“لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر”       

بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

       من الأخطاء الاستراتيجية التي يقع فيها بعض الساسة العرب في تعاملهم مع اليهود هي في محاولاتهم  التعامل مع الطرف اليهودي من خلال تطبيق النظريات السياسية المعروفة في عالم السياسة لتحقيق مكاسب سياسية لصالح القضية الفلسطينية، مع إغفال عوامل أخرى مهمة كامنة في التكوين النفسي اليهودي، ولا بد من التمعن فيها ومعرفة خفاياها للحصول على بعض مفاتيح التعامل مع المجتمع اليهودي وساسته الخبثاء، وأنا أعتقد أن القرآن الكريم مصدر أساسي وهام جداً في معرفة الشخصية اليهودية وكيفية التعامل معها، وكأنها كتاب مفتوح تقرأه بسهولة ويمكن كشف وفضح ألاعيبها وخدعها وحيلها والتفافها حول الاتفاقيات والقرارات الدولية.

سياسة الانعزال حالة أصيلة في النفسية اليهودية، ولا تخص حزب إسرائيلي بعينه فقادة حزب العمل هم من تبنى فكرة الجدار، لكن قادة حزب الليكود هم من نفذوا الفكرة.

ومن يتمعن في القصص القرآني بشكل أكثر دقة وتخصصاً يلاحظ أن القرآن قد أفرد مساحات كبيرة للحوار حول اليهود وطبيعتهم سواء كانت مواقفهم مع سيدنا موسى أو مواقفهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في السيرة النبوية، كما نجد أن القرآن عندما يورد سيرة اليهود يفصل ما بين آية وأخرى بآية تقرر حقيقة مؤكدة في طبيعة الشخصية اليهودية، ونجد مثلاً القرآن الكريم في سورة الحشر يشير إلى طبيعة اليهود في القتال، فقال سبحانه وتعالى يشرح إحدى طبائع اليهود:”لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون”[1].

       ويعلق الأستاذ سيد قطب – رحمه الله- تعليقاً لطيفاً على الآية فيقول:” وما تزال الأيام تكشف حقيقة الإعجاز في “تشخيص” حالة المنافقين وأهل الكتاب حينما التقى المؤمنون بهم في أي زمان وفي أي مكان، بشكل واضح للعيان، ولقد شهدت الاشتباكات الأخيرة في الأرض المقدسة بين المؤمنين الفدائيين وبين اليهود مصداق هذا الخبر بصورة عجيبة، فما كانوا يقاتلونهم إلا في المستعمرات المحصنة في أرض فلسطين، فإذا انكشفوا لحظة واحدة ولوا الأدبار كالجرذان، حتى لكأن هذه الآية نزلت فيهم ابتداء، وسبحان الله العليم الخبير! 

      

بعض المعارضين اليهود للجدار اعتبروا بناء الجدار اعترافاً واضحاً بهزيمة الآلة العسكرية اليهودية أمام ضربات المقاومة، والعجز عن مواجهتها والقضاء عليها.

وتبقى الملامح النفسية الأخرى “بأسهم بينهم شديد” .. ” تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى” على خلاف المؤمنين الذين تتضامن أجيالهم، وتجمعهم آصرة الإيمان من وراء فواصل الزمان والمكان، والجنس والوطن والعشيرة… “ذلك بأنهم قوم لا يعقلون”[2]، ولذلك حرص يهود المدينة المنورة على إقامة الجدران حول قراهم لتصبح قلاعاً حصينة، مما يجعل اليهود شعباً يحب العزلة بطبيعته، مما أثر على الشخصية اليهودية.

ويتحدث الدكتور رشاد الشامي حول العزلة اليهودية فيقول:” ترجع التوراة، وهي السجل السياسي لتاريخ اليهود، تاريخ هذه العزلة الاختيارية إلى فترة إقامة بني إسرائيل في مصر حيث رسم لهم يوسف خطة الهجرة من أرض كنعان.. وقد أخذ الوجود اليهودي داخل المجتمعات القديمة وفي العصور الوسطى أشكالاً متعددة مثل “حارة اليهود” في مصر و”قاعة اليهود” أو المسبتة “نسبة إلى يوم السبت” في اليمن و”الملاح” في المغرب، أما في شرق أوروبا فإن مناطق الانعزال اليهودي اتخذت تسميات متعددة مثل:

أ- الشتتل: وتعني المدينة الصغيرة، وهو عبارة عن تجمع سكاني من اليهود يتراوح بين ألف وعشرين ألفاً، وكانت الحياة تدور فيه حول المعبد اليهودي، والمنزل اليهودي ثم السوق الذي يلتقي فيه اليهود بالأغيار “غير اليهود”…

ب- القاهال: وهي كلمة عبرية تعني الجمهور أو الطائفة اليهودية في إحدى مدن الشتات اليهودي، ويعني بها الخلية الأساسية لتنظيم حياة اليهود في مناطق إقامتهم، وكانت مهام القاهال مشابهة لمهام الدولة تجاه مواطنيها، وتعتبر تجسيداً للحكم الذاتي من قبل الحكومة.

 الجدار العازل ليس هو الوحيد الذي يقف في وجه الشعب الفلسطيني فهناك الجدار الأمريكي وجدار التخاذل العربي وجدار ثقافة الاستسلام.

ج- الجيتو: يعتبر الجيتو أشهر الأشكال الانعزالية اليهودية في العالم، بحيث أصبح يطلق على سبيل التعميم على كل شكل من أشكال الحياة اليهودية الانعزالية وسط الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها، أما بالنسبة لأصل كلمة جيتو، فإنه من المحتمل أن تكون الكلمة قد استخدمت للمرة الأولى لوصف حي من أحياء البندقية، والذي يقع بالقرب من مسبك لصهر المعادن يسمى “جيتو أوجتو” كان محاطاً بأسوار وبوابات في عام 1516 وخصص كمكان لإقامة الطائفة اليهودية.

       وكان هذا الحي مخصصاً لإقامة مائة شخص من اليهود وكان اليهود حتى ذلك الحين مشتتين في المدينة ويتعرضون للاستفزازات، وقد منحوا بناء على طلبهم حق البقاء في المدينة بشرط أن يتجمعوا في حي خاص “الجيتو الجديد” في جزيرة منعزلة بين قنوات المدينة.

       وكان الحي محاطاً بسور وبوابات وجسور تطوى خلال الليل، وبعد مرور خمس وعشرين سنة أضيفت إليه منطقة جديدة “الجيتو القديم” وتجمع فيه بصفة خاصة اليهود القادمون من الشرق، ومنذ ذلك الحين أطلق على هذين الحيين المغلقين اسماً موحداً هو “الجيتو”.

       وقد ظلت هذه العزلة الاختيارية من قبل اليهود قائمة إلى أن أصدر البابا بولس الرابع (1550- 1559) نشرة بابوية في عام 1555 توصي لأول مرة بعزل اليهود إجبارياً، واعتباراً من عام 1562 أطلق على هذه المؤسسة الجديدة بشكل رسمي الاسم الذي عرف به حى اليهود في البندقية “الجيتو”.

       وعلى أي الحالات، فإنه مع صدور قرار البابا بولس الرابع الخاص بإنشاء أحياء اليهود المنفصلة “الجيتو” تحول النظام الاجتماعي الاقتصادي الديني للحياة اليهودية القائم على العزلة إلى نظام إجباري.

       وقد كان لهذا التأكيد على العزلة بعض النتائج بالنسبة للواقع اليهودي الجيتوي نذكر منها:

أولاً: قلل من اختلاط اليهود بالمسيحيين يوماً بعد يوم، وبالتالي زادت الشبهات تجاه اليهود.

ثانياً: نظراً لقيود التوسع في مساحة الأحياء اليهودية والاضطرار إلى التوسع الرأسي بإضافة طوابق جديدة على المباني، التي كان معظمها آيلاً للسقوط، ازدادت نسبة الكثافة السكانية مما أدى إلى انحطاط وتدهور المستوى الاجتماعي للحياة، وتفشي الأمراض، وتراكم القاذورات، مما أثر أثراً عميقاً على وجدان اليهود القاطنين – بالجيتو- وعمق من انفصالهم عن العالم الخارجي، وانحصارهم داخل عالم يتصورون أن كل ما فيه يهودي خالص.

ثالثاً: انعدام الاحساس بالأمن لدى اليهود خارج  أسوار الجيتو، التي كان يقف عليها حراس من المسيحيين يلزمون بدفع أجورهم.

رابعاً: تعمق الاحساس  لدي اليهودي بأن الجيتو هو درع  الأمان للحفاظ على الجماعة اليهودية وشريعتها، وأن هذه الإقامة الانعزالية  هي الشرنقة التي تحافظ على حياته الروحية إلى أن يحين الوقت الذي يشاء فيه الرب إعادته إلى ما يسمى “أرض الميعاد” مع حلول الخلاص المسيحاني.

      

بسبب الجدار ضمت إسرائيل 10% من الضفة الغربية ودمّرت 83 ألف شجرة وعزلت 249 ألف مقدسي، والجدار مر مباشرة فوق مقابر الفلسطينيين في منطقة العيزرية.

كما لا يمكن فهم الطابع الانعزالي للحياة اليهودية دون إلقاء الضوء على دور الدين اليهودي داخل هذا النسق من الحياة، إن القوانين الدينية اليهودية المختلفة الخاصة بقوانين الطعام “الكاشير”، وتحريم الزواج المختلط، والختان، وصلاة الجماعة “لا يقل عن عشرة من المصلين ويسمى بالعبرية “المنيان”، وعادت الدفن الخاصة والعديد من المحظورات المقدسة التي تحرم متاع الدنيا وتوصف بعدم النظافة: لحم الحمل مع لبن أمه غير نظيف، والمرأة الحائض غير نظيفة، والسمك بدون زعانف غير نظيف، والجسد العاري غير نظيف…الخ.

       كل هذه القواعد القوانين والمحظورات التي لاقت استهزاء الآخرين، والتي فرضها حاخامات اليهود بتشدد لا يسمح بأي قدر من التجاوز هي التي عمقت من طابع العزلة اليهودية، وكانت تهدف إلى تذكير اليهودي بانفصاله وتميزه وتفرده” انتهى[3]

       ونتيجة لكل ذلك فقد اتصفت الشخصية اليهودية لهذه الانعزالية بعدة صفات سلبية مثل الانطوائية والكآبة والتشكك والتشاؤم والشعور بالدونية والعدوانية واللامبالاة والاحساس بالفشل والحساسية المفرطة للنقد والحاجة للمديح والإطراء…

       ولذلك فإن الجدار العنصري العازل الذي تقوم إسرائيل ببنائه يتناسب مع طبيعة الشخصية اليهودية، فبناء الجدار العازل تحول إلى صرعة شعبية يهودية استجاب لها ساسة اليهود لدوافع انتخابية، فقد أكد استطلاع لصحيفة معاريف نشر في            21/6/2002 أن 69% من الإسرائيلييين يؤيدون إنشاء الجدار، وهذه نسبة تكفي شارون لكي يتخذ قرار تنفيذ الجدار، وللحقيقة فإن العالم شهد سابقاً كثير من الجدران مثل جدار برلين الذي تم بناؤه في 13/8/1967 ليعزل الجزء الغربي الرأسمالي عن الجزء الشرقي الشيوعي واستمر قائماً طيلة 21 عاماً وثلاثة أشهـر قبل أن يتم تحطيمه في 9/11/1989 بعدما تهاوت  أنظمة أوروبا الشرقية، وقد شق الجدار العمارات وفصل بين المنزل وحديقته وبين الصديق وصديقه وبين الأب وابنه، وكان يحرس على مدار الساعة 14 ألف شخص معززين بحوالي 600 كلب بوليسي، وتم إطلاق 1693 طلقة نارية ناحية المتسللين ورغم ذلك نجح أكثر من 5 آلاف شخص في التسلل إلى ألمانيا الغربية من بينهم 574 عسكرياً.

       كما يوجد كذلك جدار بلفاست الذي أقامته القوات البريطانية ليفصل بين حيين في بلفاست بإيرلندا الشمالية حيث حي فالس حيث يوجد الكاثوليك وحي الشانكيل حيث يوجد  البروتستانت، وكما نذكر قبل سنوات كيف أصبح نهر “نيرتفا” يمثل حاجزاً طبيعياً فاصلاً بين مسلمي  البوسنة والكروات، ولكن هذه الجدران كانت لحل مشاكل قائمة وليس لها دوافع نفسية كامنة..

فكرة الجدار اليهودي

       إذن فكرة الجدار والانعزالية موجودة في العقل الباطن للشخصية اليهودية وهي تخرج إلى السطح في كل مشروع قومي يهودي أو عند مواجهة أي محنة أو أزمة، فعقلية الجيتو الصهيونية التي جسدها شعار “سوروبرج” في مراحل الاستيطان الأولى لا تزال تتحكم بعقلية السياسي الصهيوني، كما يعبر الجدار بوضوح عن النزعة الاستعلائية العنصرية السادية التي تتلذذ بمعاناة الشعب الفلسطيني.

       فقد كتب ثيودور هرتزل في كتابه “دولة اليهود” أن”دولتهم ستشكل “جزءاً من السور الأوروبي أمام آسيا، وهي نقطة انطلاق للحضارة ضد البربرية”، وفي عام 1937 تم تكليف تشارلز بتهارت الخبير البريطاني لشئون الإرهاب بوضع خطة لإقامة جدار على طول محاور الطرق الرئيسية من الحدود اللبنانية في الشمال وحتى بئر السبع، وكان جداراً من 4 طبقات وبارتفاع مترين على طول 80 كم وكلف المشروع في ذلك الوقت 60 مليون دولار، وقد تم هدم هذا الجدار من قبل سكان القرى الفلسطينيين  على جانبي الجدار، فعملية “الفصل” أو “العزل” استمرت في العقل الصهيوني ووردت عل لسان بن غوريون الذي كان أول رئيس وزراء لإسرائيل، وقد شارك هو بنفسه في بناء الجدار حول المستعمرات اليهودية فب ذلك الوقت كنوع من الأعمال التطوعية.

      

عرض الجدار مئة متر وارتفاعه ثلاثة أمتار، وسيمتد على 728 كم وسيكلف 8.5 مليار شيكل، وفيه أسلاك شائكة وحفر وسواتر وكاميرات تلفزيونية.

وجميعنا يذكر خط بارليف الذي أقامه الكيان الصهيوني بعد نكسة 67 ودكه الجيش المصري في حرب رمضان 1973، كما حاول اليهود في العشرين عاماً الماضية إقامة جدران عازلة ولكن من دون بناء مكلف، عندما طلبت السلطات اليهودية بعد الانتفاضة  الأولى إصدار تصاريح خاصة لكل فلسطيني يريد الدخول لأراضي 48، ثم تطور الأمر إلى نظام منع التجول، ثم إلى إقامة سياج أمني حول قطاع غزة وهو المعروف بالخط الأخضر، وفكرة الجدار العازل ليس لها علاقة بالأحزاب اليمينية اليسارية ولا تخص حزب  العمل أو حزب الليكود بل هي فكرة صهيونية متغلغلة في الشخصية اليهودية، فغداة نكسة 1967 طرح وزير المالية آنذاك “بنجامين سافير” فكرة الجدار، ويقال أن شارون منذ عام 1973 سعى لتحقيق هذا الهدف، وقد شارك كل من سافير وباراك وحاييم رامون وساحال وبن اليعاز وكلهم من قادة حزب العمل في تبني فكرة الجدار، إلا أن حزب الليكود هو من حول الفكرة إلى واقع.

       ففي مطلع عام 1994 وضع موشيه ساحال خطة لتنفيذ العزل أثناء توليه منصب وزير الشرطة حينما قال رئيس الوزراء الأسبق  إسحاق رابين “أخرجوا غزة من تل أبيب” ثم تقدم وزير الحرب السابق الصهيوني بنيامين بن اليعاز بخطة لبناء جدار فاصل بين الضفة الغربية وإسرائيل، وفي إبريل 2002 طالبت لجنة التوجيه الحكومية الإسرائيلية بسرعة إنشاء الجدار، وفي 23/6/2002 اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارها بإنشاء الجدار الفاصل، وذلك بعد فشل عملية “السور الواقي” في القضاء على البنية التحتية للمقاومة، وتأمل الحكومة الإسرائيلية من الانتهاء من بناء الجدار في نهاية عام 2005 حيث من المقرر أن يبلغ إجمالي طول الجدار 728 كم من غور الأردن حتى جنوب جبل الخليل، منها 106 كم تشمل المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.

مواصفات خاصة

والجدار الإسرائيلي  العازل ليس مجرد جدار مسلح بالإسمنت يفصل بين الضفة الغربية وبين الأراضي الفلسطينية لعام 1948، ويكفي أن نعلم مدى التكلفة الباهضة لبناء الجدار حتى ندرك التقنية والمخططات التي تقف خلفه فقد رفض شارون الحديث عن التكاليف الباهضة لبناء الجدار وطالب بالشروع الفوري في العمل بعد أن يتم تدبير المبلغ المطلوب حيث يقدر أن كل كيلومتر من الجدار يكلف بناؤه مليون دولار، وقد كشف نائب رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي اللواء غابي اشكنازي في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، أن مجكمل تكاليف بناء الجدار ستصل إلى 8.5 مليار شيكل، ورغم ذلك فهناك إصرار إسرائيلي على بناء الجدار حيث صرح المدير العام بوزارة الدفاع الإسرائيلية اللواء احتياط عاموس يارون في مؤتمر صحفي أن “العالم لن يقرر إذا كنا سنبني الجدار أم لا… الجدار سيبنى”.

 ومشروع الجدار يمتد على 3 مراحل، ويبلغ عرضه من 80 إلى 100 متر، وهي مكونة من منشآت على جانبي الجدار تحتوي علىأسلاك شائكة لولبية وخندق بعرض أربعة أمتار وعمق خمسة أمتار تأتي مباشرة عقب الأسلاك ثم شارع مسفلت بعرض 12م لعلميات المراقبة والاستطلاع، ثم  شارع مغطى بالتراب والرمل الناعم بعرض 4م لكشف آثار المتسللين، ثم الجدار نفسه وهو جدار اسمنتي يعلوه سياج معدني الكتروني بارتفاع أكثر من 3 أمتار، مركبة عليه أجهزة إنذار الكترونية وكاميرات وأضواء كاشفة، ثم تثبيت أسلحة رشاشات بالجدار ذات مناظير تحوي كاميرات تلفزيونية صغيرة يمكن التحكم فيها من مواقع للمراقبة عن بعد!

أهداف خطيرة

       على الرغم من المواقف الدولية الرافضة لبناء الجدار- باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية طبعاً- فإن إسرائيل ماضية في إقامة الجدار غير مبالية بأي طرف، حتى أن الأمم المتحدة انتقدت الجدار أكثر من مرة وفي أكثر من تقرير كما انتقده الصليب الأحمر الدولي والمنظمة الأمريكية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية، كما أدانته مرجعيات مسيحية مثل بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني ورئيس أساقفة الكنيسة الانجليكانية روان ويليامز، كما إن مسئول البنك الدولي في الضفة الغربية وغزة “نيجل روبرتس” انتقد الجدار معتبراً أنه يزيد من معاناة الشعب الفلسطيني وسيؤثر تأثير سلبي على التجارة والعمل والخدمات الاجتماعية، وأفاد مسئول البنك الدولي أن 70قرية فلسطينية صغيرة وكبيرة ستتم الإحاطة بها وعزلها عند إتمام العمل بالجدار حيث يصل تعداد سكان هذه القرى إلى 213 ألف نسمة.

      

 95% من عمليات التسلل للمقاومة كانت من خلال نقاط العبور وليس عبر الحقول، والمقاومة قادرة على حفر الأنفاق، أو الطيران الخفيف فوق الجدار أو حتى دكه بالمدافع ولن تعجز.

وتهدف إسرائيل من خلال  بناء الجدار إلى تحقيق عدة أهداف أمنية وسياسية واقتصادية وجغرافية، فعلى الصعيد الأمني يهدف الجدار إلى منع المتسللين من  أفراد المقاومة عن الوصول إلى داخل العمق الإسرائيلي  والقيام بعلميات “استشهادية” كما يقسم  الجدار الضفة إلى أربعة كانتونات معزولة تسيطر إسرائيل على محيطها وتترك للفلسطينيين إدارة شئونهم الداخلية.

       وعلى الصعيد السياسي فإن بناء الجدار سيساهم أولاً في إزاحة الخط الأخضر الفاصل بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية وإلغاؤه في مناطق كثيرة تمهيداً إلى إلغاء حدود 1976، كما يقضي الجدار على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة ضمن حدود 1967م.

       أما الأهداف الجغرافية فتشمل ضم أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية خالية من سكانها إلى كيانهم الصهيوني بشكل نهائي، وضم المستوطنات القريبة من الخط الأخضر إلى إسرائيل بدلاً من تفكيكها وإلغاؤها، وخلق وقائع مادية ملموسة على الأرض لاستخدامها في أي مفاوضات قادمة للحل النهائي، وضمان سيطرة الدولة العبرية التامة على عبور الأشخاص والبضائع وعزل التجمعات الفلسطينية، حيث تشير النتائج إلى فصل 30 تجمعاً فلسطينياً  عن المراكز الصحية و22 تجمعاً تم فصلها عن المدارس و11 تجمعاً تم فصلها من الخدمة الهاتفية و8 تجمعات تم فصلها عن شبكة المياه و3 تجمعات تم فصلها عن المحول الرئيسي لشبكة الكهرباء، بالإضافة إلى تهجير أكثر من 1400 أسرة فلسطينية وحصار عشرات القرى والبلدات الفلسطينية بين الجدار والخط الأخضر.

       أما بالنسبة للأهداف الاقتصادية فهي في غاية الأهمية للدولة العبرية، حيث ضمت إسرائيل أكثر من 10% من الأراضي الفلسطينية الأكثر خصوبة وغنىً بالماء في الضفة الغربية كما تسعى إسرائيل للاستيلاء علىأكثر من 45% من مساحة الضفة، حيث بلغت الاراضي المصادرة والمجرفة خدمة لهذا الجدار حوالي 187 ألف دونم معظمها في محافظات جنين “التي يسميها اليهود مدينة الانتحاريين” وقليقيلية والقدس، وقد ألحق الجدار أضراراً بثلاثة وخمسين تجمعاً فلسطينياً ودمر 83 ألف شجرة و37كم من شبكات الري، و15 كم من الطرق الزراعية، كما سيؤدي إلى فقدان أكثر من 5000 شخص فلسطيني لوظائفهم وتدمير صناعة زيت الزيتون والفواكه والخضروات في تلك المناطق…

       أما أخطر ما في موضوع الجدار العازل فهو تأثيره المباشر على القدس فهو يعزل القدس الشرقية تماماً عن بقية الضفة ويعزل 249 ألف مقدسي كذلك عن الضفة الغربية ويعزل نحو 15 ألف مقدسي عن القدس بسبب سكنهم في مخيم قلنديا وكفر عقب شمال القدس، ومن العجيب أن المقبرة الفلسطينية في العيزرية ستنقسم بسبب الجدار إلى جزئين حيث يمر الجدار مباشرة فوق مقابر الفلسطينيين.

الجدار سيفشل

       رغم كل الأهداف السياسية والأمنية والجغرافية والاقتصادية المرصودة، وقبل ذلك النفسية الآمنة التي تأمل الدولة العبرية أن يحققها الجدار للشعب اليهودي إلا أنه ليس من المتوقع أن ينجح الجدار في تحقيق تلك الأهداف، فعلى الصعيد الأمني فإن بناء الجدار ينطوي على اعتراف بالهزيمة أمام المقاومة والعجز عن مواجهتها بالأساليب العسكرية خاصة بعد فشل عملية “السور الواقي” في القضاء على البنية التحتية للمقاومة، وهو اعتراف شاروني بعدم القدرة على مواجهة قوة المقاومة القادرة على الصمود ورد الضربات الموجعة بأوجع منها رغم شراسة الهجوم عليها.

كما إن الأمن لن يتحقق لليهود في فلسطين، حيث أن المقاومة قادرة على إبداع العديد من الوسائل للتغلب على الجدار، حيث ستبقى المستوطنات التي خارج الجدار هدفاً جيداً وسهلاً للمقاومة، كما إن تجنيد استشهاديين من القدس والمناطق المكتظة بالسكان تبقى واردة، بالإضافة إلى أن المعطيات الأمنية تدل على أن 95% من منفذي عمليات المقاومة قد اجتازوا عبر المعابر وليس عبر الحقول المفتوحة حيث سيتم بناء الجدار، وعلى إسرائيل أن تنتبه أن ليس هناك ما يمنع المقاومة من إطلاق نيران المدفعية على الجدار وخصوصاً إن لدى المقاومة أسلحة قادرة على تنفيذ هذه المهمة كحركة حماس “صواريخ القسام” وغيرها، وهذا مما يرفع الحاجة إلى زيادة حجم القوات المطلوبة لحراسة الجدار، ناهيك عن تفكير المقاومة في تجنيد شبان من أراضي 1948 أو حفر الأنفاق أو استخدام وسائل الطيران الخفيفة.،

وفي الطرف المقابل هناك العديد من الشخصيات الإسرائيلية التي انتقدت فكرة بناء الجدار ومدى الفائدة التي تعود على  الدولة العبرية والشعب اليهودي، فقد صرح “آفي إيتام” زعيم حزب المفدال:” إن الجدار انتصار كبير (للإرهاب) وسيكون رمز للهزيمة العسكرية الإسرائيلية أمامه، فهذا ليس جداراً أمنياً بل رسماً لخط انسحاب في إطاره ستقوم دولة إرهاب” وأضاف قائلاً:” أي إنجاز يريده الفلسطينيون أكثر مما حققوه بإجبارنا على الانغلاق خلف الجدران الاسمنتية والأسلاك الشائكة” أما “بنحاس فالنتشاين” أحد قادة المستوطنين في الضفة الغربية فقد وصف الجدار بجدار معسكر “أوشفتيز” وهو أحد مراكز الاعتقال التي أقامها النازيون لليهود في بولندا أوائل الأربعينيات مضيفاً إن الفرق المهم هو أن “أوشفيتز” بناه أعداؤنا أما هذا الجدار فنحن الذي نقيمه لأنفسنا.،

كما عبرت بعض العناصر اليمينية المتشددة عن رفضها للجدار لعدة أسباب منها الخطر الذي يمثله الجدار على القوات التي ستتولى المراقبة والحراسة حيث اعتبروا وجود السور وسط سكان عرب سيدفع الجهود الإسرائيلية إلى حراسة السور بدلاً من أن يحرسهم هو، كما اعتبر عضو الكنيست إيلي كوهين:” أن النتيجة الفورية لبناء ذلك الجدار هي وقوع عمليات ضد المستوطنين، إنني أسمي هذا الجدار جدار الوهم”.

فقد اعتبر الناطق باسم مجلس المستوطنين الجدار عودة إلى حدود 67، وكذلك اعتبر نائب الليكود في الكنيست “يوبيل شتاينتش” أن الجدار كارثة من ناحية دولة إسرائيل مع انعدام الفائدة الأمنية، وحتى الصحافة الإسرائيلية شاركت في التصدي للجدار.

فقد كتب الكاتب الصهيوني “ب. ميخائيل” في صحيفة “يديعوت أحرنوت” بتاريخ 31/10/2003:” أن الأمن ليس سوى ذريعة واهية لبناء الجدار، وأن حكومة شارون تخفي وراءها دوافع أخرى حقيقية على رأسها مصادرة الأراضي وزيادة معاناة الشعب الفلسطيني لإخضاعه، ولكنه لن يؤدي مطلقاً إلى وقوف العمليات (الانتحارية) وتحقيق الأمن لليهود، بل سيشكل دافعاً جداداً للشعب الفلسطيني لاستمرار المقاومة”.

الجدار دليل ضعف

 يا سادة الخطأ لم يكن في تبني خيار المقاومة والجهاد، ولكن الخطأ في استعمال هذا الخيار لتثبيت الكراسي وقمع الجماهير وسرقة مقدراتها!

وأخيراً لا بد أن نعلن إن إقامة الجدار دليل ضعف للدولة العبرية وليس دليل قوة، فالكيان الصهيوني قد حاصر نفسه فعلياً عن محيطه داخل فلسطين وخارجها بدلاً من حالة التمدد الجغرافي الذي حلم به الصهاينة “من الفرات إلى النيل” وهذا يشكل تراجعاً على الصعيد الأيدلوجي الصهيوني، سواء على صعيد ما سمي بأرض الميعاد أم على صعيد حلم “إسرائيل الكبرى”.

كما أن وصول الجدار إلى محكمة لاهاي بحد ذاتها إدانة للفكر اليهودي العنصري والانعزالي ناهيك عن السمعة السيئة التي تكسبها إسرائيل في العالم وخاصة لدى الشعوب، وبالذات الشعوب التي كانت في السابق مصنفة أنها مؤيدة للدولة العبرية مثل شعوب أوروبا التي أظهرت الاستبيانات الأخيرة أن الغالبة تعتبر إسرائيل خطراً على السلام العالمي.

نقطة أخيرة هامة ضروري التنبيه عليها وهي أن تراجع فكرة إسرائيل الكبرى وتقوقعها خلف الجدار انتصار واضح لخيار المقاومة وليس لخيار المفاوضات، فإقامة الجدار يعتبر مرحلة أولى لتراجع اليهود إلى الداخل وسقوط فكر التمدد الجغرافي، وهي نتيجة طبيعية لمسيرة طويلة من التضحيات والدماء والصمود التي قدمها الشعب الفلسطيني والذي بلا شك يستحق كل دعم ومعونة، وكنا نتمنى أن تعلن جهات التخاذل والاستسلام أن خياراتها لم تكن موفقة، وأن العودة إلى خيار المقاومة الجادة والباسلة وليس على طريقة الأنظمة العربية التي أحبطت الناس وكرهتهم في المقاومة والجهاد بعد عدد من الحروب العبثية غير الجادة والتي استنزقت طاقات الأمة وجهودها، فلم يكن يا سادة الخطأ في اعتماد المقاومة كاستراتيجية للتحرير، ولكن الخطأ أن هذه الاستراتيجية لم تكن تنفذ إلا لتثبيت الكراسي وقمع الجماهير وسرقة مقدراتها، وهنا تكمن المفارقة!!.            

 

المراجع :

[1] سورة الحشر: 14

[2] في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب – ج6- ص3529

 [3] كتاب:”الشخصية اليهودية الاسرائيلية والروح العدوانية”  للأستاذ رشاد الشامي– دار الهلال ديسمبر 2002-