بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
قد يتبادر إلى ذهن القاريء عند قراءته لعنوان مقالنا اليوم إلى إننا وبشكل تلقائي سنحتكر مقام أقلام الحكمة لأصحاب التيار الإسلامي، وسنلقي تهمة أقلام الفتنة على أصحاب التيار العلماني، وليس هذا مقصودنا، ومن الظلم والافتراء رفع كل صاحب قلم إسلامي إلى المرتبة الملائكية والنزول الجماعي بكل صاحب قلم يخالف التيار الإسلامي إلى الحضيض لمجرد مخالفته للفكرة الإسلامية، ولنفرق بشكل جلي بين الإيمان بالفكرة أية فكرة كانت وبين الطريقة التي تنتصر لها هذه الفكرة، فليس بالضرورة أن وراء كل كلمة طيبة قلم إسلامي، ولا وراء كل كلمة خبيثة قلم علماني، فهذا تسطيح مضحك ومخل للموضوع لا يليق بنا الانزلاق معه مهما كانت الهوة عميقة بين الطرفين.
| الفرق كبير بين من همه الوصول للحقيقة، وبين من يضع النتيجة أولاً ثم يلفق لها الأدلة والحجج تالياً. |
وكل ما قصدناه في هذا المقال التذكير ببعض الضوابط والأصول التي ترتقي بأمانة الكلمة إلى المستوى الذي يحقق الحوار المطلوب عبر الكلمة المقروءة باعتبارها الوسيلة الأكثر شعبية بين الشخصيات المفكرة على اختلاف مشاربها ومرجعيتها الفكرية، وربما يعجبنا أسلوب كاتب المقال وقدرته اللغوية أو الفكرية أو أسلوبه في ترتيب الأفكار وسوق الأدلة وإبراز الحجج والبراهين على الرغم من مخالفتنا لمنهجه الفكري، وحتى لا نذهب بعيداً فنحن نحدد أصحاب أقلام الحكمة بأولئك الذين يطرحون أفكارهم وآراؤهم في الأحداث وكل همهم الوصول إلى الحقيقة والرأي الصواب، مجردين نيتهم لبلورة فكرة يدعمها المنطق والمعطيات ويحاولون أن ينصفون في مقالاتهم الرأي المخالف، ويعملون على إثراء الحوار، وليس لديهم أدنى حرج في التراجع عن موقف تبين لهم عدم صوابه، أو أنه مرجوح برأي أكثر رجاحة منه، مع إيمانهم بأن كثرة الآراء إنما هي إثراء للفكرة محل التداول وإشباع للقضية المطروحة ومحاولة تناولها من مختلف الزوايا، حتى يصبح أمام القاريء أبواب ونوافذ كثيرة مفتوحة على القضية محل الحوار يستمتع فيها بتعدد الزوايا والرؤى حول القضية المطروحة.
أما أصحاب أقلام الفتنة فهؤلاء هم الذين يضعون النتيجة سلفاً ثم يبحثون بعد ذلك عن أساليب لي عنق الحقيقة للوصول إلى النتيجة المبتغاة مهما كانت الوسيلة في ذلك، والتي تبدأ بتسفيه الرأي الآخر، والانتقال من التجريح في الفكرة إلى التجريح بالشخص، مع إيراد كمية من المعلومات غير الدقيقة، والاجتزاء المخل من أفكار الطرف الآخر، وانتهاء بالافتراء وتشويه السمعة، واختلاق الأحداث والأخبار التي لا وجود لها إلا في مخيلة كاتب المقال، وربما القفز وتجاهل نفي الطرف الآخر لحدوث تلك الأخبار وقد يلجأ أصحاب أقلام الفتنة إلى تلك الوسيلة وهي اختلاق الأخبار والمواقف عندما يعجزون عن إيجاد أخبار ومواقف صحيحة ومنسوبة للمخالف يستطيعون أن يدينونه بها، ومن هذه العينة رأينا الكثير من المواقف المبنية أساساً على معلومة مغلوطة ليس لها أي أساس من الصحة، ويتم تداولها وكأنها حقيقة لا تقل عن حقيقة شروق الشمس اليومي من المشرق.
| أصحاب أقلام الفتنة ينتقلون من التجريح في الأفكار إلى التجريح، وربما الافتراء وتشويه السمعة، واختلاق الأكاذيب والإشاعات. |
“إن الكلمة الطيبة – كلمة الحق- كالشجرة الطيبة، ثابتة ساقفة مثمرة .. ثابتة لا تزعزعها الأعاصير ولا تعصف بها رياح الباطل، ولا تعوي عليها معاول الطغيان – وإن خيل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان- سامقة متعالية، تطل على الشر والظلم والطغيان من علٍ – وإن خيل إلى البعض أحياناً أن الشر يزحمها في الفضاء – مثمرة لا ينقطع ثمرها، لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آناً بعد آن…
وإن الكلمة الخبيثة – كلمة الباطل- كالشجرة الخبيثة، قد تهيج وتتعالى وتتشابك، ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها تظل نافشة هشة، وتظل جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض.. وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض، فلا قرار لها ولا بقاء”[1].
خماسية الإصلاح النبوي
وأقلام الحكمة هي التي منوط بها أداء أمانة الإصلاح، والتي يثمر ما تكتب خيراً وإصلاحاً ولو بعد حين، لأنها قاعدة قرآنية أصيلة قال فيها عزوجل:” أما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض“[2].
وأقلام الحكمة مطالبة بالكتابة والإصلاح وإخلاص النية وابتغاء المصلحة العامة استجابة لخماسية الإصلاح النبوية، فعن عبدالله بن عمر –رضي الله عنهما- قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:” يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن – وأعوذ بالله أن تدركون هي:
1- لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا نشأ فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن قضت في أسلافهم الذين مضوا.
2- ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم.
3- ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا.
4- ولم ينقضوا عهد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم.
5-ولم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم”[3].
فهي وصفة خماسية للنبي صلى الله عليه وسلم يحذر فيها أمته من هذه الأمراض الخمسة، والتي بناء عليها تكون مهمة أقلام الحكمة، فهي دعوة لإصلاح المجتمع ونشر الطهارة والعفة وسد أبواب الفاحشة والانحراف الأخلاقي والسلوكي، ودعوة ثانية إلى الاصلاح الاقتصادي والبعد عن شبهات الربا ونقص المكيال والتحايل لسلب أموال الناس، ودعوة ثالثة لأداء العبادات المالية مما ينعكس إيجاباً على الدعوتين الأولى والثانية، ودعوة رابعة للحفاظ على المرجعية الإسلامية وتجديد العهد مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والسمع لهم بالولاء والطاعة والمودة والإتباع للمنهج الإسلامي الراشد، ودعوة خامسة لتحكيم شرع الله في حياة الناس وعدم تبعيض الدين وتجزئته وأخذ ما يوافق الأهواء فقط.
| حتى تفعل الكلمة الطيبة فعلها في النفوس لا بد أن تكون عادلة متجردة عن ردود الفعل والانتصار للنفس. |
إن شعار أصحاب أقلام الحكمة وهم يقومون بهذه الخماسية المصلحة يجب أن يكون قوله تعالى:” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً“[4] فالدعوة لتقوى الله بأن تكون ابتداءً النية سليمة لا تنطوي على خبث وإفساد ولغاية شريفة، وأن تكون وسيلة التعبير أيضاً نظيفة فيكون القول سديداً راشداً، في وقت وصل فيه الإعلام إلى قوة لا يستهان بها بحيث أصبح قادراً على قلب الحقائق حين يغيب المدافعون عنه.
إن أقلام الفتنة لا تسلك مسلكاً حميداً عادلاً مع المخالفين، وتتحول الصحافة بفضل مقالاتهم التي يسطرونها إلى بازار تضيع فيه الأخلاق ويختفي الإنصاف ويستخف فيه بالعقول، وفي هذا البازار يتم الاستهزاء بالآخرين، والحط من شخصياتهم وابتكار المصطلحات الكاريكاتيرية التي فيها تجريح وتسفيه، بل يتم الطعن بالأعراض وسوق كوكبة من الافتراءات على طريقة أن الحقيقة الغالية يجب حراستها بمجموعة من الأكاذيب.
خماسية أقلام الحكمة
ويجب أن يتصف أقلام الحكمة بخماسية أساسية لا بأس أن تزيد بعد ذلك ولكنها لا تقل عن هذه الخماسية الضرورية، حتى تكون المنطلقات صحيحة وقويمة:-
1- الإخلاص:
وبدون الإخلاص لا ينفع عمل، بل ولا يثمر أصلاً، مهما احلوت الكلمات وتناسقت الفقرات، وتجملت العبارات وتلونت الكنايات، وفي كتاب “تنبيه الغافلين” قالوا:” من أخلص لله النية أثر كلامه في القلوب القاسية فلينها وفي الألسن الذربة فقيدها، وفي أيدي السلطة فعقلها” وقديماً قالوا:” ليس النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى”.
2- الحكمة:
فمن أوتي الإخلاص ولم يؤت الحكمة قد تتحول محاولاته الإصلاحية إلى تهور وجرأة في غير مكانهما قال تعالى:” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة“[5] لأنه “من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراًُ كثيراً“[6] والحكمة ضالة غالية للمؤمن، قال ابن القيم:” إذا غذى القلب بالتذكر، وسعى بالتفكر، ونقي من الدغل، رأي العجائب وألهم الحكمة”[7].
3- العلم:
فلا يمكن لصاحب القلم الحكيم أن يدعوا الآخرين إلى ما يجهله هو شخصياً، وإنما يقود الناس البصير، فكيف بأعمى يقود الناس ويريد أن يهديهم إلى سواء السبيل، وهذا العلم هو الذي يلقن صاحب القلم المخلص حجته وتظهر أدلته، فيفتح الله عليه بما يملكه من إيصال الفكرة، وتوضيح الرسالة، لا أن يطلق الكلام على عواهنه، تسوقه العاطفة، وتميل به لحظة الغضب العمياء، فالحق لا يريد أنصارً جهلة فكيف إذا اجتمع للحق أنصاراً جهلة، وللباطل أنصاراً حاذقين.
4- القدرة:
ولذلك يجب أن يكون صاحب القلم الحكيم صادقاً مع نفسه قبل أن يكون صادقاً مع الآخرين ولا يتلون بتلونهم، وإلا أصبح منافقاً يدعو الناس إلى ما لا يؤمن به أو ما يريد هو نفسه التفلت من ضوابطه والتزاماته، وكان الحسن البصري يقول:” عظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك.. وإذا كنت آمراُ بالمعروف فكن من آخذ الناس به وإلا هلكت، وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر فكن من أنكر الناس له وإلا هلكت”[8].
5- الصبر:
فلا يتوقع صاحب الكلمة الطيبة مهما بلغت حكمته، ولانت كلمته أن يكون رد المخالفين عليه بنفس الأسلوب والطريقة، بل قد يتعرض لسفه أقلامهم، وبعض الحقد من قلوبهم وافتراءً عليه، وعلى شخصه، وهذا يتطلب صبراً عظيماً، وليكن له في رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، عندما قال له الله عز وجل كلمة صغيرة عظيمة في القرآن:” واصبر على ما يقولون“[9].
وكان الصحابي عمير بن حبيب رضي الله عنه يقول في وصيته لبنيه:” إذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر وعلى الأذى وليوقن بالثواب من الله فإنه من يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى”[10].
خماسية الكلمة الطيبة
ومثلما هناك صفات أساسية لصاحب القلم الحكيم، فإن للكلمة الطيبة الحكيمة ضوابط عديدة منها ما هو هام ومنها ما هو مهم، وخماسية الكلمة الطيبة الأساسية تكمن في الضوابط التالية:-
1- الأسلوب الحسن:
فكلمة الحق يمكن صياغتها بعبارة حسنة جميلة، قال تعالى:” وقولوا للناس حسنا“[11]، وقال سبحانه:”وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن“[12]وفي الحديث الشريف:” ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء”[13].
2- الرفق واللين:
وقد أوصى الله سبحانه وتعالى موسى وهارون عليهما السلام، لما أرسلهما إلى فرعون، وفرعون من هو في التكبر والطغيان والاستبداد فقال لهما:” فقولا قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى“[14]وفي الحديث:” إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”[15].
فالرفق واللين معلم أساسي من معالم الكلمة الطيبة، ومن أهم ضوابطها لا يخرج عنها صاحب القلم الحكيم إلا في حالات خاصة تقتضي حزماً وشدة ووضوحاً.
3- أن تكون متوازنة:
عندما يترتب على الكلمة المكتوبة مفسدة أعظم من المصلحة، فالصمت أولى من الكلام، على أن يكون اعتبار مقادير المصالح والمفاسد بميزان الشريعة، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، فالأمور تقدر في حينها ومن نظر في موازنات المفاسد والمصالح وراجع قواعد الشريعة في هذا الموضوع الشائك، لا شك ستكون بصيرته بالأمور أوضح، وستكون نظرته أعمق وأشمل.
4- أن تكون عادلة:
فلا تكون الكلمة ظالمة، ولا الفكرة باغية، وتكون عادلة متجردة عن ردود الفعل والانتصار للنفس، وأن تكون منصفة لا تتأثر بمعطيات أخرى ليس لها علاقة بالقضية المطروحة، والقاعدة في ذلك قوله تعالى:”ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى“[16].
| على صاحب الكلمة الطيبة أن يوطن نفسه على الصبر واحتمال الأذى، لأن بعض المخالفين سيلجأ إلى التسفيه والتشويه والضرب تحت الحزام. |
ومن مظاهر ردود الأفعال المخرجة لكلمة الحق عن ميزان العدل أن يقابل الكاتب من أنكر عليه في شيء بالإنكار في موضوع آخر ليصرفه بذلك عن إنكاره عليه، فيضيع الموضوع أصل الحوار، فعندما تقول لأحدهم: لم تفعل كذا ولا يجوز لك أن تكتب كذا؟ لا يقر بخطأ كلمته الواضح، بل يرد عليك في موضوع آخر: وأنت لم كتبت كذا، ولا يجوز لك أن تكتب كذا، فتتحول إلى مباراة في كشف العيوب وليس إلى حوار بحثا عن الحق.
5- أن تكون مقبولة:
فتكون الكلمة أو المقالة أو الفكرة خفيفة متحملة، لا تمل منها النفوس ولا تنفر منها الطباع، لا أن تتحول المقال إلى سيف مسلط بكافة أنواع الهجوم والتجريح أو تحمل كم من البذاء وكأن سطور المقال تبصق بعضها على بعض لشدة السباب والشتائم، فالناس في مذاهبهم أحرار، وحمل الآخرين على مراجعة أفكارهم وذواتهم ومسيرة حياتهم، لا يتم لا بالإكراه ولا بالتعنيف، إنما هي كلمة طيبة تقال بأسلوب طيب ومضمون طيب تعتمد على حسن النية والإخلاص لله سبحانه وتعالى، وتنطلق في رؤيتها من الخماسية النبوية للإصلاح وستأتي إن شاء الله أكلها… ولو بعد حين.
[1] الظلال – جزء4 – ص2098
[2] سورة الرعد: 17
[3] صحيح مسلم : متن – العقوبات – حديث 4019، ج2، ص 1332
[4] سورة الأحزاب: 7
[5] سورة النحل: 125
[6] سورة البقرة: 269
[7] كتاب الفوائد.
[8] الزهد – ابن حنبل
[9] سورة المزمل: 10
[10] الزهد: ابن حنبل
[11] سورة البقرة: 83
[12]سورة الإسراء: 53
[13] سنن الترمذي
[14] سورة طه: 44
[15] رواه مسلم: 537
[16] سورة طه: 44

