بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
تحل بعد بضعة أيام وبالتحديد في 26 مارس 2004 ذكرى مرور ربع قرن على توقيع الوثيقة الثانية لاتفاقيات كامب ديفيد التي وضعت إطاراً لما سمي بالسلام بين مصر وإسرائيل وكان ذلك في واشنطن بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس وزراء الكيان اليهودي الهالك مناحيم بيجن، وكان الطرفان قد اجتمعا في كامب ديفيد في الفترة ما بين 5-17 سبتمبر 1978 ووقعا على الوثيقة الأولى في المعاهدة ودعوا أيضاً بقية الأطراف المعنية بالصراع إلى الانضمام للمعاهدة.
| كان موقف السلطان العثماني عبدالحميد لافتاً للنظر عندما رفض إغراءات اليهود بخصوص فلسطين في وقت كانت فيه دولة الخلافة تحتضر، وهو الموقف الذي نفتقده كثيراً اليوم. |
وبعد مرور ربع قرن على توقيع المعاهدة يظهر الطرف العربي ضعيفاً مفككاً زيادة عما كان عليه قبل ربع قرن، ويدفع استحقاقات الخروج المصري من الصراع المسلح، حتى جاءت كارثة غزو صدام حسين للكويت فانفرطت حبات العقد العربي على طاولة المفاوضات فهناك اتفاقية وادي عربة واتفاقية أوسلوا وكادت كامب ديفيد الثانية أن تقضي تماماً على القضية الفلسطينية وتتم تصفيتها إلا أنها لم تتم، وبقيت سورية وحيدة من دول المواجهة هي ولبنان بلا اتفاقات مع الجانب اليهودي، وإن كانت الضغوط شديدة على سوريا للتخلص من تبعة السياسات السابقة ومن كافة حركات المقاومة التي تتخذ من دمشق مقراً لها، وبعد كل هذه السنين لا بد من الإجابة على سؤال يطرح نفسه بمناسبة هذه الذكرى:
ماذا جنى العرب بعد 25 عاماً من مفاوضات التنازل مع اليهود؟
وهل قدم اليهود خلال تلك الفترة ما يدل على رغبتهم الصادقة في السلام؟
وهل يعتبر وصول شارون إلى سدة الرئاسة في الدولة العبرية حصاداً طبيعياً للمجتمع اليهودي “المسالم”؟
وهل حافظ اليهود على الطبيعة الجغرافية للقدس وباقي المدن الفلسطينية حتى يتم التوصل إلى تسوية نهائية، أم تم استغلال تلك المعاهدات في تغيير جغرافية المدينة المقدسة ليفرض اليهود سياسة الأمر الواقع في المستقبل؟
وهل نجى الشعب الفلسطيني من المذابح والمجازر والعدوان والحصار بعد اتفاقيات السلام مثلما تعرض لها بالسابق قبل توقيع الاتفاقيات؟
القصة من البداية
قبل ستين عاماً لم يكن هناك على أرض الواقع شيء يدعى “دولة إسرائيل” واليهود بطبيعتهم الخبيثة لا يكلون ولا يملون من محاولة تحقيق أهدافهم وغاياتهم بغض النظر عن دناءة الوسائل التي يتبعونها، وهذا مشهود عنهم في التاريخ وكان سبباً للعنهم وطردهم من بين كثير من الأمم التي عاشوا بينها، ولعلنا نقرر هنا أن أول صيغة للمفاوضات بين اليهود حول فلسطين في الوقت المعاصر تعود إلى عهد السلطان العثماني الخليفة عبدالحميد الثاني الذي رفض التنازل عن فلسطين مقابل تسديد ديون الخلافة وتقديم الذهب للخليفة شخصياً وكان موقف السلطان عبدالحميد موقفاً لا فتاً للانتباه في وقت كانت دولة الخلافة تحتضر، وهو الموقف الذي نفتقده كثيراً اليوم لأسباب لا تخفى على أحد، ولا داعي للخوض في مرارتها.
| يجب أن لا ينطلي علينا خداع المصطلحات، وما يحدث ليس مفاوضات سلام إنما مفاوضات تنازل، والشعوب العربية تتجرع مرارتها على مراحل. |
وقد استمر اليهود في لعبة التفاوض وممارسة الحيل والضغوط حتى فتحوا ثغرات في جدار الخلافة واستطاعوا تهجير آلاف اليهود إلى فلسطين، وفي نفس الوقت استطاعوا الحصول على وعد بلفور الشهير وهو الوعد الذي اشتهر لدى العرب بأنه “وعد من لا يملك لمن لا يستحق” واستطاع اليهود بالحيل والتدليس ودعم الدول الكبرى الوصول إلى قرار التقسيم وإقامة دولة مغتصبة على أرض مقدسة وسط تخلف عربي شديد الوطأة ودول مفككة تعاني من الاستعمار وسلب حرية الإرادة واتخاذ القرار، مع وجود قيادات تدور حولها شبهات التخاذل بل والتنسيق مع اليهود في وقت مبكر، ومن ذلك اليوم ومبادرات السلام تصب صباً على المنطقة وهدفها الوحيد والمعلن والمؤكد هو تثبيت ذلك الكيان الغريب في المنطقة حتى يتقبله الجسد المنهك ويتأقلم معه.
وقد جرت مفاوضات مباشرة بين العرب واليهود بشكل مبكر عام 1949 لترتيب اتفاقيات الهدنة، وبعدها شهدت المنطقة سيلاً من المفاوضات غير المباشرة ثم المباشرة، وقد طرحت عدة مشاريع سلام دولية وإسرائيلية منذ صدور قرار التقسيم وحتى حرب حزيران 1967، غير أن هذه المشاريع لم تنجح في جمع الدول العربية وإسرائيل على طاولة المفاوضات المباشرة ولا حتى المفاوضات غير المباشرة، باستثناء مفاوضات الهدنة في عام 1949.
| بقيت القدس في عهدة المسلمين 14 قرناً وكادت أن تضيع في مفاوضات كامب ديفيد الثانية خلال 14 يوماً!! |
ورفضت الدول العربية معظم هذه المشاريع لانها كانت تنطلق من الواقع الذي خلقته المسلكية الإسرائيلية السياسية والعسكرية، وقد ركزت في معظمها على قضية اللاجئين، ورسم الحدود بين الدول العربية وإسرائيل، أكثر من تركيزها على تفاصيل تحقيق السلام بين الأطراف المتنازعة، وإعادة الحقوق العربية المغتصبة، ومن أشهر تلك المبادرات:
1- المشروع النرويجي:
تقدم المندوب النرويجي بمشروع إلى الأمم المتحدة في 26 تشرين الثاني 1952 من أجل إيجاد تسوية للخلافات العربية الإسرائيلية.
2- مشروع جاما الأمريكي:
وطـرح الأميركيون مشـروعاً عرف باسم مشـروع “جاما” في أيلـول من عام 1955 .
3-مشروع جونستون:
وفي الفترة من 1953-1955 طرح المبعوث الأميركي الخاص إلى المنظمة إريك جونستون مشروعاً عرف باسمه يستهدف معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإيجاد حل لقضية فلسطين، عن طريق تعاون الدول العربية وإسرائيل في استثمار مياه نهر الأردن استثماراً مشتركاً.
4- مشروع إسرائيلي 1956:
في 21/11/1956 نقل “موسى شاريت” مقترحات حكومته إلى واشنطن، وكان من أهم ما تضمنته:
– الموافقة على إجراء تعديلات على خطوط الهدنة.
– رفض التفاوض على أساس قرار التقسيم لعام 1947.
– منح الدول العربية حقوق الترانزيت عبر إسرائيل في مقابل منح إسرائيل الحقوق في الدول العربية نفسها.
– الدعوة لجمع المال لتعويض اللاجئين الفلسطينيين.
5- مشروع تونس 1965:
في 21/4/1965 أعلن “الحبيب بو رقيبة” رئيس الجمهورية التونسية مشروع تسوية النزاع العربي- الإسرائيلي على أساس قرار التقسيم.
6- مشروع آلون 1967:
طرح وزير الخارجية الإسرائيلي إيغال آلون مشروع سلام في يوليو 1967، دعا فيه إلى ضم مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية إلى إسرائيل، وأن يكون نهر الأردن هو خط الحدود بين الأردن وإسرائيل، ويعد هذا المشروع أهم المشاريع الإسرائيلية لحل المشكلة الفلسطينية كما يعد قاعدة أساسية لبرنامجي حزب العمل والليكود الإسرائيليين حتى الانتخابات الإسرائيلية عام 1996.
7- قرار مجلس الأمن الدولي رقم (242) 1917م:
والذي كان وما يزال القاعدة الأساسية لجميع مشاريع ومفاوضات السلام في الشرق الأوسط اللاحقة، وصدر المشروع الذي يؤكد انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها وإنهاء جميع ادعاءات الحرب أو حالاته، واحترام سيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة، وضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية في المنطقة، وتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.
وقد عين الوسيط الدولي السويدي غونار يارينغ لهذه المهمة، دون التوصل إلى تقدم يساعد على تنفيد القرار، وذلك بسبب الموقف اليهودي المتشدد، خصوصاً عندما أبلغه الإسرائيليون بأن “التوراة تعطينا حقوقاً واضحة في غزة وسيناء والضفة الغربية والجولان، فضلاً عن النصر العسكري”.
8- مشروع إسرائيلي 8 أيلول 1968م:
– أن تستبدل حدود وقف إطلاق النار عام 1967 بحدود آمنة ومعترف بها بين إسرائيل وكل دولة عربية من جيرانها.
– المحافظة على حرية التحرك المتوافرة الآمن على الحدود وبخاصة في القطاعات الإسرائيلية الأردنية.
– ضمان حرية الملاحة.
9- مشروع روجرز 1970:
طرح وزير الخارجية الأمريكي وليم روجرز مشروعه الأول في آيار 1970، وقد تضمن تسوية للصراع على محورين، مصري- إسرائيلي، وأردني- إسرائيلي.
10- مشـروع أردنـي طرحه الملك حسين بتاريـخ 10/4/1969م، ومـن أهـم ما تضمنه:
– إنهاء جميع الأعمال العدائية.
– الاعتراف بالاستقلال السياسي لكل الدول في المنطقة.
– الاعتراف بحق جميع الدول في العيش بسلام وبحدود آمنة ومعترف بها.
11- وفي 25/1/1971 تقدم الأردن بمشروع سلام كان من أهم ما تضمنته:
– انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة كافة.
– حق دول المنطقة في العيش بسلام في حدود آمنة ومعترف بها.
– إنهاء حالة العداء.
– ضمان حرية الملاحة المائية.
– تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.
12- وفي 14/2/1971 طرح الرئيس أنور السادات فكرة التسوية الجزئية لتكون خطوة نحو السلام، ومن أهم ما تضمنته:
– انسحاب إسرائيل من سيناء مقابل فتح مصر قناة السويس أمام الملاحة الدولية.
– تمديد وقف إطلاق النار.
13- وفي 18/1/1977 سلمت مصر ليارنغ مشروع سلام مشابه للمشروع الأردني وأهم ما تضمنته:
– انسحاب القوات الإسرائيلية.
– نبذ إسرائيل لفكرة التوسع الإقليمي.
– تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.
– إنهاء حالة العداء.
14- على إثر حرب عام 1973 (حرب رمضان) صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 238 في 22/10/1973 والذي يطلب وقف إطلاق النار والدعوة إلى تنفيذ القرار رقم (242) بجميع أجزائه.
15- مشروع كارتر 1977:
ومن المشاريع المهمة التي طرحت أيضاً بعد حرب 1973، مشروع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، الصادر في 18/3/1977، الذي دعا فيه:
– إلى اعتراف الدول العربية بإسرائيل وحقها في الوجود.
– إقامة حدود دائمة لإسرائيل هي الحدود التي كانت موجودة قبل حرب 1976.
– إنهاء حالة الحرب بين الدول العربية وإسرائيل
– إنشاء مناطق منزوعة السلاح.
16- البيان الأمريكي – السوفييتي 1977:
كما طرح مشروع السلام السوفييتي-الأمريكي في الأول من أكتوبر من عام 1977، وتضمن المشروع:
– ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة وشاملة للصراع في الشرق الأوسط.
– حل جميع المشاكل الخاصة بالشرق الأوسط.
– ضمان آمن للحدود بين إسرائيل والدول العربية.
– البدء في مفاوضات في إطار مؤتمر جنيف للسلام.
17- اتفاقيات كامب ديفيد (1978-1979):
نتيجة لزيارة الرئيس المصري أنور السادات المفاجئة في 19/11/1977م وإلقائه خطاباً في الكنيست الإسرائيلي، فقد بدأت لأول مرة مفاوضات عربية مباشرة وعلنية مع إسرائيل، تمخض عنها التوقيع على اتفاقات كامب ديفيد في 17/9/1978 على إثر المبادرة الأمريكية لجمع الجانبين على طاولة المفاوضات في منتجع كامب ديفيد بالولايات المتحدة وبرعاية الرئيس الأمريكي كارتر، وتوقيع المعاهدة المصرية- الإسرائيلية في 26/3/1979، حيث استرجعت مصر بموجبها الأراضي المصرية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967 بوجود قوات متعددة الجنسيات ومحطات الإنذار المبكر، مقابل اعتراف مصر الدبلوماسي الكامل بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها.
| القدس قضية إسلامية تهم أكثر من مليار مسلم، حولوها إلى قضية عربية قومية، ثم إلى قضيـة فلسطينية داخلية، ثم إلى شأن فتحاوي حزبي، ثم إلى عرفاتية شخصيـة |
ولقيت المعاهدة استنكاراً عربياً واسعاً أدى إلى مقاطعة مصر دبلوماسياً واقتصادياً في مؤتمر القمة في بغداد عام 1979، وهو إجراء يعد الأول من نوعه ضد دولة عربية، وقد تسبب بانعكاسات سلبية على العلاقات العربية الداخلية رسمياً وشعبياً، ودفع إلى استفراد أمريكا وإسرائيل بمصر في ظل عزلتها العربية النسبية.
18- مبادرة ريغان (2/9/1982):
أطلق الرئيس الأمريكي رونالد ريغن مبادرة سلام في 2/9/1982 خلال خطاب له يحصل خلالها السكان الفلسطينيين للضفة الغربية وغزة على حكم ذاتي كامل بالنسبة لإدارة شئونهم، ويجب أن يعطى الاعتبار اللازم لمبدأ الحكم الذاتي لسكان تلك المناطق وللمخاوف الأمنية المشروعة للفرقاء المعنيين.
19- مشروع قمة فاس العربي (7/9/1982):
طرح على إثـر انعقاد مؤتمـر القمة العربية الثاني عشر في المغـرب في 7 سبتمبر 1982، بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وقد تضمن المشروع:
– انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس.
– إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية.
– ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة. – حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
– إخضاع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية
– قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
19- مشروع بريجينيف للسلام (15/9/1982):
في خطاب له يوم 15/9/1982 في مأدبة على شرف رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية علي ناصر عبدالله حدد ليونيد بريجينيف رئيس مجلس السوفيات الأعلى في الاتحاد السوفييتي “مبادىء السلام العادل والراسخ في الشرق الأوسط” وذلك خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان وبعد أسبوعين من مبادرة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان.
20- مبادرة السلام الفلسطينية (1988):
في ظل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، وعودة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وبعد مرور قرابة العام على اندلاعها، وفي ظل نتائج الضربة العسكرية التي تلقتها منظمة التحرير في لبنان عام 1982، انعقد المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر في الجزائر خلال الفترة من 10-15/11/1988م، واتخذ قرارات مهمة تتعلق بالتهديف السياسي للانتفاضة على محوري قبول قرارات الشرعية الدولية، وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس فيما سمي فيما بعد بمبادرة السلام الفلسطينية.
21- مشروع شامير للحكم الذاتي/ مبادرة 14 مايو 1989 الإسرائيلية:
أقرت الحكومة الإسرائيلية برئاسة إسحاق شامير مشروعاً تقدم به لإقامة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة والقطاع في 14 مايو 1989م.
22- مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط 1991:
كان مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد عام 1991 هو آخر الصيغ التي طرحت لحل الصراع، وذلك بمبادرة من الرئيس الأمريكي جورج بوش في 6 مارس 1991 في خطاب له أمام الكونغرس دعا فيه إلى عقد مؤتمر لأطراف النزاع، وقد استجابت الأطراف جميعها لأول مرة لهذا المشروع، حيث شاركت في جلسات المؤتمر في مدريد بأسبانيا أيام 30/10 و1-2/11 عام 1991، وقد انبثق عن المؤتمر مساران للتفاوض أحدهما ثنائي والآخر متعدد الأطراف، حيث جرت في هذا المؤتمر مفاوضات مباشرة بين كل الأطراف العربية المعنية بالصراع مع إسرائيل.
| 5- ويمكن استنباط عوامل وظروف مهمة ساعدت على انطلاق عملية السلام على قواعد هذا المشروع، من أبرزها: |
1- التراجع الاستراتيجي العربي:
أي خروج مصر، أقوى الدول العربية من ساحة الصراع مع إسرائيل عام 1979، وخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982 إلى حدوث تراجع في الخطاب السياسي العربي.
2- حرب الخليج الثانية:
أدت حرب الخليج الثانية (1990-1991) إلى انهيار التضامن العربي الرسمي، وحدوث انقسامات هائلة في أوساط الشعوب العربية والإسلامية، مما كان له أكبر الأثر في إضعاف القضية الفلسطينية التي كانت بأمس الحاجة للالتفاف العربي.
3- الظروف الدولية:
أدى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى فقدان الدول العربية لحليف أساسي كانت تعتمد عليه في المحافل الدولية، وخلق نوعاً من عدم التوازن في التخالفات الدولية مع دول الشرق الأوسط لصالح إسرائيل.
4- الضغوط الأمريكية:
أدت حرب الخليج الثانية إلى تزعم الولايات المتحدة للتحرك الدولي لإيجاد حل سلمي للصراع العربي- الإسرائيلي، ومارست ضغوطاً على إسرائيل والدول العربية من أجل البدء بمسيرة السلام.
5- التوجه نحو توفير الاستقرار في المنطقة:
وهو الهدف الذي تعتقد الولايات المتحدة – وفق تعريفها له- بأنه يخدم مصالحها، مما شجعها على الإلقاء بثقلها نحو تخفيف عوامل الصراع بما يسمح ببناء الشرق الأوسط الجديد الذي تتحقق فيه المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها الدوليين وإسرائيل من خلال عملية السلام واتفاقاتها.
اليهود وعقدة القدس
تقع القدس في مركز دائرة الصراع الإسرائيلي، لما لها من أهمية سياسية ودينية وحضارية وتاريخية لأطراف الصراع، ولقد عبر دافيد بن جوريون أول رئيس لوزراء إسرائيل عن النوايا الإسرائيلية، حيث أنه كان مصمماً على اختراق القدس، واحتلالها رغم قرار التقسيم 181 (نوفمبر 1947) والذي وضع القدس كلها تحت الوصاية الدولية.
وقد وضع بن جوريون الأساس الاستراتيجي لضم القدس بكاملها، ففي حزيران 1967 أجرت الصحيفة اليابانية ” أساهي شيمبون” مقابلة مع ديفيد بن جوريون فقال:” سنحتفظ بالقدس إلى الأبد، على الرغم من جميع القرارات التي ستتخذها الأمم المتحدة، فالقدس كانت عاصمة لإسرائيل على امتداد ثلاثة آلاف سنة وستبقى كذلك في المستقبل”.
وفي الفترة اللاحقة لسقوط القدس الشرقية في أعقاب حرب يوليو 1967 وظف رؤساء وزراء إسرائيل القدس في تصريحاتهم لإلهاب المشاعر الدينية لليهود.
ويمكن القول إن القدس كانت وما زالت قاسماً مشتركاً بين كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من حيث التأكيد على الإبقاء على القدس عاصمة موحدة تحت سيادة إسرائيل.
| كلما طالت مدة المفاوضات كلما تمكنت إسرائيل من تغيير جغرافية فلسطين والقدس وفرض الأمر الواقع على مفاوضات الحل النهائي. |
وقد جاء في مقدمة برنامج سياسة الحكومة التي طرحها أرئيل شارون أمام الكنيست الإسرائيلي في 3/3/2003 ضمان مكانة مدينة القدس كعاصمة لدولة إسرائيل، وأن حكومته الجديدة لا توافق على المطلبين الفلسطينيين لتحقيق السلام وهما حق العودة واعتبار القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية.
أما على المستوى رئيس الدولة ورغم أن منصبه فخرياً، وينتخب من قبل الكنيست الإسرائيلي، فيظل لهذا المنصب أهميته، ويظل لتصريحاته دور يعكس الاتجاه العام في إسرائيل، وعليه لا يجب تجاهل الدور الذي لعبه رؤساء دولة إسرائيل منذ زلمان شيزار (1963-1973) والذي سقطت القدس الشرقية في عهده، وحتى عيزرا وايزمان (1993-1999)، فقد تم التأكيد على نفس الخط الذي سارت عليه السلطة التنفيذية الإسرائيلية منذ سقوط القدس الشرقية عام 1967 وحتى اليوم من أن القدس هي عاصمة دولة إسرائيل الأبدية والموحدة تحت السيادة الإسرائيلية.
وقد ترجم هذا الدور بقرار الكنيست عام 1980 بأن تكون القدس مقر رئيس الدولة وذلك بهدف أن يجبر سفراء الدول على تقديم أوراق اعتمادهم في القدس، وكأنه فرض الأمر الواقع والاعتراف الدولي بهذا الوضع، هذا على مستوى السلطة التنفيذية بفرعيها مجلس الوزراء ورئاسة الدولة.
أما عن السلطة القضائية، ورغم محدودية هذا الدور وطبيعته القضائية إلا أنها في الواقع لعبت دوراً لتوجيه ضربات قاصمة لعروبة القدس، ومن الأمثلة على ذلك: تبرئة الاسترالي الذي اتهم بحرق المسجد الأقصى في عهد جولدا مائير، وطلب رابين من وزير العدل الإسرائيلي في أغسطس 1980 بدراسة ما يمكن لإتخاذ التدابير اللازمة بشأن تجاوزات بيت الشرق بهدف التحرش به، باعتباره رمزاً من رموز الوجود الفلسطيني في المدينة، والسماح لجماعة مسماة “بأمناء الهيكل” في عهد نتانياهو بالصلاة في المسجد الأقصى، بالإضافة إلى سن القوانين، أكدت المحكمة العليا الإسرائيلية في مناسبات عديدة على قانونية الإجراءات الإسرائيلية في القدس الشرقية، وهكذا يبدو لنا أنه حتى السلطة القضائية لم تبتعد عن لعب دور في طمس هوية القدس العربية والإسلامية.
هذه التصريحات الإسرائيلية على مستوى الخطاب السياسي الرسمي مهدت لمسألة ضم القدس، وهنا يأتي دور السلطة التشريعية أوالكنيست الإسرائيلي بإصدار القرارات الهادفة لبسط الهيمنة الإسرائيلية على القدس:
فخلال ثلاثة أيام وفي الفترة من 27-29/6/1967 أصدر الكنيست الإسرائيلي أربعة قرارات استهدفت تهويد السيادة والإدارة والبلدية العربية في المدينة، وبذلك تكون القدس العربية، وقد أصبحت من وجهة نظر القوانين الإسرائيلية جزءاً من إسرائيل تابعاً للقدس الكبرى الموحدة.
| استراتيجيات السلام أضعفت العرب، وأضرت الفلسطينيين، وفكت العزلة الدولية عن اليهود ولم تظهر حتى الآن الشمعة التي في آخر النفق. |
ونستطيع أن نخلص إلى القول من تحليل مفردات هذا الخطاب السياسي الإسرائيلي لكافة القوى السياسية الرسمية وغير الرسمية إلى الاستنتاجات التالية:
* تشكل القدس أحد ثوابت هذا الفكر ولا فرق بين حمائم أو صقور أو حركات سلام وحركات صهيونية ولا فرق بن العمل أو الليكود، أو بين أصوليين وعلمانيين أو ليبراليين ومحافظين.
* تكشف قضية القدس التناقضات في داخل النظام السياسي الإسرائيلي وذلك فيما يتعلق بالتسوية السلمية ففي القوت الذي يعلن فيه هذا النظام سواء كان في الحكم العمل أو الليكود التزامه بالسلام، يعلن تمسكه بالقدس كعاصمة أبدية ودائمة وخارج نطاق التفاوض.
* ولم يبق هذا الخطاب في حيز التفكير اللفظي بل ترجم في عدد من السياسات الإسرائيلية منها السياسية السكانية بزيادة عدد اليهود والمستوطنين في المدينة وتقليص عدد العرب فيها، وسياسات الضم والمصادرة والتهويد للمدينة وتوسيع حدودها.

