بقلم الشيخ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
تحدثنا فى المقال السابق عن ضرورة التفات الدعاة والمصلحين إلى بناء الضمير فى الإنسان المسلم وعدم الانشغال بردود الأفعال حول المنكرات المتجددة فى المجتمعات العربية مع عدم اغفال إنكار تلك المنكرات وخاصة المنكرات التى يتأثر بها شرائح كبيرة من المجتمعات والتى تبثها وسائل الإعلام وتستهدف شبابنا وفتياتنا ، مع توضيحنا كيف تحولت مهمة الإعلام من تربية النشء وصناعة العقول إلى صناعة القبول ليس بالأمر الواقع فقط مهما كانت علله وأمراضه بل والقبول بكل ما يريده النخبة التى تسيطر على السلطة والمال ، وأوردنا الكثير من الأدلة مع التضليل الإعلامي وأساليبه ، مدعومة بآله اعلامية جبارة يمتلكها الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية التى مارست التضليل الإعلامى حتى على الشعب الأمريكى الذى بدأ يكتشف أكذوبة أسلحة الدمار الشامل ومغارة علاء الدين التى فتحت كنوزها النفطية للشركات الأمريكية العملاقة ، بغض
| العالم كله يئن من حصار الثقافة الأمريكي ، واختلال التوازن فى التدفق الإعلامي يؤثر على إبراز الآراء المعارضة للفكر السائد . |
النظر عن الثمن الذي يدفعه الشعب الأمريكى من دماء أبنائه فى أرض العراق حيث دفعت المخاوف البنتاجون من تأثير صور النعوش على الرأى العام الأمريكى إلى إصدار قرار فى مارس 2003 بمنع تصوير النعوش العائدة للجنود ، وبرر المسؤولون فى وزارة الدفاع الأمريكية ذلك بأنه قرار قديم فرض عام 1991 ،وهذا يذكرنا بالغضب الأمريكى من العراق عندما عرضت صوراً لأسرى الحرب فى بدايه الحرب، بينما لم يجد المسؤولون الأمريكيون أى ضرر فى عرض صور الأسرى العراقيين وصور الهالكين عدى وقصى أبناء الطاغية صدام الذى لحقهم بعد ذلك وعرضت صورته المذلة أمام العالم، وقد نقلت صحيفة الوطن القطرية فى 27 سبتمبر 2003 رسالة عن جندى أمريكى نشرت فى الصحافة الأمريكية قال فيها : ” أشارك منذ أشهر فيما اعتقد أنه أكبر كذبة فى العصر الحديث ، عملية حريه العراق ” .
الأمبراطورية الإعلامية
ونحن عندما نتحدث عن الولايات المتحدة فإننا نتحدث عنها لأكثر من سبب فى هذا المجال، فهى أولاً وتحت ستار محاربة الأرهاب تتمد فى العالم كله وهى موجودة فى المنطقة العربية والإسلامية وتمسك فى يدها بشكل مباشر أفغانستان والعراق ، وكما أن لديها مخططات ورؤى استراتيجية لاختراق العالم الإسلامي وتفكيكه وأعادة تصنيعه بما يناسب أسلوب الحضارة الغربية، وهى فى النهاية لديها إمكانيات امبراطورية إعلامية ضخمة وجبارة أرقامها بمليارات الدولارات من رأس المال والأرباح وقادرة على صناعة رأى عام تجاه أى قضية تشاء حتى لو كان هذا الرأي مخالفاً للحقائق الجلية الثابتة، وكلنا يذكر تحذير وزيرة الثقافة اليونانية الراحلة ملينا ميركوري من أن بلدها قد حاصرته الثقافة الأمريكية، بل إن بلداً مثل فرنسا يشكو وزير ثقافتها فى السبعنيات ( وهى قبل ثورة الأنترنت والأقمار الصناعية ) أنه خائف من وقوع الشعب الفرنسي ضحية للأستعمار الثقافي الأمريكي، وكان وزير الثقافة الذى جاء من بعده ” جاك لانق ” حريصاً أكثر من ذلك وشن حملة على القنوات التلفزيونية وقال أنها أصبحت صنابير تتدفق منها المسلسلات الأمريكية كما اشتكى رئيس وزراء كندا السابق ( بيار ترودد ) من تأثير الثقافة الأمريكية على الشعب الكندي ، ويشير التقرير الشهير وهو تقرير ماكبرايد إلى الاجماع على الاعتراف باختلال التوازن فى مجال التدفق الأعلامي مستشهداً بـ لوموند ديبلوماتيك ورئيس جمهورية فنلندا وفريق عمل صندوق القرن العشرين والمدير العام لوكالة رويتر واجتماع خبراء اعلاميين ووزراء اعلام الدول غير المنحازة .
| التغطية الإخبارية لأحداث فلسطين ستضع مصداقية قناة ” الحرة ” على المحك ، والخطورة أن تقدم القناة نصف الحقيقة فقط . |
وزاد استخدام اللغة الانجيليزية التى هى لغة الامبراطورية البريطانية وإحدى القوى الكبرى المسيطرة فى العالم لقرون خلت وهى اليوم لغة الولايات المتحدة الامريكية الدولة الأكبر والاكثر سيطرة فى العالم .وقد أدى توسيع استخدام هذه اللغة إلى ظهورها بمظهر اللغة فوق القومية .وقد أشار شيللر فى مقدمة الطبعة الثانية ( 1992 ) لكتابه Mass Communications إلى أمثلة عن ازدياد انتشار هذه اللغة في الدول الاوربية الكبرى فكيف الحال فى دول العالم الثالث .ويذكر:
– زيادة نسبة المقالات المكتوبة بالأنكليزية من 52% في العام 1975 إلى 65% فى العام 1985 فى حين تناقضت نسبة المقالات المكتوبة بالفرنسية من 17% إلى 10% والمقالات المكتوبة بالألمانية من 13% إلى 7 % .
– زيادة نسبة المقالات العلمية المكتوبة بالأنكليزية فى 122 بلداً من 85% فى العام 1975 إلى 92% فى العام 1981 .
– قرار 3 مجلات يصدرها معهد باستور فى فرنسا في العام 1989 التحول فى كتابة موضوعاتها من اللغة الفرنسية إلى اللغة الأنكليزية
وهذا الأمر جعل نسبة 70% من انتاج قواعد المعلومات فى العام 1990 فى الولايات المتحدة وليس فى منافستها التكنولوجيه اليابان
بالإضافة إلى ذلك تمت فى عام 1996 دراسة إعلامية فى 41 دولة وكانت النتائج كما يلي :
– أكثر الأفلام مشاهدة أمريكية و9 اشرطة من كل 10 أشرطة فيديو أمريكية .
– 20000 مستهلك حول العالم ( 19 ) دولة سئلوا عن الثقافة الإعلامية الأمريكية أجاب ما يقارب النصف منهم بأنها جيدة جداً أو ممتازة .
– 90 % من الإعلام فى إيطاليا يسيطر عليه الإعلام الأمريكى .
– 25% من سوق الكتب ( 8 بليون دولار إجمالي دخل الكتب فى العالم ) تسيطر عليه 10 دور نشر وأكبرها بل أكثرها مملوكة لمؤسسات إعلامية دولية ( تايم ورنر ، بريكزمان ، فياكم )
ولا يمكن هنا أن نتحدث عن التضليل الإعلامي دون أن نذكر دور سادة هذا الاختصاص وهم يهود إسرائيل حيث تعمدت الدعاية الإسرائيلية بشكل مدروس ، تجهيل الرأى العام العالمي بالنسبة لقضية فلسطين وحقائقها وصورة الصراع ووقائعه، واتبعت هذه الدعاية مداخل نظرية فى أوربا وأميركا محددة بالتالي :
1- تقديم إسرائيل كناتج للفكر والجهد والمهارة النابعة عن الحضارة الغربية .
2- التأكيد على ” المعجزات ” التى حققتها إسرائيل فى الصحراء التى كان اسمها فلسطين، والتى أهملها ” الغزاة ” العرب و “دمروا ” معالم الحياة فيها .
3 – التذكير المتواصل بأن إسرائيل هى تحقيق لنبؤة دينية ، وردت فى العهد القديم .
4- التذكير المتواصل بفظائع النازية وغيرها من مظاهر الاضطهاد الأوربي، عبر التاريخ لليهود ، وأن مشكل إنشائها تشكل بالتالي الحل التاريخي للمشكلة اليهودية .
5- تصوير معاداة العرب لها على أساس أنه نتاج ديني وعنصري ، يزيد من حدته علاقاتها القوية مع العالم الغربي .
6- تصويرها مهددة بصفة مستمرة من جيرانها العرب .. الذين يحلمون بتدميرها ، وقذف سكانها ” الأوربيين ” أصلاً إلى البحر .
7- التأكيد على حاجتها للاعتماد على القارتين الاوربية والاميركية ، ” مركز الثقافة والعلم ” من أجل تحقيق متطلبات امنها .
8- التأكيد على أن من شأن توطيد علاقاتها بالعالم الأفرو- آسيوى تحقيق الفائدة ليس فقط لكل من إسرائيل وهذا العالم . ولكن لقارتي أوربا واميركا أيضا .
البحث عن الحقيقة
وعودة إلى الاعلام الأمريكي ، فإن الساسة الأمريكان والقائمون على توجيه السياسات الاعلامية الأمريكية يعملون بخطين متوازيين ، الخط الأول محاولة منع أى معلومات تخالف توجه الإدارة الأمريكية وتناقض الرأى العام الذى تحاول أن تبنيه فى عقلية الجماهير ، وهى بهذا الخط تعود بأمريكا إلى الوراء وتحولها إلى دولة بوليسية لمتابعة وتعقب الأخبار من خلال تفعيل حارس البوابة الاعلامي ومنع مرور أى خبر لا يروق للتوجهات السياسية الأمريكية،وكلنا يذكر كيف استدعت مستشارة الأمن القومى كونداليزا رايس مسؤولي وسائل الإعلام الرئيسة فى أميركا ،ونبهتهم إلى أهمية ما يسمى ” منع التسريب .. ” leakage ” ومنعت محطات التلفاز من بث رسائل زعيم القاعدة، وفى بعض الحالات تم عمل مونتاج لها ،بحجة التأكد من عدم وجود رسائل مشفرة، وسعيا للسيطرة على التغطية الصحفية للحرب على العراق ، فقد رافق القوات
| سقوط صدام كشف ” هدية الكوبونات النفطية ” لكن هل هو النظام العربي الوحيد الذي يقدم ” الرشاوى ” الصحافية ؟ |
الأمريكية نحو 500 صحفي ، ووزع عليهم لائحة بالقيود والممنوعات تشمل خمسين بنداً فى 12 صفحة ، ومن أهمها عدم نشر أى صور إلا بعد اعتبارها مناسبة من المختصين ، وذكرت بعض التقارير أن الوكالة الحكومية الأميركية للصور والخرائط ، اشترت حقوقاً لاحتكار جميع صور الأقمار الصناعية فى أفغانستان ، وذلك منذ بدء العمليات العسكرية هناك .
كما كشفت مجلة ” Index on censorship ” الإنجليزية أن الإدارة الأمريكية فى العراق طالبت شبكة الاعلام العراقية بحذف فقرات القرآن ، وحذف كل ما تتصور أنه معاد للولايات المتحدة ، وربما يعلم القليل أن محطة التلفزيون العراقية الجديدة والمؤسسة الاعلامية الرسمية العراقية الراهنة ” IMN ” قد دفع البتاجون تكاليفها بالكامل ، ورغم ذلك فإن هناك أصوات تحاول أن تخترق جدار الحصار وتوصل الحقيقة إلى الشعب الأمريكي ، ومنها كتاب ( اخبرنى اكاذيب ) أو اكذب علي ” الذى حرره دافيد ميلر الأستاذ بمعهد البحوث الإعلامية بجامعة ستيرلنج الاسكتلندية وهو كتاب شارك فيه عدد كبير من الكتاب والباحثين المعنيين بالظاهرة الإعلامية فى بريطانيا خاصة ، ويدور الاعلام المتزايد فى إحكام قبضة هيمنة الغرب على العالم من خلال تحكمه فى طبيعة المعلومات المتاحة، وتدفقها أو عرقلة هذا التدفق والتعتيم عليه .كما أنه ينطلق من التصور الأوربي باستقلال أجهزة الإعلام ونزاهتها ومن الضيق بتأثير الهيمنة الأمريكية على هذا الاستقلال، والنيل من نزاهة الإعلام الغربى ومصداقيته معا . وهو كتاب يتناول ضمن ما يتناول آليات عمليات “الدعاية ” أو البروباجندا ” المنظمة ، وإدارة كل من أمريكا وبريطانيا للمعلومات بنفس طريقة إدارة الحرب العسكرية ذاتها كى تقتنع الرأى العام – المحلى والدولى على السواء – بالتهديد الذى تشكله أسلحة الدمار الشامل العراقية التى لا وجود لها.
| الإعلام العربي ” المرتشى ” أخطر من الإعلام الأجنبي غير المحايد والمندوب السامى العربي أخطر من المستعمر الأجنبي . |
ويكشف لنا الكتاب الذى شارك فيه عدد من الصحفيين والجامعيين والمفكرين اللامعين من أمثال روبرت فيسك ، وجون بيرجر ، ومارك ستيل ، وناعوم تشومسكى وجوليان بيتلى وجرنفيل وليامز ودافيد كرومويل وتيم لويلين وغيرهم كيف استطاعت حكومتى الولايات المتحدة وبريطانيا التلاعب بالإعلام – الذى يتوهم أنه حر ونزيه – وجعلته أداة طيعة فى أيدى مخططها العسكرى الجهنمى بطريقة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية .كما يكشف لنا أن التفاعل بين الآله الإعلامية والآله العسكرية بلغ درجه من التكامل والتناغم غير مسبوقة وحتى غير معروفة فى التاريخ الحديث .
كما يقدم لنا الكتاب الثانى الذى صدر هو الآخر فى أمريكا : ( ثمن الولاء :جورج بوش والبيت الأبيض وتثقيف بول أونيل ) الشهادة على 19 ألف وثيقة وفرها له بول أونيل تكشف لنا أن حكومة جورج بوش الحالية وضعت ضمن برنامجها منذ الأيام الأولى لتوليها السلطة ، وقيل أحداث 11 سبتمبر الشهيرة بأكثر من تسعة أشهر مسألة التخلص من نظام صدام حسين واحتلال العراق أو السيطرة ثروته النفطية بأى طريقة ممكنة وأنه طلب من مجلس الأمن القومى أن يبحث عن طريقة تمكنه من تحقيق ذلك .
لكن أخطر ما يقدمه فى هذا المجال أن مجلس الأمن القومى وطوال الثلاثة والعشرين شهراً التى حضر فيها اجتماعاته لم يتمكن من الحصول على دليل دامغ واحد يؤكد أن لدى العراق أسلحة للدمار الشامل .كما أن الكتاب يقدم لنا عددا من وثائق البنتاجون التى تناقش عملية تقسيم نفط العراق بين الشركات النفطية الغربية الكبرى وكيفية توزيع هذه الثروة بطريقة تخرس معارضى السياسة الأمريكية وتضمن لأمريكا الهيمنة عليه فى الوقت نفسه .
وليت الأمر توقف على المقالات وإصدار المؤلفات والكتب حول نظريات التضليل الإعلامي ، بل ساهم الفن الأمريكى فى التشكيك بالمعلومات المعروضة من خلال مسلسل أمريكى عنوانه ( 24) وهو الجزء الثانى من المسلسل وسجل رقماً قياسياً فى عدد المشاهدين فى الولايات المتحدة ( 11 مليون مشاهد ) وبريطانيا ( 3 ملايين مشاهد ) .
| الإعلام اليهودي حريص على إبراز إسرائيل كتحقيق لنبوءة توراتية مع بعض التذكير بفضائح النازية وتشويه صورة ” الغزاة العرب ” . |
وتدور أحداث (24) حول قيام أشخاص تابعين لمنظمة إرهابية فى الشرق الأوسط بادخال قنبلة نووية إلى الولايات المتحدة بغرض تنفيذ عملية إرهابية غير مسبوقة على الأراضى الأمريكية .
ورغم نجاح أجهزة الاستخبارات الأمريكية فى اكتشاف المحاولة وتحديد اليوم الذى ستنفذ فيه وموقع تفجيرها إلا أنها بدلاً من التحرك لاحباطها واعتقال الإرهابيين قامت ، بناء على تعليمات من مسؤولين أمريكيين كبار تربطهم علاقات راسخة بعدد من المؤسسات الاقتصادية العملاقة، بإرسال فريق من القوات الخاصة لتأمين مهمتهم وضمان تنفيذها حتى يمكن استغلالها كذريعة لشن حرب فى الشرق الاوسط توقف تدفق امدادات النفط العربية لافساح الطريق أمام تدفق النفط من منطقة بحر قزوين الذى تمتلك عقوده هذه المؤسسات .
وتستعرض احداث المسلسل كيفية نجاح عميل متقاعد ( بطل المسسل ) كلفه الرئيس الامريكى بالعثور على القنبلة وابطال مفعولها ، فى إحباط الخطة وتفجير القنبلة فى الصحراء لخفض الآثار المدمرة المترتبة على انفجارها إلى حدها الأدنى .
فما كان من مسؤولى هذه الشركات إلا أن قاموا بتلفيق دليل يثبت تورط دول عربية فى دعم هذه العملية الإرهابية لتضمن ، عن طريق هذا الدليل بالإضافة إلى موجة الغضب الشعبي العارمة إزاء انفجار القنبلة إصدار الرئيس الأمريكى الذى تظهره الحلقات فى شخص ” آخر من يعلم ” أوامراه بشن ضربة عسكرية انتقامية ساحقة فى الشرق الأوسط للثأر لهيبة أمريكا .
وتصل الأحداث ذروتها بعزل الرئيس الأمريكى وتولى نائبه مكانه بعد أن اتهموه بالضعف واللين فى مواجهه أخطار تتهدد الولايات المتحدة ، فقط لأنه كان حريصا على التأكد من سلامة الدليل المقدم على تورط هذه الدول قبل اتخاذه قراراً بشن حرب مصيرية كتلك .
| بعض القنوات الفضائية المشبوهه لا تستحق حتى الالتفات لها ، وأكسجين بقاءها يعتمد على التشهير بها . |
ويأتى مسلسل فى وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تطورات كبيرة وأحداثا متسارعة منذ وقوع هجمات الحادى عشر من سبتمبر على واشنطن ونيوريوك وما تلاها من إعلان الولايات المتحدة الحرب ” على الإرهاب ” وقيامها بغزو افغانستان ثم العراق ، قبل شهور قليلة وإسقاط نظامى الحكم فى البلدين .ويمثل عرض المسلسل فى هذا التوقيت حساسية للإدارة الأمريكية التى تواجه العديد من الاتهامات والانتقادات بسبب حرب العراق التى فشلت حتى الآن فى تبرير أسبابها سواء بالعثور على أسلحة الدمار الشامل العراقية التى قالت بوجودها أو بإثبات أي علاقة بين نظام الرئيس العراقى المخلوع صدام حسين ومنظمة القاعدة المسؤولة عن هجمات الحادى عشر ن سبتمبر / ايلول 2001
الجدير بالذكر أن مسلسل (24) وهو من بطوله الممثل الأمريكى البريطاني المولد “كيفر ثازرلاند ” فى دور العميل المتقاعد والممثل دينيس هيسبرت فى دورالرئيس الأمريكى صنف ضمن أفضل خمسة أعمال تلفزيوينة فى تاريخ الولايات المتحدة وهو من إنتاج شركة فوكس العملاقة فى مجال الانتاج السينمائي والتلفزيوني .
كما احتل المسلسل صدارة قائمة الأعمال الدرامية التي تعرضها كافة محطات التلفزيون البريطانية وفقا لإحصائيات بى بى سي .
قناة الحرة وفكرة الانتقاء النوعي
أما الخط الإعلامى الثاني الذى يقوم بتنفيذه القائمون على سياسات الإعلام الأمريكى فهو تأسيس واطلاق مؤسسات إعلامية تتحدث باللغة الأم للمناطق التى تبث إليها .بحيث تصبح قادرة على المنافسة وتخفيف حدة الكراهية للولايات المتحدة التى أكدتها الاستبيانات المختلفة فى المنطقة العربية والإسلامية وزادت عليها الفضائيات العربية وخاصة قناتي الجزيرة والعربية ، وقد بدأت قناة ” الحرة ” التلفزيونية الناطقة باللغة العربية والممولة من الولايات المتحدة بثها فى 22 دولة فى الشرق الأوسط بهدف تحسين صورة أمريكا والحد من نفوذ قناتي الجزيرة والعربية الاخباريتين العربيتين فى هذه المنطقة .
| الولايات المتحدة تحاول كبت المعلومات التى تخالف توجهاتها السياسية ، وهى بذلك تتحول إلى دولة بوليسية من دول العالم الثالث . |
وأكد المكتب الأمريكي للبث الاذاعي ( بى بى جي ) الوكالة الفدرالية المكلفة الاشراف على هذه القناة التلفزيونية الجديدة الممولة من الكونغرس الأمريكي أن الحرة ستكون قبل أى شئ أخر شبكة إخبارية ستكون تغطيتها ” دقيقة ” متوازنة ومتكاملة ” .
وقد استقبل العالم العربى قناة التلفزيون الأميركية الجديدة ” الحرة ” الناطقة بالعربية بتشكك لا بل بازدراء وقال استاذ الاعلام فى جامعة الأزهر الدكتور محيي الدين عبد الحليم أن ” الحرة ” إذا ادعت أنها ستكون موضوعية ” ستقدم ذلك من قبيل تقديم السم فى العسل وستقدم نصف الحقائق وهذا أخطر أنواع التضليل والكذب لأنها ستبنى على ذلك آراء كاذبة وخطرة .
وترى أستاذ الصحافة فى كلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة أميرة العباسى أن ” الحرة بدأت بثها وهى مدانة قبل أن تبدأ من المشاهد العربى “
كما أن تمويل هذه المحطة من الكونغرس الأميركي ونحن نعلم جميعاً مدى سيطرة اللوبى اليهودى عليه .
كوبونات صدام
والوجه الاخر لصناعة القبول هو ما كشفت عنه كوبونات صدام النفطية من وجود أقلام وأحزاب ووجوه عربية وأجنبية فى دول عربية وأجنبية تقوم بمهمة التسويق وصناعة القبول للطاغية العراقي المخلوع فى محاولة مستميته لتجميل وجه النظام عبر وسائل الاعلام والصحف والفضائيات ، وبغض النظر عن إنكار أو اقرار بعض هذه الشخصيات بحقيقة هذا الأمر ، فإن كل الشواهد تؤكد أن هذه السياسة موجودة لدى النظام العراقي ، وأن النظام العراقى من جهة أخرى ليس الوحيد الذى يقوم بهذه اللعبة فهناك أنظمة عربية أخرى مارست صناعة القبول من خلال الدعم والتمويل المالى لبعض المؤسسات والشخصيات الإعلامية لأن لعبة الاعلام مكلفة ، وهذه الحقيقة يعلمها كل من يعمل فى هذا المجال والاستمرار فى الصدور والبث يتطلب ميزانيات ضخمة مدعومة من دول أو شخصيات أو أحزاب ، وهنا تتداخل المصالح ويتكرر صراع القيم مع الضغط المادى على الوسيلة الاعلامية ، وإن كان سقوط صدام حسين كشف جبهه من جبهات ” فقه الدفع ” كما أسماها الكاتب فهى هويدي فإنه وبلا شك هناك جهات أخرى تماثل كوبونات صدام النفطية مثل شيكات فلان ودولارات علان وغيرها وسياسة الوسيلة الاعلامية ودفاعها المستميت عن جهه معنية بشكل متكرر أو إغفالها لسقطات هذه الجهه ومخازيها يعتبر أحد المؤشرات عن سياسات الرشوة الاعلامية التى لا تخلو منها الممارسات الاعلامية العربية،
| للأسف زادت كمية الوسائل الاعلامية بشكل متواليات هندسية ، ولكن ذلك لم يزيد من نسبة وصول الحقيقة للمواطن العربي . |
وإننا للأسف وبسبب هذه الممارسات نفقد احترام القارئ أو المشاهد وتكون الحقيقة هى الضحية، فتصبح هناك جيوش من الوسائل والرسائل الإعلامية لكن مع القليل من المعلومات الموثقة والدقيقة حول الحقيقة ، فإذا ما أضفنا إلى ذلك النهج العاطفي التى تتبعه الشعوب العربية ، وكمية ” لا بأس بها من الغوغائية التى تقود الشارع العربى معتمدة على خطاب فى كثير من الأحيان راديكالي لا يسنده واقع عملي يحوله من شعارات إلى حقائق ، فإن النتيجة بلا شك هى صناعة أبطال من ورق ، ودول لا تستطيع أن تصمد بضعة أسابيع أمام أي تدخل خارجي ، كما حدث مع النظام العراقى فى معركته الأخيرة والتى كشفت البطولات الوهمية وعلى رأسها أكذوبة أم المعارك “فكانت النتيجة اجتياح الأمريكان لعاصمة الرشيد بفضيحة سياسية وعسكرية تستحق أن نسميها وبكل جدارة ” أم الهزائم ” !!

