بقلم:الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

كان حجراً كبيراً ذلك الذي ألقاه رحيل عرفات في بحر المفاوضات الهامد في المشهد العربي- الصهيوني، ويبدو أن موت عرفات كان أشبه ما يكون بالحياة لدعاة السلام من جديد، بعد أن تحولت آمالهم في مشاريع السلام إلى جثث هامدة تتساقط مع تساقط القذائف الإسرائيلية على بيوت الفلسطينيين في غزة وجنين وبقية المدن الفلسطينية المنكوبة بالمحتل الغاصب وببعض القيادات المتاجرة بآمال وأحلام التحرر والاستقلال.

مثّل رحيل عرفات حجراً كبيراً في بحر المفاوضات الهامد في المشهد العربي الصهيوني.

المشهد الجديد للسلام بالمنطقة أشبه بالقطار المتوقف في محطة تعثر المفاوضات، حيث غادره المسافرين والركاب عدة سنوات فأغلقت المحطة، وانطفأت الأنوار وعلا الغبار على القطار والسكة الحديد، وما إن مات عرفات حتى نادى صاحب المحطة بالعمال والموظفين لكي يعودوا إلى أعمالهم ويجهزوا القطار للانطلاق من جديد على أمل بتعويض خسائر الفترة الماضية.

والمشهد في الشرق الأوسط لا يختلف كثيراً عن محطة القطار، وهناك رغبة واضحة لدى مختلف الفرقاء في تحريك المسار الفلسطيني- الصهيوني، على أن تتبعه مسارات أخرى، للانتهاء من صداع الرأس المزمن الذي تسببه القضية الفلسطينية لليهود والأمريكان والسلطة الفلسطينية والأنظمة العربية، فهو إجماع غير مسبوق على ضرورة اقتناص اللحظة التاريخية لتصفية القضية والانتهاء من هذا الكابوس الذي يهدد عروش وكراسي كثيرة بالمنطقة بعضها يهتز أساساً بسبب الرغبة الأمريكية في الإصلاح أو قل في التغيير.

الجهة الوحيدة التي قد تشذ عن هذا التوجه المتحمس هي المقاومة الفلسطينية التي لا ترى في مشاريع السلام وسيلة صادقة لتحقيق كامل الحلم الفلسطيني  وبالتالي سوف تبقي جزء من المشكلة، وتأبى أن تصبح جزءاً من الحل، باعتبار أن رفض الركوب في قطار السلام خيار أفضل من السفر إلى جهة غير معلومة وخصوصاً إن الرحلات السابقة لقطار السلام كانت في الغالب تصل إلى سكك مسدودة!!.

هذا الوضع سيؤدي وبكل وضوح إلى عزلة حركات المقاومة المسلحة على المستوى السياسي باعتبارها تتمسك بخيار مرفوض، وبعد أن كانت حركات المقاومة ابتداءاً تواجه خصماً واحداً في بداياتها المسلحة ممثلاً بإسرائيل، انضمت إلى مواجهتها وعلى استحياء وبفترات متفاوتة السلطة الفلسطينية بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية التي جرمت حركات المقاومة ووضعتها على لائحة الإرهاب.

 هناك إجماع غير مسبوق لاقتناص اللحظة التاريخية الراهنة لتصفية القضية الفلسطينية قبل أن تطير كراسي وعروش.

كما انضمت على استحياء وبسرية مخدوشة بعض الأنظمة العربية التي تريد أن تؤمن نفسها، وقد وضح ذلك من خلال تعاون استخباراتي أثمر في اغتيال بعض شخصيات المقاومة الفاعلة.

إذن خيارات المقاومة المسلحة في فلسطين أصبحت في غاية الصعوبة، وليس لها من نصير من بعد الله سبحانه وتعالى، إلا الشعوب المغلوبة على أمرها وبعض من هوامش الحركة السياسية الذي يسمح بها الوضع الإقليمي، ومن الواضح وبعد تبلور التحركات السلمية في المنطقة وخاصة في حال توصلها إلى أرضية مشتركة، إلى أن المقاومة ستواجه خيارين لا ثالث لهما:

الأول: خيار التضحية بمنهج الجهاد والكفاح المسلح والتحول إلى العمل السلمي والانضمام إلى قافلة المتسولين على أبواب البيت الأبيض، في انتظار عطف الراعي الأمريكي وقبوله بركوب هذا الوافد الجديد في قطار السلام وهو خيار لو تم الأخذ به، سينهي مصداقية حركات المقاومة تماماً، وستكون النتيجة النهائية المؤكدة الاضمحلال والتلاشي، لأن السلطة الفلسطينية تحظى أولاً بإجماع دولي، وقبول رسمي على المستوى العربي، وموارد مالية ضخمة وعلاقات سياسية معقدة، بينما حركات المقاومة تفتقد كل هذه المميزات مما يجعلها في النهاية تتبنى ما نسميه خيار “العدم”.

الثاني: أما الخيار الثاني، وهو المتوقع، فهو الاستمرار بالمقاومة وعدم الرضوح للضغوط الصهيونية والأمريكية والفلسطينية والعربية، وهذا يجعلها في المستقبل أمام خيار وحيد وهو خيار “التصفية” وسيتم التعامل مع المقاومة باعتبارها “عدوة للشعب الفلسطيني” وهو ما يجعل الأمور تصل إلى نقطة اللاعودة، وقد يفجر ذلك حرباً فلسطينية أهلية مصحوبة بعمل جهادي ينحى إلى السرية وقد يمتد إلى المصالح الصهيونية في أي مكان، خارج فلسطين، دون إعلان جهة التنفيذ كجزء من حرب المقاومة السرية.

 رفض ركوب قطار السلام خيار أفضل لدى البعض من السفر إلى جهة غير معلومة وخصوصاً إن الرحلات السابقة كانت تصل إلى طرق مسدودة.

كما إن هذا الخيار يطرح احتمالية تعاون استخباراتي واسع بين الدولة الصهيونية وبعض الأنظمة العربية لملاحقة التيارات الجهادية داخل فلسطين، مدعوماً بإعلام مكثف لتجريم كل من يعمل على “هدم الحلم الفلسطيني ويحول دون تحقيقه” وهو وضع أشبه بالتعامل الحالي مع المقاومة العراقية التي تحرص وسائل الإعلام على إبراز التيارات المتطرفة فيها، وممارسة التعتيم الإعلامي على تيارات المقاومة الأخرى.    

حجج دعاة السلام

       وحتى تكتمل الحلقة على حركات المقاومة الجهادية في فلسطين فإن دعاة السلام سينشرون وبالتزامن مع مفاوضات السلام “ثقافة السلام” من خلال إطلاق الحجج المؤيدة لمشاريع السلام والتي منها مثلاً:

1- أن الأوضاع العربية لا يمكنها في الوقت الحالي مواجهة إسرائيل ومعارضتها، فهي في ضعف اقتصادي كبير، ومشاكل داخلية متعددة إضافة إلى الضعف العسكري والعداوات فيما بين الدول العربية نفسها.

2- يجب استغلال هذه الفرصة لتفريغ مجتمعاتنا للتطوير والتنمية التي تحتاجها بدلاً من الدخول في حروب استنزاف تئد برامج التنمية المختلفة.

3- انتهاج مبدأ “خذ وطالب..” ومن خلاله نتدرج في استرداد الحقوق خطوة خطوة، بدلاً من أن نخسر كل شيء، ولو أننا قبلنا بالتقسيمات السابقة باتباع هذا الأسلوب لكنا حافظنا على مكتسبات كبيرة.

4- أنه تم تجريب الحلول التي يريدها المعارضون عن طريق استرجاع الحقوق بالقـوة وعـدم التنـازل عن أي شـيء، فكانت النتيجـة أن وصـلنا إلى هـذه الحالة.

5- التحول الجيد في العقلية العربية في التفاوض والمحاورة الواقعية بعيداً عن الأحلام، والتخلص من قضية رفع الشعارات والسياسات العنترية باسم تحرير المقدسات التي استغلتها قيادات عربية لتبرير أخطائها المتعددة.

6- كسب بعض الشيء أحسن من أن نخسر كل شيء نتيجة لأوضاعنا الحالية.

7- وضع هوية ودولة للفلسطينيين يكون من خلالها تكوين الذات لاسترداد الحقوق مستقبلاً، وجعلهم يواجهون تحديات المستقبل بأنفسهم.

8- تكرار إلقاء سؤال : ما هو الحل البديل؟ وكيف أيها المعارضون؟ ومن خلاله يتم اتهام المعارضين بعدم وجود حل لديهم، وأنهم مازالوا يعيشون الأوهام السابقة، وبعدهم عن النظرة الواقعية والموضوعية.

خيارات المقاومة مريرة: إما التضحية بمنهج الكفاح المسلح أو التصفية على أيدي دعاة السلام.

التضحية المرفوضة

في المقابل فإن حركات المقاومة الفلسطينية، وبشكل أدق الإسلامية منها وخاصة حركة المقاومة الإسلامية حماس تجد من الاستحالة بمكان لهذه الرغبات المتعددة الأطراف التي تريد نزع أسلحتها وإلغاء فريضة الجهاد من برامجها، فحركات المقاومة قدمت الكثير من التضحيات والدماء في سبيل الحفاظ على المنهج الذي ينحصر في خروج المحتل عن طريق المقاومة المستمرة، وما يجعل حركات المقاومة الإسلامية عصية على التطويع والذوبان والانضمام إلى مشاريع السلام والاستسلام أربعة أمور هي:

1-أن حركة المقاومة الإسلامية امتداد لتيارات إسلامية عريقة لها جذور فكرية متأصلة في مقاومة المحتل الصهيوني منذ قيام كيانه الهزيل على أرض فلسطين والتي شهدت أرضها حركة القسام الجهادية وحركة الإخوان في عام 1948 قبل أن يزج بهم في السجن.

2-تنطلق حركة المقاومة من قاعدة دينية صلبة، وهذه القاعدة لها فقهها وقواعدها الشرعية ومبادؤها، والتفريط في هذه الثوابت يعتبر تفريطاً ببعض ثوابت الإسلام، والفتاوى التي تناولت حكم الصلح مع اليهود والتنازل عن الأرض المسلمة واضحة الحرمة لا لبس فيها، والفتاوى التي شذت عن ذلك صدرت بضغوط سياسية ومردود عليها ولا تصمد حجتها أمام سيل الأدلة والبراهين من القرآن والسنة.

3-ثمار مشاريع السلام لا زالت هزيلة، وكمية العنف التي مارستها إسرائيل منذ انطلاق قطار السلام، وعدد المستوطنات التي بنتها وكمية الضحايا والمآسي التي خلفتها إسرائيل في المجتمع الفلسطيني والآلام والجراح البدنية والنفسية التي أصابت الشعب الفلسطيني من هذا العدو المتغطرس لا تشجع أبداً في تدعيم هذا التوجه، خصوصاً مع فقدان الراعي المحايد لعملية السلام، حيث تتبنى الإدارة الأمريكية وجهة النظر الإسرائيلية كاملة غير منقوصة وعلى طول الخط، وخصوصاً إن الإدارة الأمريكية وضعت تنظيم القاعدة وحركة حماس في سلة واحدة على الرغم من الفروقات الواضحة في المنهج وساحة الصراع والضوابط الأصولية التي يلتزم بها كل طرف.    

 كانت المقاومة في السابق تواجه إسرائيل منفردة، والآن تواجه أيضاً أمريكا والسلطة وبعض الأنظمة العربية.

4-حجم التضحيات التي قدمتها الحركة من دماء قادتها وأبنائها وأدبياتها لا تعطي أدنى انطباع بأي توجه حالي أو مستقبلي للحركة للتضحية بالخيار الجهادي، وأقصى ما قدمته الحركة في ذلك المجال اقتراح هدنة مؤقتة لا تلتزم فيها بأي اعتراف من أي نوع بإسرائيل مقابل بعض الشروط الصعبة التي تعود بالفوائد على الشعب الفلسطيني، وكل من يراجع أدبيات حماس مثلاً يجد استراتيجية المقاومة ثابتة في برنامج عملها ففي المادة السابقة من ميثاق حماس نجد أن “حركة المقاومة حلقة من حلقات الجهاد في مواجهة الغزوة الصهيونية تتصل وترتبط بانطلاقة الشهيد عزالدين القسام، وترتبط بجهاد الفلسطينيين وجهاد الإخوان المسلمين عام1948، والعمليات الجهادية للإخوان المسلمين عام 1968”.

       وأما المادة الثالثة عشرة:”تتعارض المبادرات وما يسمى بالحلول السلمية والمؤثرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حماس، لا حل لقضية فلسطين إلا بالجهاد”.

       وإذا رجعنا إلى أدبيات قادة الحركة ومناضيلها لرأينا تأكيداً أو ثباتاً على هذا الاتجاه، فالمجاهد الشيخ أحمد ياسين أعد رسالة لإرسالها إلى القمة العربية – التي كان مزمعاً انعقادها في تونس بتاريخ 28/3/2004 –قبل استشهاده في 22/3/2004 يقول فيها رحمه الله:” وإني أناشدكم أن تأخذ القمة بعين الاعتبار القضايا التالية التي تخدم القضية الفلسطينية:

الواقعية التي يريدون بسببها تسويق عملية السلام، إنما هي ثمار طبيعية لممارسات سياسية رديئة استمرت عقوداً طويلة.

أولاً: أرض فلسطين أرض عربية إسلامية اغتصبت بقوة السلاح من قبل اليهود الصهاينة، ولن تعود إلا بقوة السلاح، وهي أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن شبر منها حتى وإن كنا لا نملك الآن القوة اللازمة لتحريرها”.

       أما الشهيد الرنتيسي فهو مع “الجهاد إلى التحرير ودحر الاحتلال، إلى تطهير المسجد الأقصى من الغاصبين إلى تحرير الأحبة الأسرى من ذل القيد، إلى حماية أطفالنا ونسائنا وشبابنا وشيوخنا، إلى وقف العدوان المستمر بكل أشكاله والمتمثل بهذا التخريب الذي يقوم به المفسدون في الأرض، نحن على يقين بأن الجهاد الذي ارتفعت رأيته في فلسطين لن يتوقف إلا بتحرير آخر شبر منها، وتطهيرها كاملة من دنس الاحتلال، فمعركتنا طويلة ولكن مضمونة النتائج، وأمضى أسلحتنا الصبر والتقوى”.

       ومن وصية الشهيد صلاح شحادة قبل استشهاده:” أوصيكم بتقوى الله والجهاد في سبيله، وأن تجعلوا فلسطين أمانة في أعناقكم وأعناق أبنائكم إلى أن يصدح الآذان في شواطيء يافا وحيفا وعسقلان”.

       ومن وصية الشهيد يحيى عياش يقول فيها:” مستحيل أن أغادر فلسطين، فقد نذرت نفسي لله ثم لهذا الدين إما نصر وإما شهادة، إن الحرب ضد الكيان الصهيوني يجب أن تستمر إلى أن يخرج اليهود من كل أرض فلسطين”.   

السيناريو المتوقع

وبناء على الخيار السابق للمقاومة في فلسطين وهو الاستمرار باستراتيجية الجهاد فإن السيناريو المتوقع لمحاولة تصفية المقاومة تتمحور حول النقاط التالية: 

1-إنهاء الانتفاضة ورموزها.

2-القضاء على النشاط الإسلامي وتجفيف منابعه.

3-شن حرب شرسة على الأخلاق، ويرتبط بها سياسة التجويع والتجهيل.

4-إنهاء أي صورة من صور المعارضة لمشاريع السلام ومحاولة ضرب الإسلاميين بشتى  الوسائل.

كيف يمكن أن تحقق مشاريع التسوية نتائجها ما دام الراعي الرئيسي يتبنى وجهة النظر الإسرائيلية كاملة وعلى طول الخط.

       لقد نصت الملاحق السرية لاتفاقية أوسلو على محاربة الإسلام والنشاط الإسلامي، وبذلت السلطة  في ذلك جهوداً كبيرة شملت تصفية رموز الإسلاميين ومطاردتهم خصوصا أصحاب الجناح العسكري، كما شملت تشديد الخناق والاعتقالات والتعذيب، ومن جهة أخرى عملت  السلطة على إقفال الجمعيات والمؤسسات الإسلامية على الساحة، وإبعاد الخطباء النشطين، حتى إن الخطيب لا يسمح له بالقيام بخطبتي جمعة متتاليتين، لقد بدأت السلطة باكراً بهذه السياسة، ومن المفارقات أن يكون من أولويات السلطة إنشاء المعتقلات والسجون والتشديد الأمني قبل أن تبدأ بأي شيء من البنى التحتية التي يفتقدها الناس.

ولهذا وبمجرد استلام رجال المنظمة للسلطة تم استيراد بعض فرق الباليه من روسيا، فضلاً عن استقدام الفنانات؛ بينما أهملت البنية التحتية: الكهرباء، والماء.

كما قامت السلطة بعمل ترميم وبناء لدور السينما التي دمرت خلال الانتفاضة، فبدأت سينما النصر في غزة تعمل بعد ترميمها، وفي إطار إنجازاتها قامت السلطة بتشييد الكازينوهات مثل: كازينو زهرة المدائن، وكازينو النورس وعددها في ازدياد، وقد كان لسهى الطويل زوجة عرفات دور أساس في إنشاء هذه الكازينوهات ورعايتها، كما تقوم قوات الشرطة الفلسطينية بحراسة هذه الكازينوهات؛ ويكفي أن نذكِّر بأحد منجزات السلطة وهو مـشروع الكازينو الضخم في أريحا ويحوي صالة من أكبر صالات القمار في العالم، وعُملت له دعاية ضخمة، واستُقدمت إحدى الممثلات الأمريكيات لافتتاحه، وهكذا وكأن الشعب الفلسطيني لا ينقصه إلا مشاهدة الأفلام والكازينوهات؛ وهذا شيء بسيط من إفرازات أوسلو أو الاتفاقات اليهودية الفلسطينية.

       وكلنا يذكر بعض ملامح هذه الحرب على المقاومة التي كانت من جهودها إحباط ما لا يقل عن 80 هجوماً ضد أهداف  إسرائيلية في عام 1995 فقط، وسوف تستمر هذه الحرب على المقاومة للتغطية عن هدف آخر وهو خيبة الأمل في نتائج الاستراتيجية التي تتبناها دعاة السلام، والعجيب أن دعاة السلام يتحولون إلى حمائم  سلام في مواجهة اليهود وصقور حرب في مواجهة بني جلدتهم من المقاومين على الرغم من أن المتفاوض الفلسطيني لم يجن شيئاً حتى الآن، ويتوقع ألا يجني شيئاً ذا بال، فمازال العدو يماطل فيما وعد به وفي الوقت نفسه يضرب بيد من حديد على إخواننا في الأرض المحتلة، ويسوم الناشطين في مقاومته سوء العذاب، ولا يمر يوم إلا وقد قام بقتل عدد من رجال المقاومة الإسلامية الرافضين لتطبيع العلاقات معه.

كما تناسي العملية السلمية (فلسطينيي المهجر) ، أما قوة الأمن الفلسطينية التي أعدت لتقوم بالأمن وضرب كل معارض لتوجه (السلام) ستقوم بالدور الصهيوني نفسه وسيكون ضحيتها أبناء فلسطين فهل هذا في مصلحة هذا الشعب، أم أنها ستأتي بالمزيد من المعاناة والمزيد من الشقاق والمزيد من المواقف المؤدية إلى ردود الأفعال الشديدة.. والمستفيد الأول هو العدو نفسه ناهيك عن ظهور الميول الخفية للعلاقات مع اليهود بشكل سافر ، حتى أن بعض الدول العربية تستعجل تطبيع العلاقات الاقتصادية مع العدو والتبادل التجاري معه بأقصى ما يمكن، وصـار للعدو الصهـيوني أدوار أكثر فاعلية في العمل الاستخباراتي وصارت جواسيسه تصول وتجول في بعض الدول العربية وذلك بدعوى أنهم وفود شعبية أو ثقافية أو حتى ادعاء (أنهم وفود يهودية لا صهيونية)!!.

 رأس المقاومة الفلسطينية هو المطلوب رقم واحد ومن السذاجة أن تصل المفاوضات إلى خط النهاية دون تحقيق هذا الهدف، وهنا تمكن العقدة.

وعلى هذا سيسعى دعاة السلام إلى حصار المقاومة من خلال ثلاثة محاور:

الأول: محور تصفية البنية العسكرية (كتائب القسام).

الثاني: محور التفكيك السياسي.

الثالث: محور إرباك حماس في الخارج.

ويشمل ذلك:

1- تكثيف الجهد الاستخباري نحو اختراق التنظيم السري لكتائب القسام باستخدام وسائل جديدة.

2- التصفية الجسدية لعدد من قادة (التنظيم) وعلى فترات متباعدة (وبلا تردد) غم ما يجره ذلك من عمليات انتقام، فلا بد من هدم المعنويات وتحطيم البنية النفسية التي تخطط وتعمل على تنفيذ العمليات.

3- رصد ومراقبة أساليب العمل والتنقل والتجنيد والاتصال وتبادل المعلومات بشأنها مع أجهزة الأمن في الدول المحيطة.

4- الضغط على وسائل الإعلام الفلسطينية وغيرها من أجل عدم تغطية الأعمال الإرهابية، بحيث لا تمجد منفذيها. 

5- ضرب العمل المسلح لحماس يكمن في التصفية الشاملة له على المدى البعيد، ولا شيء غير ذلك، فالتحجيم لهذا العمل مع السماح له بالبقاء ولو في أطر محدودة لا يكفي لقطع الطريق على المشروع البديل لدى المنتمين لحماس، كما أنه بات لا يقنع الإسرائيليين.

وكلنا يذكر ببعض ممارسات السلطة في هذا المجال ومنها:-

1- حظر نشاط الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية تحت شعار (تأمين الاستقرار والأمن).

2- شن نوع من الحرب الاجتماعية على الحركات الإسلامية شملت مداهمةً وإغلاقاً وتفتيشاً للمؤسسات الشعبية والتعليمية والصحية ذات الطابع الإسلامي، خصوصاً دور القرآن، والمساجد، ولجان الزكاة والصدقات، والجامعات، وبعض الجمعيات.. باعتبارها مراكز خيرية تغذي البنية التحتية للحركة.

فهناك ما يزيد عن (750) مسجداً في الضفة الغربية، إضافة إلى حوالي (400) في قطاع غزة. 

4- اتجاه آخر للحرب ضد الحركة الإسلامية تتمثل في محاولة السلطة إبراز جو من التناقض داخل هذه الحركة، وجَرَت محاولات لإظهار أشكال من الخلافات بين شخصيات (حماس) وتأكيد حدوث انشقاق داخلها (انسحاب شخصيات بارزة فيها لتشكل أحزاباً بديلة) ومحاولة الالتفاف على قيادتها واستمالة مقربين ومحسوبين عليها، والادعاء بأنها مشاركة باطلة وإبراز ما يسمى بالداخل والخارج أو على صعيد القيادتين العسكرية والسياسية داخل حماس.

     

 المقاومة الفلسطينية تعيش حالة حصار حقيقية، وعليها أن تتوقع الأسوأ، وتستعد للمزيد من السرية، ولن تعجزها حيلة عن الوصول لأهدافها.

  إننا نجد التبريرات التي سيقت من أجل الاستسلام لعملية السلام متهافتة وتشم منها رائحة التسليم لأعداء الأمة، والواقعية التي يريدون تسويقها إنما هي ثمار طبيعية لممارسات سياسية استمرت لعقود طويلة تتخذ من القضية الفلسطينية مبرراً لقمع الاصلاح الداخلي وتبديد الثروات الوطنية والتبرير لاستمرار التخلف والانفلات والاستبداد، وبالتالي لا يمكن تجاهل المبررات المنطقية التي يسوقها من يعارض عملية السلام خاصة من أصحاب النظرة الإسلامية والتي يمكن أن نذكر منها!!

1- خيانة القضية باعتبارها قضية دين أو عقيدة، لأن الاعتراف للعدو بحق الوجود على أرض فلسطين لا يمكن أن يقابله أي شئ، فكيف إذا كانت بنود السلام مجحفة وفيها ظلم واضح؟!

2- أن الطبيعة اليهودية من الوحي ومن التاريخ ومن الواقع تثبت أنها لا يمكن أن تلتزم بالمواثيق والعهود.

3- من أهم الأفكار التي تقوم عليها عمليات السلام، الوقوف في وجه الأصولية الإسلامية ومحاربتها والتضييق عليها، باسم معارضتهم لأفكار السلام!

4- خطورة الأمور التي ستحدث مستقبلاً، كعمليات التطبيع التي سينتج عنها اختراق كبير لمجتمعاتنا العربية والإسلامية في النواحي الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

5- أن تجارب الحروب والمواجهات السابقة لم تكن إلا من قيادات القومية العربية، وكان طبيعياً أن تفشل، أما حركات الجهاد الفعلي فإنها قادرة على تحقيق نتائج لولا إعاقات وخيانات البعض.

6- بقاء القضية معلقة الآن، أفضل من أن تحل بمثل هذه الحلول التي ستدفع ثمنها الأجيال القادمة.

تلك بعض المبررات وليس كلها التي يطرحها المعارضون لفكرة السلام مع اليهود.