بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
لم نجد أفضل من كلمة “الاضطراب” للتعبير عما يحدث في العالم العربي من توهان وضياع وتشرذم وتشتت، حتى إن مخارج نطق الكلمة من اللسان تشعرك بهذا الارتباك والاهتزاز، الذي نشاهده جلياً منذ مطلع القرن الحالي وحتى هذه الأيام، وكأن جماهير عالمنا العربي تقف في محطة قطار تائهة حائرة لا تعرف لا الوجهة التي تريد أن تسلكها ولا القطار الذي يرحل بها إلى تلك الجهة، فأصبحت ملطشة للمسافرين جميعهم ومحل سخريتهم، وكأنهم تاهو عن خارطة طريق الخروج من الأزمة.
| يكاد الاضطراب السياسي يشمل كل شيء، وكأننا تائهين في محطة القطار، لا نعرف وجهتنا ولا القطار الذي يرحل بنا لتلك الجهة. |
ونحن لو تحدثنا عن مظاهر هذا الاضطراب فلن ينتهي بنا الحديث لتشعبه وكثرة دلائله، ولكننا اكتفينا بالإشارة إلى مظاهر هذا الاضطراب من وحي الأحداث الأخيرة، وهي أكثر من كافية لإثبات هذا الاضطراب الذي أصاب أمة العرب بالشلل حيث تنتظر من يرشدها إلى سبيلها وهي لا تزال واقفة في محطة القطارات.
الاضطراب السياسي
ليس أدل على هذا الاضطراب من الفشل في عقد مؤتمر القمة العربية في موعدها الذي كان مقرراً في تونس، والحقيقة إن من محاسن عدم انعقاد القمة وضوح تناقض المصالح العربية بعد أن كانت تغطيها المجاملات والدبلوماسية المرنة لفترات طويلة، وبعد أن كانت جامعة الدول العربية تجتمع لتصدر قرارات غاية في الشدة والوضوح والمفاصلة تجاه عدد من القضايا العربية المصيرية، تحولت فيما بعد إلى سياسة الحلول الوسط للتوفيق بين الآراء المطروحة وخاصة في المرحلة الأولى من الحل السلمي والتخلي عن الخيار العسكري لحل القضية الفلسطينية.
ثم تحولت قرارات الجامعة في مرحلة جديدة من حياتها إلى سياسة الترقيع، وذلك ابتداءاً من القمة التي تلت غزو العراق للكويت، ولو كانت الدول العربية قد اتخذت في ذلك الوقت موقفاً حاسماً وواضحاً تجاه المعتدي، وأيدت المظلوم في الدفاع عن نفسه، لجنبت نفسها حالة الاحتضار التي تعيشها هذه الأيام والتي جاءت نتيجة طبيعية لتشرذم الرأي العربي تجاه قضية واضحة المعالم مثل غزو عضو عربي لعضو آخر في الجامعة، فكل القمم التي عقدت بعد ذلك كانت قمم توفيقية وقرارتها تخرج لإبراء الذمة واستكمال ديكور ما يسمى بالعمل العربي المشترك الذي دخل في نفق مظلم، بسبب تضارب مصالح الدول الأعضاء بشكل حاد مع صعوبة إيجاد حلول وسط يتفق عليها الجميع.
| المبدأ الوحيد الأصيل لدى الأنظمة العربي هو مبدأ “عشق الذات” وكان لا بد لثنائية البشير- الترابي أن تنتهي مثلما سبقتها ثنائية نجيب وناصر والبكر وصدام. |
ناهيك عن وجود قضايا ملتهبة تهدد أصلاً بقاء أوسقوط بعض أعضاء الجامعة العربية تحت الاحتلال الأمريكي الذي يضغط بملفات محاربة الإرهاب، وفرض الديمقراطية وأخيراً مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تباينت مواقف الدول العربية تجاهه بشكل شديد، ناهيك عن وجود دول عربية مثل ليبيا التي انقلبت على ذاتها، وتحولت من دولة تناصر الهنود الحمر والجيش الايرلندي، إلى دولة يستقبل رئيسها ملكة جمال بريطانيا ويتناقش معها في الشئون الدولية!!
ظاهرة عشق الذات
ولا نستطيع أن ندلل على الاضطراب السياسي في المشهد العربي بأوضح من مبدأ “عشق الذات” والتي تمارسه معظم القيادات العربية في لعبة الصعود والهبوط عن الكراسي، وكان آخرها ثنائية البشير والترابي، التي حولها البشير بتصريحه حول الترابي إلى ما يشبه التراجيديا السينمائية المثيرة عندما وصف صديقه وحليفه القديم بأنه “مخادع ومنافق وداعية لتحليل الخمر وفتح البارات ” وكلنا قرأ تلك التصريحات في جريدة الحياة (عدد14982 – الصادر في4/4/2004) حيث اعتبر البشير أن الترابي “ظل عمره كله يغش ويخدع الناس ويدعو إلى تطبيق الشريعة الاسلامية لكنه لا يريد الشريعة، لأنه أحل الخمر وفتح البارات في الخرطوم، بعدما أغلقها الرئيس السابق جعفر النميري عام 1983″ وأضاف البشير ” الترابي كان شيخننا وزعيمنا، لكنه خدعنا فتخلينا عنه00 إنه رجل منافق وكذاب ضد الدين ويسعى إلى الفتنة ويحرض المسلمين على قتل بعضهم في دارفور”.
ونحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن الترابي ، فهو صاحب عقلية حوارية وأطروحات فكرية بعضها لا يفهمه حتى المثقفين، وهذه القدرة لدى الترابي هي التي مكنته من البروز كوجه إسلامي وقيادي في فترة اعتقال أبناء الحركة الاسلامية في مصر في سنين حكم الرئيس المصري جمال عبدالناصر، حيث كانت محاوراته وقدراته العقلية قادرة على إقناع الكثير من قيادات التنظيم الإسلامية على المستوى العالمي، ولأن الترابي يحب أن يبقى في الصورة وداخل البرواز فقد ساءه التحجيم الذي أصابه بعد خروج القيادات الاسلامية من السجون، مما جعله يقوم بتأسيس الجبهة الاسلامية في السودان ويبقى في “القيادة”.
وقاد بعد ذلك سلسلة من المواقف السياسية في السودان والتي انتهت بالانقلاب العسكري الذي جاء بثنائية البشير- الترابي إلى الحكم، ودار في تلك الفترة – حكم الصادق المهدي- همسات أن البشير ما هو إلا واجهة تخفي خلفها حسن الترابي، والذي رغم اعتقاله في تلك الفترة مع باقي القيادات السياسية السودانية، إلا أنه كان يختفي من زنزانته ليال طويلة، وبالطبع كان يحضر اجتماعات الثورة الجديدة وفي تلك الفترة التي جاءت بالبشير إلى الحكم لم يكن الترابي لا مخادعاً ولا منافقاً ولا هو داعية لتحليل الخمر، بل كان الحليف المكين والسيد الأمين.
ولأن الترابي كما ذكرنا يحب أن يبقى في الصورة بشكل يليق بصورة المنظر والمفكر، فإن أي أعمال لا تليق بالمنظر للحركة الاسلامية العالمية تلصق بالبشير مثل تسليم الإرهابي كارلوس وطرد أسامة بن لادن، والخضوع للضغوط الأمريكية في حين أن البشير قد ذاق طعم وحلاوة الكرسي الأول، كان لا بد أن ينهي هذه الثنائية، تماماً مثل ما انتهت في وقت مبكر ثنائية محمد نجيب- جمال عبدالناصر، وأحمد حسن البكر وصدام حسين، وغيرها من الثورات التي أكلت أبناءها، وهذا يشهد على الاضطراب السياسي في المشهد العربي خصوصاً في حالة خصومة شركاء الحكم وحالات المصالحة المؤقتة والتحالفات المتغيرة بشكل مذهل، فحكومة البشير اعتبرت مثلاً توقيع حزب الترابي على مذكرة التفاهم مع “الحركة الشعبية لتحرير السودان دعوة إلى إسقاط السلطة بالقوة وجريمة يجب أن لا تمر، بينما توقيع حكومة السودان لنفس المعاهدة تعتبر في عرف البشير مكاسب سياسية للسودان والسودانيين، وبعد ماكان الترابي هو “شيخنا وزعيمنا” أصبح الترابي ولأنه حاول أن يلعب نفس اللعبة التي جاءت بالبشير إلى الحكم ولكن هذه المرة ضد البشير أصبح “منافقاً ومخادعاً وكذباً وضد الدين”.
ونحن لا نتحدث عن ثنائية البشير- الترابي كحالة شاذة في السياسة العربية بل كآخر طبعة عربية في مجال الاضطراب السياسي الذي يعيشه العالم العربي، كما إننا سنكون غير صادقين على إظهار القيادات الإسلامية جميعها كحالة ملائكية مثالية غير قابلة للزلل والفشل وسوء الاختيار وخطأ الاجتهاد، وما يصيب الحركة الإسلامية أحياناً من محن وترجعات لا ترجع بالضرورة فقط إلى العامل الخارجي ووجود المؤامرات ضد الحركة الإسلامية “ذات الجماهيرية العريضة والبرنامج الجذاب والمطلوب على المستوى الشعبي” بل إن وجود قيادات “ترابية” في الحركة الاسلامية في أكثر من موقع وبلد، أصاب الحركة الاسلامية إصابات بعضها كان مباشراً.
ناهيك عن مرض القطرية والإقليمية الذي أصاب الحركة الإسلامية وجعلها في كثير من الأحيان تنحاز إلى خيارات وطنية محلية لا تتفق بالضرورة مع الرؤية الإسلامية ومبادىء وقيم الحركة على المستوى العالم، ولعلنا نستثني بشكل كبير الحركة الإسلامية في مصر كحركة تعب مؤسسوها في تأصيل القيم الأصيلة في نفوس أتباعها، فتجنبت كثيراً من المزالق، كما إنها صمدت أمام العديد من العواصف التي لو أصابت قيادات وحركات إسلامية أخرى لأصابتها بالشلل والفناء والتحلل، وكلنا يرى العديد من التيارات التي عابت ونقدت التيار الاسلامي الوسطي، فبعضها مارس الجمود الفكري والانغلاق الفقهي وبعضها الآخر العنف ولغة الدم، ثم انتهوا إلى ما بدأت به الحركة الاسلامية الناضجة في مصر العزيزة.
| 3- منذ أيام الماوردي لم نحقق أي اختراق تجديدي في فقه السياسة الشرعية، وإسقاط تصانيف السابقين على واقعنا السياسي اليوم يصيب بالاضطراب السياسي حتى عند المفكرين من الاسلاميين. |
وهذا يجرنا للحديث عما يعرف في أدبيات الإسلاميين بمصطلح “السياسة الشرعية” فنجد أن الكتابة في هذا الموضوع في الوقت المعاصر تكاد تكون معدومة، فمن أيام الماوردي لم يكتب شيء يمكن اعتباره إضافة حقيقية إلى ذلك الموضوع الحيوي والهام، بل إن معظم الكتابات حتى في الدراسات العليا كالماجستير والدكتوراة تكرار لما سبق وإعادة شرح لنصوص قديمة، ولم نجد اختراقاً جديداً في الموضوع يعيد ترتيب الأفكار لزمننا المعاصر ويراعي ما يحدث فيه من تغيرات رهيبة، ونجد أن معظم هذه الرسائل تتحدث عن مذهب الصبر ومذهب السيف ودار الحرب ودار الإسلام، والإمامة عند أهل السنة والشيعة وغيرها من المواضيع المكررة ومما هو موجود في كتب وتصانيف السابقين، ونحن حينما تُسقط هذه النصوص على واقعنا السياسي اليوم نجد الاضطراب في الحس السياسي الاسلامي حتى عند المفكرين منهم، ولذلك فنحن في حاجة ماسة إلى كتابات مؤصلة في السياسة الشرعية لا تعتمد على كتب الفروع، بمقدار ما تعتمد على العودة إلى كتب أصول الفقه والقواعد الفقهية والفهم الواعي المستنير للمستجدات السياسية المحلية والعالمية.
إننا نعيش اضطراباً سياسياً لا مجال لإنكاره، وأسلوب التعامل مع المشروع الأمريكي الأخير وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي لم تنجح لا الولايات المتحدة في تسويقه وخاصة أن واقعها في أفغانستان والعراق لا يشجع كثيراً، ولا الدول العربية في استيعابه والتعامل معه ومع استحقاقاته، حيث أن بعض الدول قائماً أساساً على مبدأ القمع واحتكار السلطة واعتقال المواطنين، وتضخيم المؤسسات الأمنية، وتقديم مبدأ الضمان الأمني وأمن السلطة على مبدأ التنمية والانتاج والازدهار الاقتصادي، فهذه الدول بطبيعة تكوينها عاجزة عن التحول إلى الوجه الديمقراطي الذي يطيح بأوجه عديدة في السلطة خاصة ما يعرف بالحرس القديم الذي استمد مصالحه ومكاسبه من بقاء الوضع المتردي على ما هو عليه.
نقطة أخيرة نختم بها مظاهر الاضطراب السياسي وهي الانفصال الحادث بين الرؤية العربية الرسمية لأسلوب التعامل مع القضية الفلسطينية، وبين الرؤية الشعبية للقواعد العربية فبينما الرؤية الرسمية تدعو للتعقل واستقراء الواقع الدولي والمتغيرات السياسة وموازين القوى في المنطقة بروح مسؤولة، وبحنكة سياسية تتجنب غوغائية الشعارات السياسية التي كان يرفعها الرئيس العراقي صدام حسين وما جلبته سياساته الرعناء من احتلال لبلده، ومثل الزعيم اليبي الذي تحول في الفترة الأخيرة من النقيض إلى النقيض، وبين الرؤية الجماهيرية الشعبية للمواطن العربي الذي يعتقد أن الأنظمة العربي قد أصبحت خارج معادلة الصراع مع العدو وأن الشعوب العربية هي المعنية بهذا الموضوع الآن، وأن هذه الأنظمة أصيبت بالعجز والعقم وهي خارج الحسابات الشعبية.
ولذا نجد السخرية واللامبالاة هي السائدة لدى المواطن العربي تجاه إلغاء مؤتمر القمة العربية الأخيرة، كما إن المواطن العربي أصبح شديد الثقة بأن هذه الأنظمة أصبح لها مهنة وحيدة وهي الانبطاح ومواصلة الانبطاح للضغوط الأمريكية والتسليم بكل شيء في مقابل النجاة من مواجهة مصير كمصير الرئيس العراقي المخلوع والبقاء على السلطة،لدرجة أن بعض الأنظمة لم تكتف بكشف برامجها النووية بل تعدت ذلك إلى تهديد الأمن القومي لدول عربية أخرى بكشف ما لديها من وثائق ومعلومات نووية لتلك الدول!!
الاضطراب الاقتصادي
وفي هذا المجال لن نتحدث عن سياسة التنمية الكسيحة في عالمنا العربي ولا عن حلم السوق العربي المشتركة الذي تحول إلى كابوس بسبب طغيان النفس السياسي على كل تجمع عربي حتى لو كان خاصاً بهواية الطائرات الورقية، ولن نتحدث عن ميزانية التسليح التي تبلع كل شيء دون أن نرى أية انتصارات عسكرية، ولا عن استئثار الأقلية بأموال الجماهير المحرومة، ولا عن تردي الصناعة ولا عن تخلفنا الزراعي ولا غيرها من أنواع الاضطرابات الاقتصادية التي تعيشها أمتنا “الكادحة” وحتى لا نطيل يكفي أن نلقي نظرة على قائمة أغنياء العالم التي تصدرها مجلة فوربس بشكل سنوي، ونذكر أن مجموع ثروة أول عشرة مليارديرات عرب في القائمة تبلغ 53.1 مليار دولار، وبحسبة بسيطة نجد أن مقدار الزكاة لهؤلاء العشرة دون غيرهم، ودون آخرين خارج حسابات مجلة فوربس يبلغ أكثر من ألف وثلاثمائة مليون دولار، وهو مبلغ لو تم تحصيله من أموال الزكاة وتوزيعه على الفقراء والمستحقين فلربما أغلقت الجمعيات الخيرية وانتفت الحاجة إليها، ولتحولنا إلىعهد عمر بن عبدالعزيز حيث فاض مال الزكاة، واستغنى الناس ولم يجدوا أحداً يستلم مال الزكاة00
الاضطراب بين فقه سد الذرائع وفقه الضروريات
من خصائص الشريعة الاسلامية المرونة والسعة من أجل أن يعيش الناس في إطار التيسير الرباني، قال تعالى:” ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج” [المائدة:6] وقال سبحانه:”واتقوا الله ما استطعتم“[التغابن:16] ومن الآيات جاءت القاعدة الأصولية “لا تكليف إلا بمقدور” ومن المعروف أن الشريعة الإسلامية قائمة على أحكام مستقرة هي الأصل في التعامل اليومي للمسلمين وممارساتهم لحياتهم الخاصة والعامة، والسياسية منها والاجتماعية والاقتصادية، ومع وجود هذه الأحكام العامة للمسلمين في يومياتهم كان هناك ما يسمى “بفقه الضرورات” وهي أحكام قد يلجأ إليها الفقيه لرفع حرج عارض يقع في وقت محدد لشخص أو مجموعة معينة وفي المقابل هناك طرف آخر لفقه الضروريات وهو “فقه سد الذرائع”، فقد تأتي مسألة لا يكون هناك حكماً نصياً شرعياً يمنع التعامل معها، سلباً أو إيجاباً ولكن لطروف تقتضيها مصلحة معينة فيلجأ الفقيه إلى المنع تبعاً لقاعدة “سد الذرائع”.
فعلى سبيل المثال من غير إطالة “حكم المشاركة السياسية للمرأة”، عند النظر نجد أن النصوص الشرعية لا تمنع هذه المشاركة في كثير من صورها على الأقل، وهنا قد يأتي الفقيه ويمنع المشاركة لاعتبارات زمانية ومكانية وبيئية فيكون من المناسب أن يستخدم فقه سد الذرائع في منع المرأة من المشاركة السياسية هذا من طرف، أما الجانب المقابل فهو التوسع في الأحكام والترخص الذي قد يدخل الإنسان في الحرام ويمنع حصول التقوى التي هي أصل في الأحكام الشرعية، فما من حكم في الشريعة إلا وتجد في نهايته “لعلكم تتقون” أو غيرها من الآيات في المعنى نفسه، ولكن من الاضطراب في التعامل مع الأحكام الشرعية نرى أنه بدلاً من أن يكون فقه الضرورة عارض يصبح هو الأصل، فعلى سبيل المثال في موضوع البيوع نقول أنه مع كثرة المؤسسات الاقتصادية التي تسعى إلى الكسب الحلال من خلال الاستفادة من الصحوة العامة للمجتمع نجد هناك من يبحث عن الفتاوى القائمة على المخارج الشرعية من أجل إضفاء صبغة البيع على الأقراض والاقتراض الربوي، ناهيك عن الأمور المتعلقة بالجشع والاستغلال لاحتياجات الناس وإدخالهم في دوامة الديون، وإرضائهم بفقه الحيل الشرعية، الذي سمي بعد ذلك في هذه المسألة بفقه المخارج الشرعية، ولزيادة التوضيح سنتعرض لما يسمى “بالتورق” الذي لم يسلم منه إلا القليل من الناس، فتحت ضغط الحياة الذي ألزمنا أنفسنا به، ضاعت تقسيمات الفقهاء حيث كانوا يقسمون معاش الناس إلى “حاجيات وتحسينات وضروريات” ولكن مع التوسع في المباح وحب الدنيا وبهرجها، نقل الناس “الحاجيات والتحسينات إلى الضروريات” فكانت كل حياتهم داخله تحت الضرورة.
| زكاة مال أول عشرة مليارديرات عرب قد تكفي لإنهاء حالة الفقر في العالم العربي والعودة إلى عصر عمر بن عبدالعزيز. |
وأصبح المفتي الذي يبحث عن الرمزية الاجتماعية يسهل للناس الأحكام تحت مسمى “فقه الضرورة” ولخطورة مسألة الربا واضطراب الناس فيها، نذكر حديث البخاري فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه سولم قال:” ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، من حلال أم من حرام” وفي رواية في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا فمن لم يأكله ناله منه غباره” وقد وجدنا أن بعض المؤسسات الاقتصادية الاسلامية استخدمت صيغة ” التورق” مخرجاً للإقراض والاقتراض من الربا، وهنا يحسن أن نذكر القول الوسط في موضوع الحيل، لأن التورق داخل فيما يسمى بفقه الحيل الذي فيه حلال وفيه حرام.
قال الإمام الشاطبي في الموافقات 3/285:” الحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها، مما هدم أصلاً شرعياً، وناقض مصلحة شرعية، فإن فُرض أن الحيلة لا تهدم أصلاً شرعياً ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها فغير داخلة في النهي” أهـ
نعم فالتحايل على الأحكام الشرعية بقصد إرضاء النفس والتحايل لأكل الحرام وفعله، من الأمور التي حرمها الله تعال، فلا يجوز استخدامها بقصد إخراج الناس من الضيق وتوفير المال ولهذا قال ابن القيم:” من نوى بالبيع عقد الربا حصل له ولا يعصمه من ذلك صورة البيع”، وقال ابن قدامة رحمه الله في المغنى:” والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً، مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب” المفتي 4/62.
تعريف التورق وحكمه: هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري بنقد “كاش” لغير البائع للحصول على النقد”.
وهذا عند الفقهاء من بيوع المضطر، قال ابن القيم: عامة العينة إما تقع من رجل مضطر إلى نفقه، يضن بها عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو تورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق، وقد كرهه عمر بن عبدالعزيز وقال هو آخيه[1] الربا” ثم أكمل ابن القيم كلامه فقال:” وكان شيخنا رحمه الله “ابن تيميه” يمنع من مسألة التورق، ورُوجع فيها وأنا حاضر فلم يُرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حُرم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدني وتبيح ما هو أعلى منه” أهـ أعلام الموقعين 3/182.
ومن احتج بقول الإمام أحمد بأن في التورق “كراهة” فهو لم يكمل المسألة فعن الإمام أحمد كما قال ابن القيم روايتا الحرمة والكراهة، والجواز مع الكراهة يكون للمضطر وليس لكل من رغب في المال لشراء ما تشتهيه نفسه أو يتوسع في تجارته، فهذا ليس اضطراراً” كما أن ما تمت إجازته من قبل أعضاء مجلس الفقه الاسلامي لا ينطبق على الممارس اليوم عند البعض فقد اشترط المجتمعون على اشتراط التملك والحيازة لبائع السلعة لمشتريها من البنك، ولكن عند النظر في التورق نرى أن السلعة التي يتعامل بها البنك هي النقد الذي مفترض أن يكون مقياسياً لإقيام السلع فيما بينها، كما يلاحظ أن الممارس في عملية التورق في المؤسسات الاقتصادية يقوم على تداول السلع شراءً وبيعاً وفق ما يعرف بسوق المعادن والبضائع الدولي “البورصة” أي الاتجار في أوراق ومستندات الاستلام والتسليم للسلع المباعة، أي لا يوجد حيازة تملك ولا قبض للسلع المشتراة والمباعة وإنما يتم التداول حسب وثائق يتم تبادلها ضمن آلية معينة تتولاها بيوت السمسرة، وهذا يتم على أساس بيع العقود في أسواق عقود السلع، ولتوضيح الصورة نقول:- محمد “يريد الحصول على المال من البنك، فيقوم البنك وفق اتفاق مسبق مع محمد على شراء نفط أو ألمنيوم من السوق العالمية “البورصة” بـ 100د.ك نقدي “كاش” ثم يبيعها لمحمد بـ 120د.ك بالأجل، ثم يقوم ببيعها لصالح محمد نقدي “كاش” في الأسواق العالمية بـ 100د.ك.
| من الاضطراب الاقتصادي تطبيق فتاوى فقه الضرورات على سلع الحاجيات والتحسينات. |
ومن النظر نتبين أن التورق مثال واضح للاضطراب في نوع من أنواع البيوع المتداولة في الأوساط الملتزمة!!
الاضطراب الإعلامي
يعكس الإعلام واقع المجتمع وكل أنواع الاضطرابات التي يعاني منها السياسية والاقتصادية، وقبل ذلك الاجتماعية بالدرجة الأولى، ففي المجال السياسي نجد كيف تستغل الدول بعض القنوات ذات الطابع الإخباري في تصفية حساباتها مع الدول الشقيقة والصديقة من خلال التحريض عليها والتركيز الإعلامي على مثالبها وسيئاتها وسلبياتها وكشف عوراتها، واستخدام المال السياسي وأجهزة الأمن والاستخبارات في تحقيق الاختراقات للمؤسسات الإعلامية، وما فضيحة “كوبونات النفط” إلا حلقة في سلسلة تطول يعلمها الراسخون في علم القبض والدفع، ناهيك عن الاضطراب الواضح في ترتيب أولويات الإعلام العربي.
ففي الوقت الذي تدك فيه البلدان العربية والإسلامية بالصواريخ والمدافع نجد الإعلام العربي يلد أكثر من عشرة قنوات فضائية متخصصة في الغناء، وكأننا اكتسحنا العالم ولم يبق إلا أن نحتفل بهذه القنوات وبهذا الأسلوب الماجن، ناهيك عن سيطرة المعادلة التجارية السوقية، وتمجيد النماذج التافهة، بل وتعدى الأمر إلى الهجوم على عقيدة المسلمين وعدم التواني في طرح مواضيع لو طرحت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع جميع الصحابة لمناقشتها، وخاصة فيما يتعلق بالعقيدة وهي مواضيع حساسة اللبس فيها قد يؤدي إلى تشويش الناس في عقائدهم.
ولعلنا هنا نأخذ أحدث مثال على الاضطراب الإعلامي، وما يسمى بتلفزيون الواقع المرير، وما حدث خلال الأيام الماضية حول برنامج “ستار أكاديمي” ففي حين يمكن رصد المتغيرات الاجتماعية في حياة الشعوب بالدول المتقدمة من خلال الاستبيانات العلمية الدقيقة وغير المنحازة صناديق الانتخابات النظيفة، فإننا نجد أن رصد التغيرات الاجتماعية من دول العالم الثالث من خلال التجمعات التي تحدث في الشوارع والمطارات، وكم أشعر بالحزن الشديد أنه في يوم وصول ما اسموه نجم ستار أكاديمي إلى البلد وتم تجيير الصحافة حتى بصفحاتها الأولى لإبراز هذا الانجاز الكبير، أقول في اليوم الذي وجه الإعلام أنظار الجميع إلى هذا النوع من البطولات الزائفة، نجد خبراً ينشر على استحياء عن مخترع كويتي يدعى أمير ياسين العلي فاز بمديالية ذهبية في مسابقة معرض جنيف الدولي الثاني والثلاثون للاختراعات حيث استطاع اختراع جهاز شفط للحريق وتحويله إلى طاقة تولد التدفئة والتبريد، وقد استلهم فكرة الاختراع من الكارثة النفطية التي حلت ببلده الكويت بعدما أشعل النظام العراقي السابق آبار النفط الكويتي عام 1991، فكانت مفارقة مؤلمة بين الاعتزاز بالبطولة المزيفة، وإهمال البطولة الحقيقية فيا حسرة على العباد.
| في الدول المتقدمة يتم رصد المتغيرات الاجتماعية عبر الاستبيانات العلمية، ولدينا يتم رصدها عبر التجمعات في الشوارع والمطارات!! |
وأود أن أنوه في هذا الموضوع بالطرح الرصين والمتزن والعقلاني للأقلام الاسلامية في الصحافة الكويتية وهي تتناول موضوع “ستار أكاديمي” بكل اقتدار وأنوه هنا بما كتبه النائب الفاضل وليد الطبطبائي في جريدة الوطن والأخ فيصل الزامل بمقاله في جريدة الأنباء تحت عنوان:” بعد أن مرت عاصفة ستار أكاديمي”، والأخ عصام الفليج في مقاله بجريدة الوطن تحت عنوان: “خدعوك فقالوا ادعم بشار” فكانت مقالات تفيض بالحجج المنطقية والاستدلالات العقلية على خطورة ما يجري وآثاره المدمرة على المدى القريب والبعيد، خاصة في اختراق العقل العربي وتمرير الفاحشة وتزيين السقوط الأخلاقي تحت مسميات براقة وخادعة، فعلى كل منا تحمل مسؤولياته تجاه أسرته وأبنائه خاصة المراهقين والمراهقات منهم.
وكم كنا نتمنى أن تنقل لنا هذه الفضائيات ثورة الغرب الجديدة في العودة إلى العفة، حيث ظهرت في باريس حركة اجتماعية جديدة تضم آلاف الأعضاء تحت اسم “الحب الحقيقي يستطيع الانتظار” وهي حركة تلحق في أهدافها حركة موجودة أصلاً في الولايات المتحدة ويصل عدد أعضائها إلى ربع مليون شاب وفتاة جميعهم هدفهم واحد وهو الحفاظ على العفة.
كما كنا نتمنى أن تتبنى جهة إعلامية مهمة القيام بإنتاج فني مقارب لفكرة فيلم “آلام المسيح” تتحدث عن شخصيات تكاد تكون أسطورية في التاريخ الإسلامي كابن تيمية في الفقه وابن خلدون في علم الاجتماع، وأسد بن الفرات في الجهاد، وغيرهم الكثير من الشخصيات التي تعتبر من الدرر التي ينتظر من يكتشفها، ولكن أين هو الفارس في هذا الميدان والذي أعتقد أنه لن يخسر في المعادلة التجارية إذا أتقن صنعته، ونحن بالانتظار.
[1] وهي ما تربط به الدابة ومدفون في الأارض.

