير المخالفين وتبديعهم وتفسيقهم تحت شعار أنه الأمة المرحومة، وإن الآخرين من الفرق الضالة، فيرمي حجراً على عدوه وتسع حجارة على إخوانه، فهذا الاستلاب لاختلاف الرأي في المساحة المتاحة للاجتهاد لا يعود على الدعوة بالخير، بل هو فيروس يصيب الدعوة ولا يخرج منها إلا وقد شتت الجهود وضيع الأوقات والأموال وأهدر الطاقات وعطل مسيرة العمل، وإن كان هذا الفيروس الكامن في جسم الحركة من الممكن الصبر عليه في فترات سابقة من العمل الدعوي، فإن التحديات القادمة تتطلب سرعة القضاء عليه والالتفات لهذه المخاطر التي تستهدف هذه المرة كيان التيار الإسلامي بشكل استئصالي ونهائي.

يجب أن يفهم الغرب أن للمنطقة العربية إرث روحي وثقافي يجعلها عصية على الذوبان، مهما كانت موازين القوى مختلة!!

خامساً: الخروج من دائرة البناء النخبوي إلى دائرة العمل الجماهيري الإسلامي العام

من خلال الأعمال التطوعية الشعبية والاجتماعية والدعوية لإعادة ترميم جدار الأمة، وإظهار هويتها والحفاظ على البنية الفكرية، وتأكيد دستورية القرآن والسنة على ما سواهما، والبعد عن الترف الفكري والتنظير الأجوف الذي لا ينبني عليه عمل، والانغماس في ساحة العمل الدعوي والعودة إلى المحراب والمنبر، والانشغال بهموم الأمة والشعـوب الإسـلامية، والتأكيد على خيرية الأهداف التي يدعو لها التيار الإسلامي وكل هذا لا يتم إذا لم تخلص النوايا وتسود المودة وتحسن الظنون بالآخرين، وتفتح أبواب التعاون وتوحد أبواب الشقاق والنزاع، ويقدم حظ الدين على حظوظ الدنيا.

سادساً: محاربة الإقليمية وتقسيم المواقف الإسلامية على أساس إقليمي:

والنظر إلى مصلحة الأمة بكليتها، واتخاذ المواقف المنسجمة مع روح الشريعة، والتأكيد على تلاحم هذه الأمة ومصيرها الواحد، والبعد عن التقوقع الإقليمي ومخاطره، والتأكيد على وحدة الأهداف حتى لو اختلفت الوسائل ما دامت ضمن الأطر المشروعة.