بقلم: الشيخ جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

لا عجب أن يسموه بلاد الناي الحزين، حيث ليالي الصبر الطويلة وأقدار الحزن الممتدة عبر تاريخه الذي تحول إلى بوابة لكل القادمين من الشرق والغرب منذ بدأت الحضارة الإنسانية أبجدية الكتابة، فالعراق ذلك البلد المثقل بالأوجاع كان موطناً للألم منذ العصر السومري ثم البابلي حيث حمورابي ونبوخذ ثم الاستعمار الفارسي الذي بدأه الملك كورش الأول ثم الاسكندر المقدوني، حتى جاء الفتح الإسلامي وتوالت معارك الفتنة على أرض العراق.

وما إن انتهى العهد الأموي حتى جاء العصر العباسي وتوالى 37 خليفة كان آخرهم المستعصم بالله إلي انقرضت في أيام الدولة العباسية على يد هولاكو وبمساعدة خبيثة من ابن العلقمي، حتى دار الزمن دورته في العهد العثماني، ثم الاحتلال الصفوي للعراق أثناء صراعهم المرير مع العثمانيين بين عامي (1508) و(1638م) ثم جاء دور الجيش البريطاني لينقل العراق إلى العهود الحديثة التي شهدت هي الأخرى موجات من الانقلابات الثورية انتهى بها الحكم إلى يد صدام حسين الذي بقى خاطفاً للعراق وإرادة الإنسان العراقي وتاريخه وحضارته لأكثر من ثلاثة عقود ولم يترك سدة الحكم إلا بعد أن سلم البلاد للاحتلال الأمريكي البريطاني من جديد.

دماء العراقيين مستباحة بين نسخ معاصرة من ابن سبأ وابن ملجم.

      هذه اللمحة التاريخية تعرض بوضوح مدى التدمير والهلاك والتصدع الذي نال العراق أرضاً وشعباً ومجتمعاً، مما جعل الشخصية العراقية ذات طابع فريد تحدث عنها الجاحظ في البيان والتبين فقال:” إن العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء أنهم أهل نظر وفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث والتميير بين الرؤساء، وإظهار عيوب الأمراء.

      هذه الموجات البشرية الني مرت على العراق غازية ومحتلة تركت أطيافاً متشعبة واثنيات متنوعة امتزجت داخل الكيان العراقي، وأصبحت علاقاتها متعقدة متشابكة فتكون الشعب العراقي على مستوى الأعراق من العرب والصابئة والكلدان والسريان، والآشوريين والتركمان والأكراد والفرس والأرمن، ناهيك عن لغات عربية وكردية وتركية وسريانية وآشورية وأرمنية، وعلى مستوى الديانات يكاد يضم العراق كل ديانات العالم من مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين من كاثوليك ونساطرة وأرذثوذكس وبروتستانت ويهود وصابئة وبهائية وبائية وحتى عبدة شيطان، يضاف لهم تشكيلة من الأحزاب القومية والشيوعية والبعثية والرأسمالية والعلمانية” وعد وخربط”.

      هذه الفسيفساء المدهشة والمذهلة والتي تجعل من العراق أمم متحدة مصغرة، تعيش تنوع بيئي شديد الاختلاف فهناك الأنهار والجبال والصحاري والأهوار والبحار وهناك الزراعة والتجارة وصيد الأسماك ناهيك عن ثورات معدنية وبترولية وعقول قادرة على الإبداع.

      كل هذه المقدمة تجعلنا نستوعب التنوع الرهيب الموجود في الشخصية العراقية والتي يدعمها خبرات حضارية وتاريخية بعضها أصبحت كالدراما المأساوية مثل قتل الحسين رضي الله عنه، والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأصبحت العراق وكأنها تطبعت بحزن حادثة كربلاء، فتجد الثقافة العراقية لا تبدع إلا من خلال نوافذ الحزن والبكائيات.

      ولذا فمن الطبيعي أن يقول شاعر العراق معروف الرصافي قبل مئة عام في قصيدته سوء المنقلب:

            بغـداد حسبك رقـدة وسبـات

                              أو تمضـك هـذه النكبـات

            ولعت بك الأحداث حتى أصبحت

                              أدواء خطبـك ما لهن أساة

            قلب الزمـان إليك ظهـر مجنه

                              أفكان عنـدك للزمان ترات؟

      وجاء من بعدهىالشاعر محمد الجواهري ليكمل معلقه الحزن العراقية فيقول:

            لا تعجبـوا أن القوافـي حزينة

                              فكل بلادي في ثيـاب حداد

 

صدام والدوري والجزراوي

والعراق في الخمسين السنة الأخيرة لم تختلف عن العراق في الخمسة آلاف عاماً الماضية فبعد أن انتهى العذاب على يد صدام وعزت الدوري وطه الجزراوي جاء الدور ليأخذ العراقيون نصيبهم من العذاب في العهد الجديد عى يد المحتل الأمريكي وأياديه البيضاء في “أبو غريب” والمحتل العربي الزرقاوي وجماعته في الفلوجة حيث تشكيلة عجيبة أخرجت لنا هذا الوضع المأساوي على مستوى المثلث السني في العراق.

كيف يجيز مسلم لنفسه أن يقتل عشرات الأبرياء لكي يظفر بجرح أو قتل أمريكي واحد.

      لقد كنا نشاهد سقوط النظام العراقي وهو في الرمق الأخير، وكيف كان طه ياسين رمضان المشهور بالجزراوي يرفع عقيرته ويهدد وكأنه سيبتلع العالم بقدرات سيده السحرية، وكيف كان يخرج في المؤتمرات الصحفية ويلقي بالشتائم والبذاءات التي تليق بمستوى تفكيره وقذارة لسانه، كما رأيناه أيضاً عندما تحول إلى أرنب أليف بعد أن سقط بيد الأكراد وكان يظهر في الصور المرئية ذليلاً خانعاً مستسلماً، كأنه طفل برىء جاء إلى الحياة تواً.

      هذه الشخصيات المريضة للأسف هي التي كانت تحكم العراق وتتحكم بمصير ومستقبل الملايين حيث أدخلوا الشعب العراقي في حروب عبثية متتالية، لا معنى لها فقدم ملايين الضحايا غير المقابر الجماعية التي فاق عددها حتى الآن 260 مقبرة، كما تقدر عدد ضحاياه بأربعة ملايين مواطن عراقي خلال فترة حكمه المشئوم، ومثلهم في المهجر والغربة، ومن نجا من الموت والغربة وهم في رأي العراقيين مصير واحد، اضطر إلى البقاء تحت نير التقييد والسجن داخل أسوار الوطن مع منع الكلمة الحرة، ومنع السفر، ومنع البث الفضائي، ومنع الانترنت ومنع الهواتف النقالة، فضلاً عن نتائج مدمرة للحروب تسببت بكوارث اجتماعية تصدع بسببها نظام القيم والأخلاق، فزاد السلب والنهب، وتفاقمت الرشوة والمحسوبية وارتفعت نسبة الفقر والجوع، وتعمقت جروح العراقيين بداخلهم، وصارت العراق جمهورية للخوف، فأصبح الزوج يخاف من زوجته، والأب يخاف من ابنه والمعلم يخاف من تلميذه، والأم تخاف من طفلها والموظف يخاف من مديره، حتى أصبح الخوف سلاح صدام الأساسي في حكم العراق.

 ولذلك فليس من العجب أن يتعمد النظام العراقي السابق ما بين فترة وأخرى على تسريب بعض أشرطة الفيديو للإعدامات التي تتم وبث الإشاعات عن فشل المحاولات الانقلابية واعتقال منفذيها، حتى ييأس المواطن العراقي من إمكانية تغيير هذا النظام الرهيب، وقد خلق هذا الخوف المكبوت داخل النفس العراقية نزعة قوية واضحة نحو منافقة صاحب السلطة أياً كان موقعه للنجاة من البطش.      

نجاحات الزرقاوي

      واليوم بعد انتهاء هذا الإرث الدموي، كان قدر العراق أن يبدأ إرثاً دومياً جديداً لا يبدو في الوقت الحالي أية بوادر لانتهائه، بل هو معرض للتطور والاتساع لكن هذا العهد الجديد يختلف تماماً عن العهد الدموي السابق، وإن كان نسخة مكررة من اختراقات الإسلام من الداخل، بعد أن عجز عنه أعداؤه من الخارج رغم محاولاتهم المتكررة والمستمرة وهي مصداق للحديث النبوي الشريف الذي ورد في البخاري، فعن جابر بن عبدالله أنه لما نزل قول الله تعالى:” قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم” قال صلى الله عليه وسلم:”أعوذ بوجهك” ثم قوله تعالى:”أو من تحت أرجلكم ” قال صلى الله عليه وسلم:”أعوذ بوجهك” ثم قوله تعالى:” أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض” فقال صلى الله عليه وسلم:” هاتان أهون وأيسر”.

أما آن للزرقاوي وقياداته أن يقدموا أنفسهم لله بدلاً من أن يرسلوا مندوبين عنهم من المراهقين إلى الموت!!

      وفي تفسير القرطبي (جـ 7 ص221) قال ابن زيد في تفسير يلبسكم شيعاً:” الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء وسفك دماء بعضهم بعضاً” وفي تفسير البغوي (جـ2- ص104) يلبسكم شيعاً:”أي يخلطكم فرقاً ويبث فيكم الأهواء المختلفة ويذيق بعضكم بأس بعض يعني السيوف المختلفة، يقتل بعضكم بعضاً”.

      فأمة الإسلام ومنذ أيام الرسالة الأولى لم تخلو من مكر الأعداء وكيدهم ابتداءً من كفار قريش وحربهم ضد الدعوة حتى أنهم لحقوا بمن فر بدينه من المسلمين الأوائل إلى الحبشة وأرادوا أن يكيدوا لهم عند ملك الحبشة حتى يعيدهم إلى مكة، ثم المنافقون واليهود في المدينة المنورة ثم كيد الفرس والروم لهذا الدين، فالإسلام لم يخلو من إحدى حالتين:

حالة الضعف حيث يتكالب عليه الأعداء من كل حدب وصوب، وحال القوة وحينها يتحول الأعداء إلى الدس الباطني والانخراط في صفوف النفاق انتظاراً لفرصة سانحة تهيؤها الظروف للانقضاض على هذا الدين وأتباعه، ولا نجد دليلاً أقوى على صمود هذا الدين من أيام الردة التي تصدى لها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأيام الفتنة بخلق القرآن التي تصدى لها الإمام أحمد بن حنبل، ولا يمكن نسيان الهجمة المزدوجة للمغول من الشرق والصليبيين من الغرب في أضعف لحظات الإسلام وهناً، ورغم ذلك لم يتمكن الأعداء من استئصال بيضة الإسلام، وقد أدرك الأعداء إن العمل ضد هذا الدين من داخله ربما يكون أمضى سلاحاً من الهجوم المباشر عليه من الخارج.

 الحركة الإسلامية في العراق مدعوة اليوم إلى ما كان يجب أن تقوم به منذ سقوط النظام ولا تجامل فيه أحداً على حساب القيم والمبادىء.

الهجوم على الإسلام من الداخل

وهذه القاعدة الماكرة قد أدركها أعداء الإسلام منذ عهد الخلافة الراشدة الأولى فعندما أقدم أبو لؤلؤة المجوسي وبدعم من الهرمزان على قتل عمر بن الخطاب في صلاة الفجر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” الحمدلله أن لم يقتلني رجل سجد لله تعالى سجدة” هذه العبارة كانت من فطن وذكاء عمر وتفكيره الألمعي رضي الله عنه، فالذي أقدم على هذه الفعلة النكراء لم يكن من المسلمين، وبالتالي فهم لم يبدلوا ويغيروا ولم يصبحوا شيعاً  يقتل بعضهم بضعاً ولذلك سارت الأمور بأمة الإسلام في العهد الأول من خلافة عثمان سيراً حسناً، ولكن عندما تحركت السبئية وأنصارها من داخل الصف المسلم كانت النتيجة خطيرة جد خطيرة على وحدة المسلمين وتماسكهم وتآلفهم.

بين ابن سبأ وابن ملجم

 ومن العجيب أن يحرص بعض المعاصرين على إنكار وجود عبدالله بن سبأ، وكأنه يريد أن يقول أن البلاء من المسلمين منهم وفيهم وليس بسبب هذا الاندساس الخبيث في الصف الداخلي، فعبدالله بن سبأ مثبت في العديد من الروايات التاريخية وليس مجال ذكرها الآن، لكن الرجل باختصار من يهود أهل صنعاء باليمن أمه سوداء، فأعلن الإسلام زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين محاولاً ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد من أهل الشام فأخرجوه فبدأ مؤامرته بعيداً عن مركز الخلافة.

احتمالات تأجيل الانتخابات في العراق واردة والزرقاوي حجة جيدة للأمريكان للبقاء هناك.

وقد جاء في حلية الأولياء (جـ8 ص253) أنه قد “بلغ علياً أن ابن سبأ يفضله على أبي بكر وعمر فهم بقتله، فقيل له: أتقتل رجلاً إنما أجلك وفضلك، فقال: لا جرم لا يساكنني في بلده أنا فيها” فنفاه إلى المدائن وقيل إنه أحل قتله إن رآه عنده بعد ثلاثة أيام، ومن ترهات ابن سبأ ما نسب إليه في كتاب (التعريفات للجرجاني ص155) من أنه قال أن “علي لم يمت ولم يقتل وإنما قتل ابن ملجم شيطاناً تصور بصورة علي رضي الله عنه وعلي في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه وأنه ينزل بعد هذا إلى الأرض ويملؤها عدلاً والسبئيون يقولون عند سماع الرعد:” عليك السلام يا أمير المؤمنين).          

وإذا كان نموذج ابن سبأ نموذج المندس الخبيث بين صفوف المسلمين، فإن هناك من النماذج التي لا تنطوي على سوء نية وتعتقد أنها تخدم الإسلام خدمة عظيمة، بل وتضحي بدمها في سبيل ما تعتقد أنه خدمة في سبيل الإسلام، ثم تكون أعمالها وبالاً على الأمة، والأمثلة في التاريخ القديم لا تعد ولا تحصى.

ولا نجد مثالاً أوضح من عبدالرحمن بن ملجم الذي قتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، فعبدالرحمن بن ملجم لم يكن منافقاً وإنما كان يعتقد أنه يخدم الإسلام بهذه الفعلة الحمقاء الشنيعة، ولو عدنا للتاريخ لوجدنا أن عبدالرحمن بن ملجم من العابدين وكان قائداً من أشد الفرسان، أدرك الجاهلية وهاجر في خلافة عمر إلى المدينة المنورة وقرأ على معاذ بن جبل رضي الله عنه، فكان في أول أمره من القراء وأهل الفقه والعبادة، وهكذا هم الخوارج كما ورد في الاثر أن الناس يحقرون عبادتهم إلى عبادة الخوارج فهم أهل صلاة وصيام وطول تهجد وقيام، ولكنهم وبال على الإسلام وأهله، وسنرى ذلك في كل زمن حين، وبعد ما حصل من تغيرات على عبدالرحمن بن ملجم وانضمامه إلى الخوراج، اجتمع مع نفر منهم في مكة وذكروا شهداءهم في موقعة النهروان وقال بعضهم (ولاحظ عباراتهم التي تمتلىء بالإيمان والصلاح): لو إننا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلالة على غرة فقتلناهم فأرحنا العباد منهم، وثأرنا لإخواننا الشهداء، فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء الحج، ومن ثم دعوا بالشراة، فتعهد عبد الرحمن بن ملجم بقتل علي بن أبي طالب وتعهد الحجاج التميمي بقتل معاوية، وتعهد عمرو بن بكر التميمي بقتل عمرو بن العاص (لاحظوا يؤدون الحج ويتعاهدون على قتل ثلاثة من كبار الصحابة بينهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب أول الشباب إسلاماً وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب المشاهد كلها، وهم يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأنهم يضحون في سبيل الله، وهو نفس ما يتكرر اليوم في المملكة العربية السعودية والعراق من تفجيرات وترويع للأمنين).     

 خيارات العراق مع الأمريكان بين سيء وأسوأ فوجودهم مرفوض وانسحابهم في ظل المعطيات الحالية: كارثة!

وقد نفذ ابن ملجم جريمته بقتل علي فيما أخفق الآخران، وكان مقتل علي رضي الله عنه ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان من السنة الأربعين للهجرة، فقد خرج رضي الله عنه مغلساً يوقظ الناس للصلاة، فدخل ابن ملجم عليه وضربه بسيفه ثم حمل على الناس بسيفه فأفرجوا له، فتلقاه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب بقطيفة فرمى بها عليه واحتمله فضرب به الأرض.

وكان المغيرة رجلاً قوياً فقعد فوق صدره، وقتل ابن ملجم بعد أن تقطعت يداه ورجلاه وابن ملجم لا يفتأ عن ذكر الله (قتل زوج فاطمة وابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يذكر الله عند الموت!!) وهكذا اعتبر الخوارج ابن ملجم مجاهداً واعتبروا عمله تقرباً إلى الله يضمن له الجنة.

 وفي ذلك يقول عبدالرحمن بن أم الحكم الخارجي (جمهرة خطب العرب جـ2، ص107):” لله در ابن ملجم فقد بلغ الأمل وأمن الوجل وأحدّ الشفرة وألان المهرة وأدرك الثأر، ونفى العار وفاز بالمنزلة العليا ورقي الدرجة القصوى” فرد عليه ابن عباس في خطبة قال في جزء منها:” أما والله لقد كرع كأس حتفه بيده وعجل الله إلى النار بروجه”.

وقد اجتمع الخوارج بعد قتل الإمام علي رضي الله عنه فحمدوا الله على قتله رضي الله عنه ولا رضى الله عنهم ولا رحمهم حتى قال شاعرهم:

يا ضربة من ولي ما أراد بها

                        إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

            إني لأذكـره يومـاً فأحسبه

                              أدنى الخليقـة عنـد الله ميزاناً

      وما أشبه اليوم بالأمس، حيث ذكرت الأخبار في الأسبوع الماضي مقتل أبو أنس الشامي الذي كان يعد الرجل الأقوى في جماعة التوحيد والجهاد التي يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي، وكان أبو أنس قد توجه في شهر سبتمبر 2003 إلى العراق وانضم إلى جماعة الزرقاوي ولم يمضي وقت طويل حتى تفاجأ الناس أن أبو أنس قد أصبح المسؤول الشرعي للجماعة والمستشار المؤتمن للزرقاوي.

شعار العراقيين الجديد: من الجزراوي إلى الزرقاوي يا قلبي لا تحزن

ورغم إننا نَكِلُ نوايا أبو أنس الشامي إلى الله حيث كان من رواد المساجد في الكويت وحفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لم يبلغ بعد الخامسة عشرة، إلا نتعجب أن يتحول بين ليلة وضحاها وهو لم يبلغ بعد السابعة والثلاثين من عمره إلى مستشار شرعي يفتي في بالدماء وفي وضع معقد كالعراق أمر يحتاج إلى نظر، لكنه يعتبر وضعاً طبيعياً إذا ما راجعنا سجل الزرقاوي، الذي لا يتوانى عن إمرار السكاكين في قلوب المخطوفين، ويبعث السيارات المتفجرة لكي تغتال عشرات المدنيين العراقيين من أجل أن يظفر بقتل أو جرح أمريكي حتى وصل عدد القتلى من المدنيين العراقيين إلى أكثر من 13 ألف ضحية،  للزرقاوي فيهم نصيب جيد، فإذا ما كان هدف الزرقاوي هو إخراج القوات الأمريكية من العراق، فإن هذه القوات قد أعلنت نيتها الخروج حالما تنظم الانتخابات، فلم لا يلحق السيد الزرقاوي “الكذاب لباب الدار” ولماذا يكون هو سبباً في منح الحجة للقوات الأمريكية للبقاء في العراق. 

 ولو سلمنا جدلاً بأن القوات الأمريكية وتحت الضربات المظفرة للزرقاوي وجماعته قد قررت الخروج والهرب من العراق، فهل لدى الزرقاوي الإمكانات البشرية والمادية والعسكرية للحفاظ على العراق دون الدخول في متاهات الحرب الأهلية، أو تدخل دول الجوار، وهل يملك السيد الزرقاوي رؤية حضارية واجتماعية وقدرة على فهم العراق وطبيعته وقيام مجتمع متحضر قادر على إتمام دائرة الوئام والحياة المدنية الطبيعية وهو الذي قضى حياته في معسكرات أفغانستان بين الخنادق والقنابل.

 مطلوب من التيار المعتدل في جسد الحركة الإسلامية أن يكون أكثر وضوحاً وحسماً ولا يترك مدرسة العنف لتنفرد بالساحة وتدمر الجميع.

الوضع في العراق يتجاوز الزرقاوي، وأعقد مما يظن البعض والحركة الإسلامية في العراق مدعوة اليوم والآن وليس غداً إلى ما كان يجب أن تلعبه منذ سقوط النظام ولا تجامل أحداً فيه على حساب القيم والمبادىء.

المسألة جد معقدة وتحتاج إلى شرح أكثر من ذلك وهذا هو موضوع مقالنا في الأسبوع القادم.