بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
حديثنا اليوم عن المدرسة الوسطية التي يقل عدد منسبيها هذه الأيام بسبب الإفراط والتفريط والغلو والمجافاة والتشدد والتفلت، حتى تكاد تضيع معالم هذه المدرسة وتغلق أبوابها لولا بقية متمسكة بالمنهج الوسطي رغم الضجيج الإعلامي والمعارك الفكرية التي تبدو في مختلف وسائل الإعلام والتوجيه، وسيل الاتهامات المتبادلة بين جميع الأطراف وكل منهم يدعي وصلاً بمنهج الوسطية والاعتدال
لقد اختار الله سبحانه وتعالى لأمة الإسلام منهجها وبين لها سبيلها فهي أمة وسط بين الأمم، وسبيلها هو الطريق المستقيم الذي لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً قال تعالى:” وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً”[1] فالوسطية هي الاعتدال بين الغالي في الدين والجافي عنه، فهو كالوسط بين ذميمين، فلا تقصير ولا تجاوز.
والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى حقيقة الوسطية في دينهم واختلافهم عن الأديان الأخرى التي وقعت بين التقصير أو التجاوز، قال تعالى:” يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق”[2] وقال سبحانه:” قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل”[3] فالله سبحانه وتعالى بأوامره لا يكلف نفساً إلا وسعها وكان دعاء المؤمنين دوماً:” ربما لا تحملنا ما لا طاقة لنا به”.
| الإسلام مدرسة وسطية بين الدنيا والآخرة، والفرد والجماعة والجسد والروح والمادة والإقراط والتفريط. |
فالمؤمن يسعى بقصد واستقامة وعدل ما بين المغالاة والتفريط فالمغالاة مجاوزة للحد في الاعتقاد والقول والعمل والتفريط هو عدم القيام بالواجب تهاوناً وكسلاً، والحق هو الوسط فلا هو مجاوزة للحد ولا تقصير عن الواجب، وهو فعل ما أراد الله سبحانه على قدر الطاقة والإمكان وترك ما نهى الله عنه، فالعمل على قدر الطاقة والاستطاعة، أما ترك المناهي والنواهي والمنكرات فهو على العزم ولذلك ورد في الحديث الشريف:” ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه”.
الوسطية في مدرسة النبوة
فالوسط هو العدل بين نوعين من الظلم: ظلم المغالاة وتحميل الإنسان ما لا يطيق والتشدد في دين الله تشدداً يؤدي للهلكة وظلم المجافاة والتقصير ظلماً يؤدي إلى ترك تكاليف الدين العظيم المكلف بها المؤمن والمأمور بها شرعاً والمحاسب يوم القيامة على أدائها وعلى ترك المنكرات التي نهى الله عنها والوسط هو الخيار والأعلى من الشيء، وواسطة القلادة: أنفس حجر فيها، أو هو الوسط بين الإفراط والتفريط.
والسيرة النبوية سفر عظيم حافل في جهود النبي صلى الله عليه وسلم في توجيه أمته للحفاظ على وسطيتها بين الغلو والمجافاة والإفراط والتفريط، حتى تركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وكان صلى الله عليه وسلم يقعد القواعد العظيمة في الدين بكلمات سهلة ميسرة قليلة المبنى عظيمة المعنى ومن ذلك قوله:” إن المنبت لا أرضاً قطع ولا وادياً أبقى” وكقولـه عليه السلام:” أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل”[4] وقوله عليه السلام:” إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق”[5].
| يفهم البعض الوسطية خطأ على أنها أنصاف الحلول، وكل همهم التفلت من التكاليف الشرعية في سبيل تحقيق المتع الدنيوية. |
ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بتوجيه أمته توجيهاً عاماً، بل تعدى ذلك إلى تقويم السلوك وتوجيه المجتمع المسلم إلى منهج الوسطية، فقد روى أنه دخل عليه السلام إلى بيت إحدى نسائه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن فوجدها قد علقت حبلاً من سقف حجرتها فلما سأل عن ذلك قيل له أنها فعلت ذلك كي تتمسك به إذا تعبت رجلاها عند التهجد وقيام الليل فأمر بإزالته، وقال:”حلوه وليصل أحدكم بنشاطه فإذا فتر فليرقد وعليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة”[6].
وعن أنس رضي الله عنه:” جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم (إليهم) فقال:” أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”[7].
وفي رواية مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” هلك المتنطعون” وقد قالها ثلاثاً:” هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون” وهم المتشددون في غير موضع التشدد.
وقد علق الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله- تعليقاً مهماً على حديث “إن الدين يسر” فقال رحمه الله:” إن الدين الذي بعث به الله محمداً صلى الله عليه وسلم، والذي يدين به العباد ربهم ويتعبدون له به يسر، كما قال – عزوجل-:” يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر“[8] وقال تعالى:” ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج“[9]، وقال تعالى:”وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج“[10]، فالنصوص كلها تدل على أن هذا الدين يسر، وهو كذلك.
ولو تفكر الإنسان في العبادات اليومية لوجد الصلاة خمس صلوات ميسرة موزعة في أوقات، يتقدمها الطهر، طهر للبدن، وطهر للقلب، فيتوضأ الإنسان عند كل صلاة، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فيطهر بدنه أولاً ثم يطهر قلبه بالتوحيد ثانياً، ثم يصلي.
ولو تفكرت أيضاً في الزكاة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، تجد أنها سهلة، فأولاً لا تجب إلا في الأموال النامية، أو ما في حكمها، ولا تجب في كل مال، بل في الأموال النامية التي تنمو وتزيد كالتجارة، أو ما في حكمها كالذهب والفضة وإن كان لا يزيد، أما ما يستعمله الإنسان في بيته، وفي مركوبه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:” ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة” وجميع أواني البيت وفرش البيت والسيارات وغيرها مما يستعمله الإنسان لخاصة نفسه، فإنه ليس فيه زكاة.
ثم الزكاة الواجبة يسيرة جداً، فهي ربع العشر، يعني واحداً من أربعين، وهذا أيضاً يسير، ثم إذا أديت الزكاة فإنها لن تنقص مالك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:” ما نقصت صدقة من مال” بل تجعل فيه البركة وتنميه وتزكيه وتطهره.
وانظر إلى الصوم فهو أيضاً يسير، فليس كل السنة ولا نصف السنة ولا ربع السنة، بل شهر واحد من اثني عشر شهراً، وفوق ذلك فهو ميسر، إذا مرضت فأفطر، إذاسافرت فأفطر، إذا كنت لا تستطيع الصوم في كل دهرك فاطعم عن كل يوم مسكيناً.
والحج أيضاً ميسر، قال تعالى:” ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا“[11] ومن لم يستطع إن كان غنياً بماله أناب من يحج عنه، وإن كان غير غني بماله ولا بدنه سقط عنه الحج.
والحاصل أن الدين يسر، يسر في أصل التشريع، ويسر فيما إذا طرأ ما يوجب الحاجة إلى التيسير، قال صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين:” صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب” فالدين يسر.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:” ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه” يعني لن يطلب أحد التشدد في الدين إلا غلب وهزم، وكلَّ وملَّ وتعب، ثم استحسر فترك، هذا معنى قوله:” لن يشاد الدين أحد إلا غلبه” يعني أنك إذا شددت الدين وطلبت الشدة، فسوف يغلبك الدين، وسوف تهلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق:”هلك المتنطعون”.
| المتطرفون مطالبون بمراجعة النفس والتأمل بهذا الكم الفقهي الذي يدين أعمالهم التي لا تصمد أمام دليل ولا برهان. |
وهكذا ينبغي للإنسان أن يستعمل البشرى لإخوانه ما استطاع، ولكن أحياناً يكون الإنذار خيراً للأخ المسلم، فقد يكون أخوك المسلم في جانب تفريط في واجب، أو انتهاك لمحرم فيكون من المصلحة أن تنذره وتخوفه، فالإنسان ينبغي له أن يستعمل الحكمة ولكن يغلب جانب البشرى، فلو جاءك رجل مثلاً، وقال: إنه أسرف على نفسه، وفعل معاص كبيرة، وسأل: هل له من توبه؟ فينبغي لك أن تقول: نعم أبشر، إذا تبت تاب الله عليك، فتدخل عليه السرور، وتدخل عليه الأمل حتى لا ييأس من رحمة الله عزوجل” انتهى.
رسول الرحمة
وإذا نظرنا شدة رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته لأدركنا أن القسوة وسهولة استحلال دماء الناس ليست من ديننا في شيء، ففي الحديث المتفق عليه عن جرير بن عبدالله قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من لايرحم الناس لا يرحمه الله” وفي الحديث الآخر المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء” بل تعدى الأمر بالرسول صلى الله عليه وسلم في رحمته لأمته أنه يدع العمل وهو يحبه رحمة بأمته، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:” أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم”[12].
فعن أي شيء بعد هذه الأدلة الواضحة الصريحة يعتمد المتنطعون والمغالون والمتشددون في تبرير هذا التهجم في التعابير والشدة في القول، والعنف في العمل، إنهم مطالبون بالأمس واليوم والغد بمراجعة النفس والتأمل بهذا الكم الفقهي الذي يدين أعمالهم ويسلبهم حججهم التي لا تصمد أمام دليل ولا ترجح أمام برهان، فالحق أحق أن يتبع، وإذا كان هؤلاء لا يحبون العلماء الذين يرتبطون بالسلطة والمناصب الرسمية، فالعالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه مليء بالرجال العدول والعلماء الفحول الذين لا يخشون في الله لومة لائم، ولكنهم لا يذهبون مذهب الشطط ويجنحون إلى الغلو الذي جنح إليه بعض شباب الأمة فأذاقوها الويلات على أيدي أعداءها وتركوها تعاني من الوهن والضعف أمام التحديات القائمة.
ملامح المدرسة الوسطية
وقبل أن نعرج على خطورة الغلو وملامحه من جهة وخطورة التقصير وملامحه من جهة أخرى، نود أن نبين بعض ملامح المدرسة الوسطية، وقصدنا من كلمة ملامح إعطاء صورة عامة عن المدرسة الوسطية في العقيدة والشريعة والاجتماع، فالمسألة لا تتعدى ذلك، لأن الحديث الأصولي المفصل في هذه المسألة وتعقيدها يحتاج إلى مقالات طويلة وصفحات كثيرة لكن هذا لا يمنعنا من إيراد بعض الملامح والشواهد للمدرسة الوسطية.
ففي مجال العقيدة نجد الأمة الإسلامية لم تغلو غلو النصارى في أنبياءهم حتى ادعوا أن المسيح عيسى بن مريم هو ابن الله – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- ولم تقصر تقصير اليهود في أنبيائهم حتى كذبوهم وعذبوهم وقتلوهم، وصدق الله القائل:” أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون“[13]، ولكن الإسلام جاء وسطاً بين الفريقين، واختار الله لهم نبيه صلى الله عليه وسلم من أشرفهم نفساً بلا مغالاة ترفعه إلى مرتبة الألوهية ولا مجافاة تدفع المسلمين إلى ترك سنته وعدم العمل بها، وكذلك نرى أهل الإسلام الحق وسط في الإيمان بين الخوارج الذين كفرَّوا مرتكب الكبيرة والمعتزلة الذين جعلوه في مرتبة بين المرتبتين وبين أهل الإرجاء الذين قالوا لا يضر مع الأيمان ذنب، فلا هم يأسوا الناس في دين الله، وجعلوه صعب التطبيق والمرتقى، ولا جعلوه هملاً لا يعمل الناس بأوامره ونواهيه ثم يطلبون النجاة في الآخرة.
| تكبيل الجهاد بفتاوى رسمية توازي بين المعطيات الشرعية والضغوط السياسية لبيس حلاً، بل التفريق بين الجهاد الصحيح وبين الإرهاب والعنف. |
وأمة الإسلام كذلك وسطاً في تعاملها مع الدنيا والآخرة، فلا تغوص في وحل الدنيا وتترك الآخرة ولا تتجرد للآخرة وتزهد في الدنيا وتنس عمارتها وتترك هذا المجال لأهل الشرك يبدعون ويخترعون ويقودون مسيرة الحضارة الإنسانية قيادة عمياء بلا مثل تحكمها ولا مبادىء توجهها قال تعالى:” وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا“[14] وقال تعالى:” فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار“[15].
وأمة الإسلام كذلك وسط في شريعتها، فهي شريعة صالحة ومصلحة لكل زمان ومكان وفيها من الأحكام ما يناسب الحفاظ على الضروريات الخمس من دين ونفس وعرض ومال ونسل وهي شريعة توازن بين متطلبات الفرد ومتطلبات الجماعة، فلا تهمش الفرد وتلغيه وتعتدي على حرياته وحقوقه في سبيل الجماعة، ولا تجعل الفرد يتسلط على حرية الجماعة وحقوقها بدعوى ممارسة حقوقه فيدوس على المجتمع وقيمه ومصالحه والإضرار بمكتسباته.
ومن الوسطية في الشريعة والفقه هو تبني الرأي الفقهي المؤيد بالدليل الشرعي الراجح الذي عليه جمهور العلماء، فلاهو تشدد وغلو وتبني للآراء الفقهية التي تحيل حياة الناس إلى ممارسات صعبة في ظل تبني آراء فقهية متشددة والدليل يجافيها وقد تصلح لخواص الخواص دون العوام، فتصبح محاولة إنزالها على عامة الناس من الأمور التي لا تناسب التيسير الذي جاءت به الشريعة ، ولا هو تسيب فقهي يتبع الرخص لا بحثاً عن منهج التيسير، بل محاولة للتخلص من التكاليف الشرعية، وقديماً قالوا: من تتبع الرخص تزندق، فإذا ما أخذ المسلم أوالجماعة برخص المفتين وشواذ الفتاوى لا يبق لهم دين ولا شريعة
لا يحكم متفلت على متشدد
وقد يفهم بعض الناس الوسطية بأسلوب القياس العقلي وليس القياس الشرعي، فيضلون ويتيهون، بل وقد يحاكمون الآخرين ويناظرونهم حسب مقياسهم العقلي الضال هذا، فالوسطية ترى إن المسلمين عدول خيار موثوقو الشهادة على الأمم الأخرى، ولذا فهم ملتزمون ابتداءاً بما تقرره شريعتهم من أحكام وأخبار قرآنية، وليس معنى الوسطية كما تحكم بعض العقول بأنها الأخذ بأنصاف الحلول، وإنما هو وصف لأحكام الإسلام على النحو الذي شرعه الله عز وجل دون تغيير أو تعديل، فهي أحكام سهلة يسيرة لا إفراط ولا تفريط، ولا تشدد ولا تفلت، فأصحاب منهج التراخي والتساهل كل همهم تحقيق المتع الدنيوية ومحاولة التفلت من أحكام الشريعة، وكلما قيل لهم أمراً من أمور الشريعة مبيناً على الكتاب والسنة، ردوا قائلين: أنتم متشددون وتريدون أن تعقدوا حياة الناس وتكبتوا حرياتهم بل أنتم متطرفون لا تعرفون منهج الوسطية، وكل هم هؤلاء المتفلتين والذين يتهمون الآخرين بالتشدد هو الإفلات من التكاليف الشرعية، وأنهم هم الأساتذة الذين جازوا القبول والتوفيق والسداد في مدرسة الوسطية.
والأعجب من هذا أن يتصدى هؤلاء المتفلتون من مدرسة الوسطية والمقصرون في التكاليف الشرعية لعلاج ظاهرة التطرف ليس بناء على تقعيدها الشرعي ومفهوم الوسطية الشرعي، بل بناء على مفهوهم العقلي الخاطيء لمنهج الوسطية، وهنا يصبح ما أردناه دواء يصبح داءً، وبدلاً من أن يتصدى المعتدلون الناصحون لعلاج التطرف نجد هؤلاء يقفزون من بين الصفوف، فيأتون من العجب العجاب، حتى تراهم يرون أن من يتمسك بالدين لديهم متطرف وإرهابي.
ولذلك نجد منهم من ألصق سبب التفجيرات في المناهج الدينية، وخطب الجمعة والدعاة، والتعليم الديني وحلقات القرآن الكريم، فلا يبقون شيئاً مما يتصل بالدين إلا واتهموه بأنه مصدر لتغذية الإرهاب، كما رأينا بعض الأقلام المغرضة تتجاوز من الحديث عن نقد الغلو والتطرف إلى نقد الدين ذاته، وتتجاوز من نقد بعض الجماعات المتطرفة إلى نقد الصحوة الدينية بعامتها، وتتجاوز من نقد بعض مظاهر الغلو عند بعض المتطرفين إلى نقد شعائر الدين الظاهرة، ولو ترك الأمر لهؤلاء الذين يرون في تعاليم الدين غلواً وتطرفاُ، ويريدون تمييع هذه التعاليم أو إضعافها، فإن التطرف سيزداد بلا شك، لأنهم سيحاربون المجتمع في دينه وعفاف نسائه ومناهج تعليمه.
ثمار التطرف المريرة
وهنا نحن نرى يوماً بعد يوم مرارة ثمار التطرف عن المنهج الوسطي، وكيف يحاول التطرف إخراج الإسلام عن وسطيته وبذلك يفقد رونقه وصفائه ونقائه ويسره وسماحته إلى حيث الشطط والتشدد والغلو وتكليف الناس ما لا تطيق وتتحمل حتى يصل الأمر إلى تبديع الناس وتفسيقهم بل وتكفيرهم وسرعة الحكم على من خالفهم، وذلك لجهلهم بهدي الكتاب والسنة، وهذا المنهج التكفيري الغالي وصل بهم في السابق إلى قتل الخلفاء الراشدين دون وجه حق وحتى دون أن يراعوا لهم سابقتهم وصحبتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وجاهدهم وتضحيتهم معه وتبشيره صلى الله عليه وسلم بالجنة.
| منهج التكفيري وصل بأصحابه في السابق قتل الخلفاء الراشدين دون اعتبار لصحبتهم للرسول وتبشيرهم بالجنة. |
إن علاج هذا النوع من الانحراف عن منهج الوسطية يكمن في تصدي المعتدلون الخيرون أصحاب المنهج الوسطي من علماء الأمة مع نشر العقيدة والعلم الشرعي وخاصة في منهج الاستدلال والاستنباط، ومعالجة بعض المظاهر الشاذة والخاطئة التي تحياها المجتمعات الإسلامية من غياب شرعة الله، وغربة الدين والعداء له والتحريض عليه وعلى شعائره، والتضييق على شعائره وفسح المجال للتحلل الخلقي وأهل التغريب.
كما إن علاج هذه الظاهرة لا يكون أبداً بخنق الجهاد بدعوى مراعاة ضوابطه وأحكامه فإذا كان ما يمارسه هؤلاء الإرهابيون في مجتمعاتهم عنف وتفجير ودمار خارج عن مفهوم الجهاد ولا يقره دين ولا عرف، فإن الحل لا يكمن بتكبيل الجهاد بفتاوي علماء يتولون مناصب رسمية، ويوازون بين المعطيات الشرعية للفتوى والواقع السياسي الذي عليهم مراعاته، فيغلقون باب الجهاد ويضعون الجهاد الصحيح كما هو قائم في فلسطين والعنف والإرهاب في دول المسلمين في كفة واحدة، بل إن هذا سيكون سبباً جديداً في التأكيد على أن فتوى هؤلاء العلماء على جلالة قدرهم فتوى سياسية وليست شرعية.
إننا في الختام لا نملك إلا أن نكون متفائلين لأن التطرف بطبيعته منفر لا تحتمله الطبيعة البشرية ولا تصبر عليه، والإنسان بطبعه ملول وطاقته محدودة لا يصبر كثيراً على التشدد والتعسير، كما إننا متفائلين قبل ذلك بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:” يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”، يقول ابن القيم رحمه الله:” الغالين يحرفون ما جاء به والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما كان عليه، والجاهلون يأولونه على غير تأويله، وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاث، فلولا أن الله يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك لجرى عليهم ما جرى على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء”.
[1] البقرة: 143
[2] النساء: 171
[3] المائدة: 77
[4] متفق عليه
[5] مسند الإمام أحمد: حديث حسن
[6] رواه البخاري
[7] متفق عليه
[8] البقرة: 185
[9] المائدة: 6
[10] الحج: 78
[11] آل عمران: 97
[12] متفق عليه
[13] البقرة: 87
[14] القصص:77
[15] البقرة: 200 – 201

