بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن مهلهل الياسين

“في يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12 من شهر سبتمبر سنة 622م، أي بعد شهرين ونصف تقريباً من بيعة العقبة الكبرى – عقد برلمان مكة (دار الندوة) في أوائل النهار أخطر اجتماع له في تاريخه، وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية، ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاء سريعاً على حامل لواء الدعوة الإسلامية، وتقطع تيار نورها عن الوجود نهائياً.

 إبليس لا يكيد لهذا الدين دائماً بصروة الرجل الغادر الناجر، بل قد يأتي بصروة الشيخ المعمم فيكون كيده أكثر خبثاً ودهاءاً.

وكانت الوجوه البارزة في هذا الاجتماع الخطير:- أبو جهل بن هشام وجبير بن مطعم وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام وأمية بن خلف.

       ولما جاؤوا إلى دار الندوة حسب الميعاد اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، ووقف على الباب، فقالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأياً ونصحاً، قالوا: أجل فاذخل، فدخل معهم.

       وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار النقاش طويلاً، قال أبو الأسود: نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.

       قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، ثم يسير بهم إليكم – بعد أن يتابعوه- حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأياً غير هذا.

 المملكة العربية السعودية تعتبر من حواضر العالم الإسلام في الوقت المعاصر، وقدر الكبار أن يواجههو ضريبة الريادة.

       قال أبو البختري: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله – زهيراً والنابغة- ومن مضى منهم من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم.

       قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه – كما تقولون- ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم عل أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره.

       وبعد أن رفض البرلمان هذين الأقتراحين قدم إليه اقتراح آثم وافق عليه جميع أعضائه، تقدم به كبير مجرمي مكة أبو جهل بن هشام، قال أبو جهل: والله إن لي فيه رأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن يأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسبياً وسيطاً فتياً، ثم يعطي كل فتى مهنم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنوعبد مناف على حرب قومهم، فرضوا منا العقل ، فعقلناه لهم.

       قال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي أرى غيره، ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع النواب إلى بيوتهم، وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فوراً[1]“.

       هذه الرواية التي أوردها ابن هشام في سيرته عن قصة إبليس وكيف حشر نفسه مع صناديد الكفر في قريش حتى يشارك في القضاء على دعوة الإسلام وقتل نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، تتكرر على ما يبدو في كل زمان ومكان، فإبليس ليس دائماً هو الرجل الغادر الفاجر الذي يكيد لهذا الدين، بل يأتي على صور وأشكال أكثر خبثاً ودهاءً، فقد يأتي معمماً ملتحياً ليكيد لهذا الدين، ليشارك في كل مرحلة فاصلة في حياة هذه الأمة ليكيد ما يستطيع من كيد، وقد وجدنا هذا الشيخ المعمم في مقتل عثمان وفي دويلات الشام أيام الصليبيين، وفي دويلات الطوائف في الأندلس، وفي كل نقطة تشتت وضعف للأمة.

 لماذا السعودية في موقع اللوم حتى لو قامت بإصلاحات سياسية وديمقراطية وإسرائيل في موقع الإعجاب لدى البيت الأبيض حتى لو قامت ببناء السور العنصري البغيض.

       ولو راجعنا التاريخ لرأينا في كل زمان إن حاضرة العالم الإسلامي دائماً ما تكون مستهدفة من الأعداء والمرجفين والفرق الضالة المبتدعة، فعندما كانت المدينة المنورة هي حاضرة العالم الإسلامي، رأينا كيف دبروا الفتنة وقتلوا عثمان الشيخ الحيي المسن الذي تستحي منه الملائكة، وأسالوا دماءه على المصحف، وتركوا الأمة في حالة شتات وضعف، ولم يعد بالإمكان أن تسوسهم العصا بعد أن رفعوا السيف في وجه أميرهم وخليفتهم وأرادوا إجباره على خلع القميص الذي ألبسه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الفتنة التي لا زلنا حتى الآن ندفع ثمن استعمال العنف الكبير والعقل الصغير في التعامل معها، وعندما كانت بغداد هي حاضرة العامل الإسلامي رأينا كيف تكالبت القوى التترية الخارجية مدعومة بالفرق الضالة والمشبوهة الداخلية، لتنقض على الخلافة وتقوضها، بعد أن كان خليفة بغداد يخاطب السحاب وتملك دولته الأراضي الشاسعة والجبال والهضاب، وعندما كانت تركيا هي حاضرة العالم الإسلامي كانت المؤامرات تتوالى تباعاً في الداخل والخارج، من حروب عالمية وغيرها حتى توجت جهودهم بتقسيم الأمة الإسلامية ذات الحضارة الزاهرة الباهرة إلى دويلات ودول صغيرة أدخلوها في إرثهم وممتلكاتهم.

واليوم نفس اللعبة والمخطط يتكرر مع حاضرة العالم الإسلامي في وقتنا المعاصر المملكة العربية السعودية التي أخذت هذه المكانة الرفيعة بما اجتمعت لها من العوامل الدينية والتاريخية والجغرافية والاقتصادية.

فالمملكة العربية السعودية بما تملكه من موقع جغرافي وسيط وهام يدعمه وجود الأراضي المقدسة التي تهفو لزيارته ملايين المسلمين كل عام سواء للحج والعمرة، مع وجود قوة علمية شرعية لا يستهان بها وحركة علمية شرعية نامية بشكل لافت للنظر وعلماء من الوزن الثقيل يعملون ليل نهار من أجل الإسلام والمسلمين.   

 التفجيرات الأولى تمت بعد الاعلان عن سحب القوات الأمريكية من المملكة، والتفجيرات الثانية بعد الاعلان عن الإصلاحات السياسية، هؤلاء لا يريدون إلا البلبلة ولا شيء غيرها. 

فكم من دعاة منتشرين في بقاع الأرض يدعون إلى الله على بصيرة ويعملون على إظهار دين الله تكفلهم السعودية وترعاهم، وتيسر لهم طوق النجاح، إلى جانب هذا كله تقوم بكفالة الطلاب شاهدة على دعم العلم الشرعي وترسخ جذوره بحيث لا تستطيع رياح الشبهات التي تثار أن تقطع هذه الجذور من قلوب الأبناء.

هذا نموذج من البناء الحضاري، أما عن البناءات التربوية والفكرية التي انتشرت من خلال رابطة العالم الإسلام والندوة العالمية للشباب والبعثات الدعوية التي انطلقت من الرئاسة العامة للبحوث والإفتاء، والجهود المركزة التي تقوم بها وزراة الأوقاف الإسلامية وشؤون الحج  بعد أن تجمعت طرق التوجيه والبناء الحضاري والفكري والدعوي في وزارة الأوقاف لضمان التنسيق بين جهات العمل.

هذه المكانة الرفيعة للمملكة جعلها بحق إحدى المرتكزات الأساسية في العالم الإسلامي ولأن قدر الكبير أن يتحمل العواصف ويكون في المقدمة لكل فتنة تريد أن تنال من الأمة، وخاصة في الأماكن المستقرة من العالم الإسلامي وتشهد نوعاً من الانسجام والتناغم بين الحكومات والشعوب، باعتبار أن هذا الاستقرار يترتب عليه تنمية اقتصادية وبشرية تنعكس على الرسالة العظيمة التي تقوم بها المملكة وهي نشر الدين الإسلامي في مختلف أنحاء العالم بالحكمة والموعظة الحسنة يساندها في ذلك طليعة مؤمنة من العلماء الراسخين في العلم، وجامعات ومعاهد شرعية قادرة على تخريج الآلاف من طلبة العلم الذين ينخرطون كل يوم في مسيرة الدعوة.

 استراتيجية العلاج خطة متكاملة يدخل بعضها في الأمة وبعضها في التوعية الشرعية وبعضها في الاصلاح الاقتصادي وبعضها

ناهيك عن الحركة العلمية الشرعية وحركة التأليف والنشر في مختلف الوسائل الإعلامية وهي حركة متطورة نشطة يصل صداها حتى الأماكن النائية.

بالإضافة إلى الجهود الجبارة لخدمة ضيوف الرحمن في موسم الحج، فأي تهديد لأمن المملكة خصوصاً في مواسم الطاعة والعبادة كرمضان والحج إنما هو تهديد للحجاج والمعتمرين وضيوف الرحمن، قال تعالى:” وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم واسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود[2].

فأرض الحرمين الشريفين أرض أمن وأمان من قديم لكل من يقيم فيها، لا يعتدى عليه في ماله أو عرضه أو نفسه، وهذا ما جعلها منطلقاً للدعوة الإسلامية على مدار القرون، لا يخشى فيها من شيء بعد أن حقق الله لها الأمان وحفظها من أصحاب الفيل، وجعل كيدهم في تضليل، وما زالت المملكة العربية السعودية التي نعمت بالأمن والاستقرار عقوداً عديدة دعماً قوياً لحركة المد الإسلامي، التي تظهر آثارها في عديد من مناطق الأرض في صورة من الصور العديدة التي تستعصي على الإحصار والاستقصاء.

والأعداء تحت أي مسمى من المسميات يفهمون البعد الدعوي الإسلامي والمكانة العربية المؤثرة للمملكة العربية السعودية، وإنها هي الصخرة الصلبة أمام مخططاتهم، التي يحاولون بها طمس معالم الإسلام وتشويه صورته في العالمين، حتى لا يمتد هان أو هناك، لا يستيقظ أهله هنا أو هناك، ولكن المملكة تلاحق تدبيرهم، وترد كيدهم في نحورهم بعيداً عن الإسلام والمسلمين، وتظل مدداً للدعوة الإسلامية التي انطلقت بدايتها منها قديماً وستبقى تنطلق منها إلى ربوع الأرض لتظهر دين الله على الدين كله.

 رغم ما يتمتع به هؤلاء التفجيريون من إمكانات لوجستية، إلا أن ميدان الجهاد الحقيقي في فلسطين لم يشهد لهم أي نوع من أنواع السبق.

وهذا أمر يفهمه الأعداء جيداً، ولذا كان مكرهم خبيثاً وكيدهم شديداً، ووصلت أساليبهم التخطيطية في ضرب الأمة الإسلامية إلى حد إستخدام بعض أبنائها، وتسخيرهم لخدمة أغراضهم والقيام بتدمير أمتهم الإسلامية، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا، وهو ظن أبعد ما يكون عن الواقع والحقيقة، وبعض هؤلاء الذين سخرهم الأعداء هم فيما أظن وراء ذلك الحادث الإجرامي الأثيم.

فأين المصلحة التي تحققت في هذا كله؟ ولمن تحققت؟ إن كانت هناك مصلحة في ذلك لأحد فهي للحاقدين على الإسلام، والكارهين لأمن واستقرار المملكة العربية السعودية وهي بمكانتها الدولية قوة ودعم للإسلام والمسلمين في كل مكان.

خدمات مجانية لأعداء الإسلام

هذه التفجيرات المخزية التي وقعت في الرياض، فلا يمكن بمقياس الأسباب والنتائج والآلية والعقل المدبر من ورائها أن تكون صدرت إلا عن منهج يتبعه أهل الابتداع هؤلاء، فلا نعرف على مر التاريخ الإسلامي بعصوره الزاهية الرامية أو بعصوره الدامية المترامية هنا أو هناك أن مجاميع المسلمين بعلمائهم وشعوبهم قد استباحوا دماء المسلمين، ولم يكن في يوم من الأيام ليصدر عن أهل السنة والجماعة هذا الفكر الذي استحل بكل بساطة دماء المسلمين وحرماتهم، متناسين كل النصوص الشرعية الواضحة في هذا الأمر، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم:” لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً وفي الحديث الآخر الذي ورد في سنن الترمذي وسنن النسائي وصححه الألباني قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم المعني جلي واضح:” لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم“، فأين يذهب هؤلاء من هذه النصوص الواضحة، وكيف استسهلوا تأويل النصوص هكذا بكل بساطة، ولو كان بين هؤلاء الضحايا أحداً من أهلهم أو أبنائهم هل كانوا يقدمون على مثل هذه الجريمة؟

ونحن هنا نحذر من ضرب الاستقرار في دول المنطقة، وخاصة الدول التي تتمتع باستقرار جيد مثل المملكة العربية السعودية بعد أن تتحول هذه الدول إلى الوضع غير المستقر وتزداد فيها القلائل يحصلون على المبرر الشرعي بالتدخل في شئونها وإدارة الأمور فيها لصالحهم نحو تحقيق أهدافهم.

هؤلاء ينضمون إلى الجوقة الإعلامية الكبيرة في عالمنا العربي، فهم يتحدثون عن نصرة فلسطين، وجزء كبير من أعمالهم يصب في تدمير الأمة وتفكيكها.

فهذه الأصابع الخفية الأمريكية والغربية حريصة كل الحرص على إيجاد المناخ المناسب لبلبة الاستقرار والأمن وخلق حالة من الصراع والغوغائية، وكلنا يستذكر ما حدث في الجزائر، فتدخل الجيش في العملية الانتخابية أدخل البلاد إلى نفق مظلم لم تخرج منه إلى اليوم، ورغم أن هذا التدخل كان انقلاباً على الممارسة الديمقراطية التي تتشدق واشنطن صباح مساء بدعمها ومساندتها بل وإزهاق أرواح جنودها من أجل ترسيخها في المنطقة فرغم ذلك لم نجدها تحرك ساكناً في الموضوع، واعتبرت تدخل الجيش تدخلاً شرعياً من أجل حماية الديمقراطية من المتربصين بها، ولا نعلم أي شيء يتبقى من ديمقراطية تديرها الدبابات وثكنات الجيش.

ولماذا نذهب إلى الماضي القريب في الجزائر، بينما موريتانيا تشهد في انتخاباتها التي جرت في الأيام السابقة بما حدث من مهازل انتخابية وتزوير فاضح واعتقال واضح لأحد رموز المعارضة ورغم ذلك فلا نجد أمريكا التي يتحدث رئيسها بتطور الديمقراطيات في البحرين وعمان والكويت والعراق، ويتدخل في الشئون الداخلية لدول المنطقة، نقول لا نجد أمريكا معنية بالحديث عن ديكتاتوريات أخرى ما دامت المصالح وليست المبادىء هي المحرك الأساسي للسياحة الأمريكية.

وبالتالي فإن السعودية في موقع عتب ولوم حتى لو أعلنت عن إصلاحات سياسية ووعدت بإجراءات ديمقراطية متدرجة تناسب البيئة السعودية وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بينما نجد إسرائيل واحة كبيرة للديمقراطية في نظر البيت الأبيض حتى لو هدمت البيوت على أصحابها واستمرت في هوايتها في اجتياح المدن الفلسطينية، وتنكرت لكل بنود المعاهدات التي وقعتها، ومارست عنصرية بغيظة تجاه السكان الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية فكل ذلك في نظر البيت الأبيض ليس فقط مبرراً ومقبولاً بل هو دفاع عن النفس وواجب ديني وشرعي يفرضه يوم الهرمجدون، وهي المعركة الكبرى التي ستقوم ضد الإسلام وأهله كما يتصورون.

ضياع بوصلة التهديف

       وعند النظر مرة أخرى في توقيت ما جرى من تفجيرات في الرياض، نعتقد أن من قام بهذا العمل لا يسعى لتحقيق أهداف منفصلة خارجة عن أهداف البلبلة وبث القلاقل والإضرار بالأمن، ولا يمكن أن يخرج هذا العمل التخريبي عن هذه الأهداف، وذلك لأكثر من سبب، منها:

أولاً: نذكر أن التفجيرات السابقة التي تمت في الرياض وقعت بعد الإعلان عن نية القوات الأمريكية في الخروج من المملكة ووقوع التفجيرات بعد هذا الإعلان ينبهها إلى أن الهدف من التفجيرات فقط إحداث المزيد من البلبلة والتضعضع الداخلي حتى يعطي المبررات للقوى الخارجية للتذخل في شئون المملكة.

 أعمال العنف تأتي كالموجات ولكنها في النهاية تضمحل، إما لأنهم اكتشفوا خطأ الطريق الذي سلكوه، أو لأن منابعهم أصابها الجفاف بعد انفضاض الجماهير عن فكرهم وممارساتهم.

وها هي التفجيرات الجديدة تأتي بعد الاعلان عن نية المملكة إجراء إصلاحات سياسية ملموسة، وإطلاق قطار الديمقراطية في انتخابات صريحة تجري بعد حين، فإذا لم يعجب من قام بالتفجيرات الأولى الاعلان عن نية القوات الأمريكية بالانسحاب، ولم يعجب من قام بالتفجيرات الثانية الاعلان عن إجراء الانتخابات والممارسات الشورية، فماذا يريدون بالضبط غير البلبلة والبلبلة فقط وتهيئة الجو للفتنة والصراع وزعزعة الأمن والاستقرار.

ثانياً: رغم ما يتمتع به هؤلاء والتفجيريون من إمكانات لوجستية تجعلهم قادرين على تنفيذ مثل هذه الأعمال ورغم الجهود الذي يبذلها الأمن السعودي لحفظ الأمن والاستقرار، إلا إننا نجدهم يصرون على إجراء مثل هذه التفجيرات في بلاد المسلمين، ورغم الشعارات الكثيرة التي يرفعونها لنصرة القضية الفلسطينية إلا أن ميدان الجهاد الحقيقي في فلسطين لم يشهد لهم بأي نوع من أنواع السبق، وبالتالي فهم ينضمون إلى الجوقة الإعلامية الكبيرة الموجودة في عالمنا العربي والإسلامي التي تحدثت عن نصرة فلسطين وجزء كبير من أعمالها يصب في تدمير الأمة وتفكيكها.

ونحن نعلم كذلك أن جزءاً من الضغوط التي تتعرض لها المملكة إنما هي دعمها المستمر والمتواصل لنصرة الشعب الفلسطيني سواء في المجال السياسي أو مجال الإغاثة الإنسانية، ودعم صمود الشعب الفلسطيني.

ثالثاً: إن النتائج المرتبة على مثل هذه الأعمال التخريبية والتدميرية، تنبهنا إلى أن من يقوم بمثل هذه الأعمال يقترب من الفكر الصبياني غير الناضج والذي يرى الامور دائماً بأسلوب المفاصلة الأبيض أو الأسود، فهذه الأعمال لم تؤدي أي من أهدافها لا في الماضي ولا في الحاضر، ولن تؤدي وتحقق أهدافها في المستقبل.

بل إن التاريخ البعيد والقريب يخبرنا أن أعمال العنف تأتي كالموجات ولكنها في النهاية تضمحل، إما لأن من قاموا بها أدركوا خطأ الطريق الذي سلكوه، أو ان الرفض الجماهيري لهم جعل منابعهم تنضب وبالتالي سقط الفكر والممارسة التي يروجوا لها، وإما إن النتائج والآثار المدمرة لهذه الأعمال تجعلهم يفوقون من غفلتهم وغيهم وما ارتكبوه من جرائم في حق بلدهم وأهلهم وبأن أفعالهم المشينة هذه كانت أفضل خدمة مجانية قدموها للقوى الأجنبية لتمارس المزيد من الضغوط على حكومة وطنهم فأفسدوا من حيث أرادوا الإصلاح كما يزعمون.

كلنا نذكر موجات العنف التي مرت في الكثير من الدول العربية وكيف انتهت هذه الموجات إلى لا شىء، وأن أصحابها بعد أن كانت لهم مطالب فيها وجهة نظر قابلة للقبول والرفض، كيف انتهوا إلى ما يشبه المنبوذين في المجتمع بعد أن لجأوا إلى العنف للتعبير عن مواقفهم.

 المحتل يستفيد من طرفين فرق ضالة تنتظر الفرحة للانقضاض على الأمة ومختلون يضرون الأمة بأفعالهم الإجرامية، فهنيئاً للمحتل بالضال والمختل!!

وللأسف الشديد فإن هذه الأعمال التي يقومون بها تجعل المتربصين ينتظرون هذه الأعمال المتهورة بلهفة وكأنها قدمت لهم على طبق من ذهب، فمن هؤلاء المتربصين القوى الخارجية التي تريد أن تفرض رؤيتها الحضارية على دول المنطقة وتجد مثل هذه الأعمال ذريعة لممارسة المزيد من الضغوط والتدخل في الشأن الداخلي لفرض رؤيتها الحضارية الخاصة بها، والتي قد تصلح لشعوبها ولا تصلح في جوانب كثيرة منها لدول وشعوب المنطقة، ومن هؤلاء المتربصين بعض الفرق الضالة التي أبدت تعاوناً كبيراً مع القوى الأجنبية في مختلف مراحل الصراع في المنطقة سواء في حرب أفغانستان أو العراق، والتي تتربص بأهل السنة والجماعة الدوائر، وتنتظر الظرف المناسب المتمثل في الفتن والقلاقل لتخلط الأوراق وتستفيد من الظرف المناسب لتبرز بأعناقها أمام المحتل لتقول له: ها أنا ذا مستعدة للعب دور البديل متى شئت التغيير والتعديل!!! وهؤلاء كان دائماً لهم الدور المشبوه في الأمة عبر التاريخ وهو بالتالي ليس جديداً عليهم، فهنيئاً للمحتل بالضال والمختل!!

استراتيجية المواجهة

ما يجعلنا متفائلين بخصوص هذه التفجيرات أن الحل ليس عزيز، وإن المرض لم يستفحل وإن العلاج لا زال بمتناول اليد، وإن الطبيب ماهر وحاذق، تمرس في السياسة والحكم أباً عن جد، وإن ملامح الحل أصبحت واضحة الرؤية لديه، فالحل بالتأكيد لا يكون فقط عبر بوابة الأمن فقط، ولا عبر البيانات والخطب والمقالات التي جل همها تسجيل المواقف وشجب الحدث وإبراء الذمة دون تقديم الحلول والبدائل.

والعلاج الناجع لمثل هذه المشاكل لا يقوم على قرارات انفعالية آنية، بل على خطة متكاملة تقدم علاجاً متكاملاً يتعامل مع الجذور والأسباب قبل أن يتعامل مع الظواهر والنتائج، فمكر الأعداء لا يقوم على تصور بسيط ساذج، بل هي مخططات معقدة لها نفس طويل ومعرفة ودراية دقيقة بالمنطقة وظروفها.

ويجب أن نضع في اعتبارنا أن أدوات الفتنة خاضعة للتغيير والتطور، وكل زمان يفتح أبواباً لفتن لم تكن قد ألفها العالم الإسلامي من قبل، لكنها في النهاية تضر بالأمة إن لم يتم التعامل معها وفق علاجات عقلانية، لا تعتمد على الفعل ورد الفعل المتعجل، إنما على النظر في عواقب الأمور وأسبابها وجذورها وتفريعاتها، وعلاقتها بالقضايا وتأثير كل منها على الآخر، مع الحسم في اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

 ما يجعلنا متفائلين، إن الطبيب ماهر وحاذق، وقد غرس في السياسة أباً عن جد، وملامح الحل اجتمعت واضحة الرؤية لديه.

كما علينا أن نتعلم كيف نتعايش مع هذه الفتن التي تظهر بصورة من الصور في بلاد المسلمين ما بين فترة وأخرى، وأن تكون دروس الفتن السابقة وسائل تعين على سرعة العلاج في الفتن اللاحقة، وكلنا يعلم الحديث الذي سأل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ثلاثاً فأعطاه اثنتين ومنعه الثالثة، فأعطاه أن لا يأخذ أمته بسنة عامة، وأن لا يأخذها بالغرق، ومنعه الثالثة وهي أن لا يكون بأسهم بينهم شديد، ولعلها حكمة ربانية قد تعلم وقد نجهل أسرارها، لكننا في النهاية مطالبون بإعمال قانون التدافع البشري والنزول إلى ساحة حوار الأفكار ليميز الخبيث من الطيب، وتتمايز نوايا الحق، عن مخططات الباطل والفتنة.

فالتصدي لمثل هذه المخططات بوعي كامل بأبعادها وأدواتها هو الطريق لوأد الفتنة بطمسها والقضاء عليها بشيء من الترتيب والتخطيط والاستراتيجية بعيدة المدى بعضها يدخل من بوابة الأمن، وبعضها يدخل في التوعية الشرعية، وبعضها يدخل في الاصلاح الاقتصادي، والآخر من بوابة الاصلاح السياسي، وبعضها من إدراك المتغيرات الدولية والاستفادة من الإيجابي منها، وتحييد الضار بعيداً عن تأثيراته السلبية حتى تخرج هذه المنطقة التي غصت بالحروب المدمرة طوال تلك السنوات السابقة، وآن لها أن تعود واحة واستقرار تنفي الخبث عنها كما ينفي الكير خبث الحديد.    

[1] الرحيق المختوم – المباركفوري

[2] البقرة: 125