بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
قد لا يعلم كثير من الناس ممن يخوضون في قضية الجهاد، أن الجهاد بمفهومه الواسع أكبر من مجرد “القتال” في ساحة المعركة، فهو نوع من أنواع الجهاد الكثيرة، فهناك جهاد باللسان ببيان شرائع الإسلام ودحض الأباطيل عن الإسلام، والقيام بواجب التبليغ للعالم كله، وهناك الجهاد بالمال بإنفاقه في وجوه الخير، وهناك الجهاد بالنفس في أرض المعركة وقتال أعداء الله، وهو من فروض الكفاية في الأحوال العادية.
ويصبح من فروض العين إذا احتل الكفار بلداً من بلاد الإسلام أو إذا استنفر إمام المسلمين للجهاد، فجهاد الدفع يختلف عن جهاد الطلب، وإن كان كلا النوعين يحتاجان إلى الإعداد المادي والمعنوي، فجهاد الطلب يحتاج إلى وجود القوة في العدة والعتاد والأرض الآمنة التي ينطلق منها المجاهدون في سبيل الله.
| الجهاد بمفهومه الواسع أكبر من مجرد القتال في ساحة معركة، وعلينا التفريق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب. |
وفي وقتنا المعاصر لا تعين أوضاع الأمة المستضعفة على جهاد الطلب، أما جهاد الدفع ، فهو قتال مفروض على المسلمين حين يتصدون للكفار المحتلين لبلادهم ومثال ذلك ما يحدث في أرض فلسطين، كما إن جهاد الدفع ينطلق من الظروف والإمكانات المتوفرة ومهما كانت ضعيفة لرد العدوان.
ومن الأهمية القصوى تقديم دراسة جدوى عن حال الأمة من حيث نقاط القوة والضعف، والمخاطر المحيطة والفرص المتاحة، وهي لا تخلو من ثلاث:
الحالة الأولى: حالة القوة والمنعة والتمكين والظهور في الأرض، والأمة بهذه الحالة مأمورة بالقيام بجهاد الدفع وجهاد الطلب لنشر دين الله وتبليغه إلى الناس.
الحالة الثانية: حالة الضعف الشديد، وهي بهذه الحالة مأمورة بترك الجهاد والصبر على الأذى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية، فقد كف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية يده وترك جهاد كفار قريش، واكتفى في تلك المرحلة بجهاد اللسان والبيان، وتحمل في سبيل دعوته هو وأصحابه الكرام أصنافاً من الأذى والعذاب.
وقد يعود حكمة ذلك إلى تأسيس الجيل الأول للدعوة تأسيساً صلباً على العقيدة الصحيحة وممارسة الصبر وضبط النفس، وأن تقوم حجة التبليغ على المشركين، فيأخذ البلاغ وقته الكافي لرد حجم الكفار وشبهاتهم مع بيان حقيقة العقيدة والإسلام وحقيقة سبيل المجرمين، حتى يمتاز أهل الحق عن أهل الباطل، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيى عن بينة، ناهيك عن ضعف المسلمين وقلة عددهم في تلك الفترة مما يعني أن أية مواجهة مع كفار قريش نتيجتها نهاية الدعوة وهي في مهدها.
أما الحالة الثالثة للأمة الإسلامية فهي الحالة الوسطى والتي ينبني عليها جهاد الدفع دون جهاد الطلب.
*وفي مقابل تلك الحالات الثلاثة نجد أن للكفار أربعة حالات:
الحالة الأولى: الكافر الذمي، وهو الذي يعيش في بلاد المسلمين، ويوفر له الحماية والأمان نظير دفعه للجزية وهذه الحالة لا وجود لها في الوقت الحاضر.
والحالة الثانية: حالة الكافر المعاهد، وهو الذي يدخل بلاد المسلمين بموجب عهد، وهذه حالة معظم الكفار في البلاد الإسلامية اليوم، وهؤلاء لا يجوز التعرض لهم فدماؤهم وأموالهم معصومة.
والحالة الثالثة: الكافر المسـتأمن وهو الكافر الذي يدخل إلى بلاد المسلمين بموجب أمان من ولي الأمر أو من أفراد المسلمين حتى قال بعض الفقهاء: ولو كان الأمان من إمرأة، لما ورد في قول النبي صلى الله عليه وسلم:” قد أجرنا من أجرت يا أم هاني” وحتى لو كان هذا الكافر حربياً ولكنه حصل على الأمان فله دخول بلاد المسلمين بموجب الأمان الذي أعطي له، وذلك حرصاً من الشريعة الإسلامية بالحفظ على العهود والمواثيق.
| عندما أطلق ملك التتار أسرى المسلمين، لم يرض شيخ الإسلام ابن تيمية إلا أن يطلق له أهل الذين من اليهود والنصارى. |
أما الحالة الرابعة: فهو الكافر الحربي الذي ليس بينه وبين المسلمين أي عهد أو ميثاق أو أمان، فهو يحارب بجهاد الدفع إن جاء بلاد المسلمين غازياً، أما جهاد الطلب فلا يسمح واقع الأمة الآن بالقيام به.
وكان الإسلام قد أعطى أهل الذمة من الحقوق ما يجعل أي ذمي يعيش في أرض المسلمين وهم في أمان تام وكرامة إنسانية قل نظيرها، ومن تلك الحقوق:
1- المحافظة على أموالهم، ودمائهم وأعراضهم.
2- حرية العبادة في معابدهم.
3- يحصلوا من الحقوق العامة ما يعطى للمسلمين.
4- يجب حمايتهم من كل اعتداء مع رفع الظلم عنهم والدفاع عن أنفسهم وأموالهم.
ومن المواقف الرائدة التي يذكرها التاريخ في حفظ حقوق أهل الذمة أن التتار لما غزوا بلاد الإسلام، ووقع كثير من المسلمين والنصارى في أسرهم، ثم عادت الغلبة للمسلمين، ودان ملوكهم بالإسلام، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية أمير التتار بإطلاق الأسرى، فسمح له الأمير التتاري بفك أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح بفك أسرى أهل الذمة، فقال شيخ الإسلام: لا بد من فك الأسرى من اليهود والنصارى لأنهم أهل ذمتنا، فأطلقهم له.
وللجهاد ضوابط وأحكام مشروحة في كتب الفقه كأن تكون النية خالصة لوجه الله تعالى فهي عبادة تحتاج إلى نية وإلى مراعاة وموافقة ضوابط الشريعة، كما يجب أن يعرف المجاهد أحكام الجهاد وفقهه، مع معرفة المصالح والمفاسد وإتقان التعامل مع القواعد الشرعية العامة في الشريعة مثل قاعدة لا ضرر ولا ضرار، واحتمال أخف الضررين ومراعاة المآل واعتباره وتقديم الأهم أو الأولى وغيرها من القواعد التي سردها العلماء وشرحوها في كتب الفقه وأصوله حتى لا تظل الأفهام ولا تزيغ، فمن المهم الرجوع إلى العلماء الثقاة لفهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وسبل استنباط الأحكام الفقهية منها وإسقاط الحكم على واقعه الصحيح، ولا يجوز أخذ الأمور على ظواهرها.
فلو أخذنا الحديث الذي ورد في الصحيحين الذي ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” أخرجوا المشركين من جزيرة العرب” فإن العلماء فهموا منه فهوماً مختلفة، فالمشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة إن المراد من هذا الحديث، مكة والمدينة، وقال بعض العلماء أن المقصود بالحديث هو من أقام من المشركين إقامة كاملة في جزيرة العرب وليس من يأتي لعمل ونمو ثم يذهب بعد انقضاء عمله.
ودليل ذلك قدوم بعض الوفود غير المسلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما إن الذي قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أبو لؤلؤة المجوسي وكان موجوداً في المدينة، فالحديث إذاً موضع آراء وأقوال بين العلماء، ولسنا هنا بصدد الترجيح بين هذه الأقوال وإنما بصدد لفت الانتباه إلى ضرورة فهم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ومعرفة رأي العلماء فيها قبل أن نبني حكماً على أي حديث أو آية لمجرد فهمنا الشخصي المجرد من وسائل العلم الشرعية المعتبرة، فسبب هذه القضية ضلت طوائف كثيرة، ومنهم الخوارج الذي سفكوا دماء المسلمين واستحلوا أرواحهم واعتبروا ما قاموا به جهاداً في سبيل الله، وتطاولوا حتى قتلوا الخلفاء الراشدين.
حتى لا يتعطل الجهاد
ما نريد أن نقوله أن الخوض في القضايا التي ينبني عليها دماء وحقوق وأعراض وأقوال واستباحة للحريات لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يتم بناء على تلاوة آية أو قراءة حديث أو حتى مدارسة كتاب في فقه الجهاد، فالمسألة أكبر من ذلك بكثير، وخصوصاً في هذا العصر التي كثرت فيه المصالح وتشعبت وتعقدت فيه علاقات الدول، وتم بناء نظام عالمي يقوم على تبادل المصالح وافتتاح السفارات وتوقيع العقود والمواثيق.
فهذه أمور لا ينبغي على من مدعي العلم الشرعي أو ممن تثقفوا ثقافة ذاتية في الموضوع بعيداً عن الأصول العلمية، أن يتبوؤا مناصب القيادة والإفتاء وتوجيه الأمة دون الرجوع لعلماء الأمة السابقين والمعاصرين حتى يتبينوا الخيط الأبيض من الخيط الأسود في المسألة المطروحة، وإلا كانت النتيجة أن تجر فئة من المسلمين الأمة كلها إلى مواجهة لا طاقة لها به، وتكون نتائجها كارثية على كل المستويات، وها نحن بعد ثلاث سنوات من ذكرى 11 سبتمبر نرى دول الإسلام تسقط دولة دولة حتى أصبح العدو يرى ضرورة التدخل في معتقدات الناس، وتحول التخطيط إلى شبكة عنكبوتية عملاقة وخطيرة لا يطلع عليه حتى العالمين ببواطن الأمور، حيث تنفذ هذه الشبكة على نوافذ عديدة تطل منها على العالم الإسلامي وتسعى لتغييره فمنها من يطل على نافذة الإعلام فترى نوعية القنوات الفضائية التي تبث وأهدافها ومراميها وأسلوب صياغة الأخبار فيها، ونرى نافذة أخرى تطل على التعليم والمعاهد الشرعية، ونافذة ثالثة على صناعة الترفيه والمهرجانات الغنائية وقنوات اللحم الرخيص التي تسعى بأخلاق وعفة شباب وفتيات الأمة إلى الهاوية.
| الجهاد سبيل للحياة الفرعية التي لا تستدل فيها الأمة لعددها، وترك الجهاد متى اكتملت شروطه وضوابطه من علامات النفاق. |
نحن لا نريد أن يتحول الجهاد ذلك الشرف الرفيع إلى بلاء على الأمة كما لا نريد هذه الممارسات المشوهة للجهاد أن تصبح أعذاراً وحججاً للذين يريدون القضاء على هذه الفريضة الربانية، فالجهاد ضروري لبقاء المسلمين أمة لا تخضع لأطماع الطامعين والحاقدين والمنافقين، فترك الجهاد سبب للمذلة والهوان وضياع الديار وتسلط الأعداء على بلاد المسلمين، قال تعالى:” إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير”[1].
وقد قال بعض الفقهاء أن المقام في ثغور المسلمين أفضل والمجاورة في المساجد الثلاث لأن الرباط من جنس الجهاد والمجاورة غايتها أن يكون من جنس الحج، قال تعالى:” أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله”[2].
فترك الجهاد عند تعيّنه كبيرة من الكبائر، وهو إلقاء للنفس إلى التهلكة، فالتهلكة لا كما يفهمها الناس، بل هي الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، حيث يفشو الظلم ويعلو الكفر ويستعبد الناس بعضهم بعضاً، ويحل الذل والهوان بديار المسلمين.
قال ابن حجر الهيتمي في كتابه” الزواجر عن اقتراف الكبائر” :” الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلاثمائة: ترك الجهاد بعد تعينه، بأن دخل الحربيون دار الإسلام أو أخذوا مسلماً وأمكن تخليصه منهم، وترك الناس الجهاد من أصله، وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليهم من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين”.
ولذلك كان ترك الجهاد من علامات النفاق، حيث قال رسول الله صلى اله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم:” من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق”.
ثمار الجهاد
وحرص الإسلام على إقامة قضية الجهاد نابع عن ثماره الطيبة، فالجهاد فرصة عظيمة لإظهار حقيقة الولاء والمحبة لله عزوجل، وصدق العبودية له سبحانه، كما أن الجهاد من الوسائل التي تمكن من نشر التوحيد والعقيدة التي يهنأ الناس في ظلاها وتسعد البشرية بمنهجها، وهو السبيل لحياة عزيزة كريمة للشعوب الإسلامية لا تستذل فيها لعدو ولا تهان بسبب عدوان، وقد يغفل كثير من الناس عن أن الجهاد في سبيل إعلاء كلمته من أعظم وسائل تربية النفس وتزكيتها ظاهراً وباطناً والسمو بها نحو المكارم، وهو السبيل أيضاً لوحدة صف المسلمين واجتماع كلمتهم.
ولكل هذا فإن تعطيل فريضة الجهاد والفرار من الزحف متى تعين الجهاد يعتبر من الكبائر، وهؤلاء المخذلون الذين يتمحكون بالفوضى القائمة لم يقولوا كلمة حق في واجب الجهاد متى اكتملت شروطه وأركانه، ولهذا فهم يستغلون الأوضاع الحالية لشن هجوم منظم على الجهاد بكل أصنافه وأنواعه ومواقعه بعد أن رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وتجدهم في منتدياتهم ومواقعهم ومقالاتهم يضعون كل فعل جهادي في سلة واحدة، فلا يفرقون بين فعل أرعن طائش أدانه جميع علماء الأمة وبين جهاد كريم شريف لطرد المحتل وتحرير الأرض، وتارة تجدهم يتعذرون بالفترة المكية، وتارة أخرى بإذن ولي الأمر.
| المخذلون يستغلون الفوضى الحالية لشن هجوم على فريضة هجوم على فريضة الجهاد ويضعون المحسن والمسيء في سلة واحدة. |
يقول الإمام أحمد بن إبراهيم الدمشقي الدمياطي الذي استشهد في عام 814هـ في كتابه “مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق” (طبعة1-ص367):” الجهاد بغير إذن الإمام أو نائبه مكروه، ولكنه ليس حراماً، وتستثني من الكراهة الحالات التالية:
الأولى: إذا استأذن الواحد أو الجماعة للجهاد فات المقصود، لأن الجهاد حالة قائمة ماسة لا تنتظر التأخير والاستئذان.
الثانية: إذا عطل الإمام الجهاد وأقبل هو وجنوده على الدنيا، مما هو مشاهد في هذه الأعصار والأمصار، “وكان ذلك في القرن التاسع الهجري” فلا كراهة في الجهاد بغير إذن الإمام، لأن الإمام معطل للجهاد، والمجاهدون يقومون بالفرض المعطل.
قال ابن قدامة في المغنى (10/374): إن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحة الجهاد تفوت بتأخيره00 كما يمنع الأمير الشخص المخذل من الخروج مع الجيش، فإن خرج رده الأمير.
والمخذل: هو الذي يخوف الناس، كأن يقول: عدونا كثير، وخيولنا ضعيفة ولا طاقة لنا بهم، والمرجف قريب من المخذل، وهو الذي ينشر الإشاعات والأراجيف، كأن يقول: أقبلت سرية العدو من كذا، أو جاءهم مدد من كذا”.
المراجع:
[1] سورة التوبة: 39
[2] سورة التوية: 19

