بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
جاءني بعض طلبة العلم من الشباب المتحمس لخدمة الدين مشتكين ومستائين من بعض أهل العلم الذين يتلقون على يديهم العلوم الشرعية، حيث ما فتأ هؤلاء العلماء البحث عن زلات العلماء الذين يخالفونهم المنهج ويلصقون بهم التهم، ويحذرون الشباب من الأخذ من دروسهم ومؤلفاتهم.
| لو أننا صدقنا كل تهمة على كل داعية لأصبح عندنا ابن تيمية متهماً عندنا حتى هذا العصر. |
وقد قال هؤلاء الشباب أنهم التقوا ببعض العلماء الذين تعرضوا للطعن، فوجدوهم على خير خلق وعلم واستقامة، بل وقد استغفر هؤلاء العلماء ودعوا بظهر الغيب لمن تعرض لهم ولصق بهم التهم الباطلة، وصورهم لدى طلبة العلم على غير حقيقتهم، وأنا هنا لست بمعرض فتح موضوع خطورة الطعن بالعلماء والتحذير منهم لمجرد المخالفة الفكرية، حتى لو أثبت هؤلاء العلماء المطعون فيهم أنهم أفادوا الإسلام كثيراً، وأن زلاتهم إن وجدت لا تعد شيئاً بجانب فضلهم في الدعوة، لكن ما يؤسفني أن يوجد مسمى طالب علم لدى شبابنا، ثم لا يستطيعون أن يمتلكوا المنهج الصحيح للحكم على الأشخاص والشبهات المثارة حولهم، بحيث يستطيعون معرفة الحق من الباطل، والحقيقة من الافتراء.
ولو أننا صدقنا كل تهمة على كل داعية لأصبح ابن تيمية عندنا متهماً حتى هذا العصر على الرغم من فضله وعلمه، والمنهج الذي يقوم على تنفير طلبة العلم من العلماء المخالفين لاشك سيعزل هؤلاء الطلبة عن علوم ومؤلفات قد تكون مفيدة لهم وحرموا منها بسبب هذا التحذير المغشوش الذي يزيد تفرق الأمة بلا داعي ولا سند علمي أو شرعي، وكان الأفضل في أسوأ الأحوال التنبيه على الأخطاء التي وقع فيها هؤلاء العلماء إن وجدت دون التنفير العام من الاقتراب من علومهم ومؤلفاتهم.
ولنتذكر أن قريش كانت تحذر من الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وتنصح القادمين أن يضعوا في آذانهم القطن حتى لا يسمعوا دعوته، ولو أطاع الناس رغباتهم لماتوا على الكفر والعياذ بالله، فيجب على طالب العلم أن يكون ذا شخصية مستقلة قادر على الحكم على الأشخاص ولديه من الأدوات والوسائل ما تمكنه من الوصول للحقيقة، وإلا ما الذي يفرقه عن عامة المسلمين، وكيف سيصبح غداً عالماً متبحراً قادراً على البحث العلمي وتحرير المسائل الشرعية وترجيح الأدلة، إذا كان يحكم على الناس اعتماداً على تصنيف الآخرين وحكمهم عليهم لمجرد المخالفة الفكرية والمنهجية.
| منهج التنفير من العلماء المخالفين سيعزل طلبة العلم عن الإفادة من علوم هامة ومصنفات قيمة. |
إنني اليوم أحذر طلبة العلم من التعرض لعموم العلماء، وعدم التثبت من الأحكام والأقوال، ولكنني بدلاً من التعرض إلى خطورة كيل الاتهامات بالجملة لمن يخالفنا المنهج وتحريم مؤلفاته والتحذير منها سأعود إلى أصول هامة في مراقبة النفس والبعد عن الهوى والاستقامة على طريق الحق فيما أسميتها “ثلاثية القلوب الناجية” حتى ينشغل المرء بإصلاح نفسه قبل أن يتعرض لإخوانه بما لا يليق لا به ولا بهم، وإنني أدعو الله في كل حين أن يغفر لنا ويتجاوز عن سيئاتنا وأن ينزع غل قلوبنا لتنصلح لنا في الدنيا حتى تصل بها إلى النجاة في الدار الآخرة، وأول هذه الثلاثية مراقبة الله سبحانه وتعالى حتى تصل النفس إلى مرحلة المحاسبة ثم الاستقامة على منهج الله لتصبح زاوية الانحراف عن المنهج الرباني قدر الإمكان: صفر.
قال الله تعالى: “واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه“[1] وقال تعالى:”وكان الله على كل شيء رقيبا“[2]وقال تعالى:”وهو معكم أينما كنتم“[3] وقال تعالى:”ألم يعلم بأن الله يرى“[4]وقال تعالى:”فإنك بأعيننا“[5]وقال تعالى:”يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور“[6] إلى غير ذلك من الآيات.
وفي حديث جبـريل عليه السـلام: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان؟ فقـال له:”أن تعبـد الله كأنك تـراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.
والمراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين: هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين.
و المراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة والله أعلم.
ومن كان مقامه المراقبة، كان حاله المحاسبة، فاول شهادة المراقب هو: أن يعلم يقيناً أنه لا يخلو في كل وقت –وإن قصر- من أحد ثلاثة معان: أن يكون لله عزوجل عليه فرض، والفرض على ضربين: شيء أُمِرَ بفعله، أو شيء أُمِرَ بتركه، وهو اجتناب المنهي.
والمعنى الثاني: ندب حث عليه، وهو المسابقة بخير يقربه إلى الله عزوجل، والمسارعة بعمل بر يتدبره قبل فوته، والمعنى الثالث: شيء مباح فيه صلاح جسمه وقلبه.
| لماذا نضع العالم الذي يجتهد فيخطىء وهو يتحرى الحق مع صاحب البدعة في ميزان واحد ونحذر من مؤلفاتهم ودروسهم!! |
وليس للمؤمن وقـت رابع فإن أحـدث وقتاً رابعاً فقد تعدى حـدود الله:” ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه“[7].
ألم تسمع إلى قوله عزوجل:”وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا“[8]، فهل ترى بين هذين وقتاً يُجهل أو هوى؟ كما لا ترى بين الليل والنهار وقتاً ثالثاً؛ فالذكر: الإيمان والعلم، فهذان ينتظمان جل أعمال القلوب، والشكر: العمل بأخلاق الإيمان وأحكام العلوم، وهذان يشتملان على جميع أعمال الجوارح، قال الله عزوجل:”اعملوا آل داود شكرا“[9] وقال:” فاتقوا الله لعلكم تشكرون“[10]وقال:”فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون”[11]وقال تعالى:“ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم“[12].
وقال صلى الله عليه وسلم وقد عوتب في طول قيامه حتى تورمت قدماه، فقال:” أفلا أكون عبداً شكوراً ؟”[13]ففسر الشكر بالعمل، كما فسر الله عزوجل العمل بالشكر.
والوقت الثالث هو المباح داخل فيهما، لأنه معين عليهما، وبه استقامة العبد فيهما.
فيبتدىء العبد المراقب فينظر بيقظته في أدنى وقت: هل لله عزوجل فيه فرض من أمر أو نهي فيبدأ بذلك حتى يفرغ منه؟ فإن لم يجد فإنه لا يخلو من نوادب وفضائل فيبتدىء بالأفضل، فإن لم يمكن عمل في أدنى الفضيلتين فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته، كما أمره مولاه في قوله تعالى:” ولا تنس نصيبك من الدنيا”[14]أي: لا تترك أن تأخذ نصيبك من الدنيا، ولا تترك أن تأخذ نصيبك للآخرة من دنياك، وهو أن تحسن كما أحسن الله إليك، ولا تطلب الفساد في الدنيا فتكون قد نسيت نصيبك من الآخرة فيتركك الله من جزيل ثوابه الذي أعد لأحبابه، كما قال:” نسوا الله فنسيهم”[15]أي: تركوه فتركهم، وتركهم له ترك نصيبهم منه، وتركه عزوجل لهم ترك محابهم من الآخرة.
ومن حديث لأبي ذر:”ولا يكون المؤمن ظاعناً إلا في ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم”.
ومن علامة العاقل أن يكون مقبلً على شأنه حافظاً للسانه، عارفاً بزمانه، مكرماً لإخوانه.
| كيف سيصبح طالب العلم عالماً متبحراً يجيد تحرير المسائل الشرعية، وهو يحكم على الناس اعتماداًُ على تصنيف الآخرين لهم. |
والمراقبة لغة: الخوف منه تعالى، والمراقبة من أعظم أسباب الاستقامة، وأداء العبادة على أكمل وجوه الطلب، واعلم أنه من مراقبة الحال أن يراقب العبد حاله أن يشوبه حظ نفس، كما يراقب عمله أن يقع على غير وجهه.
فالمراقبة: دوام ملاحظة المقصود، واصطلاحاً: دوام النظر بالقلب إلى الله تعالى، وترقب ما يبدو من أفعاله، وأحكامه، ويعبر عنه باستشعارك نظر الله إليك في حركاتك وسكناتك، والمراقبة ممدوحة، قال تعالى:”وكان الله على كل شيء رقيباً”[16].
وقال بعضهم: من راقب الله تعالى في خواطره الواردة على قلبه، عصمه الله في جوارحه.
وسئل أبو الحسين بن هند: متى يهش الراعي غنمه بعصا الرعاية عن مراتع الهلكة؟ فقال: إذا علم أن عليه رقيباً.
وقيل: كان ابن عمر في سفر، فرأى غلاماً يرعى غنماً، فقال له: تبيع من هذه الغنم واحدة؟ فقال: إنها ليست لي، قال: فقل لصاحبها: إن الذئب أخذ منها واحدة! فقال العبد: فأين الله؟ فكان ابن عمر بعد ذلك يقول: إلى مدة، قال ذلك العبد: فأين الله؟.
وقال ذو النون البصري رحمه الله: علامة المراقبة إيثار ما آثر الله تعالى، وتعظيم ما عظم الله تعالى، وتصغير ما صغر الله تعالى.
وقال النصر أباذي: الرجاء يحركك إلى كل الطاعات، والخوف يبعدك عن المعاصي، والمراقبة تؤديك إلى طرق الحقائق.
وقال الجريري: أمرنا هذا مبني على فصلين: وهو أن تلزم نفسك المراقبة لله تعالى، وأن يكون العلم على ظاهرك قائماً.
| فلينشغل المرء بنفسه قبل أن يتفرغ لزلات الآخرين، وهذه فكرة مقال ثلاثية القلوب الناجية. |
وسئل ابن عطاء: ما أفضل الطاعات؟ فقال: مراقبة الحق على دوام الأوقات.
وقال إبراهيم الخواص: المراعاة تورث المراقبة، والمراقبة تورث خلوص السر والعلانية لله تعالى.
وقال أبو حفص: إذا جلست للناس، فكن واعظاً لقلبك ولنفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك.
وقال الواسطي: أفضل الطاعات حفظ الأوقات، وهو ألا يطالع العبد غير حده، ولا يراقب غير ربه، ولا يقارن غير وقته، أي: غير حاله الذي هو فيه.
وقال ابن المبارك: كن أبداً كأنك ترى الله عزوجل.
وقال عبدالواحد بن زيد: إذا كان سيدي رقيباً علي فلا أبالي بغيره.
وقال رجل للجنيد: بم أستعين على غض البصر؟ فقال: بعلمك أن الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه.
يقول سهل: لم يتزين القلب بشيء أفضل ولا أرشف من علم العبد بأن الله شاهد عليه حيث كان.
قيل: اتق الله ولا تلاحظ غيره معه، فالتقوى رقيب على قلوب أوليائه تمنعهم في أنفاسهم وسكناتهم وحركاتهم أن ينظروا إلى غيره.
| كيف يكون طالب علم شرعي ثم لا يمتلك منهجاً للحكم الصحيح على الأشخاص ومعرفة الحق من الباطل. |
وكان سفيان الثوري يقول: يا قوم راقبوا الله فإنما هي لحظة وقد يقبض اللبيب.
قال ابن القيم: اعلم أن المراقبة أصل كل خير، ولا يكاد العبد يصل إلى هذه المرتبة إلا بعد فراغه من المحاسبة، فإذا حاسب على ما سلف، وأصلح حاله في الوقت، ولازم طريق الحق، وأحسن مراعاة قلبه فيما بينه وبين ربه، وحفظ مع الله الأنفاس، فقد راقب الله في جميع أحواله.
يقول الصوري: علامة الحب لله المراقبة للمحبوب والتحري لمرضاته.
وكان علي بن الحسين – رضي الله عنهما- إذا قام للصلاة أخذته رعدة فسئل عن ذلك فقال: ويحكم أتدرون إلى من أقوم، ومن أريد أن أناجي.
[1] البقرة: 235
[2] الأحزاب: 52
[3] الحديد: 4
[4] العلق: 14
[5] الطور: 48
[6] غافر: 19
[7] الطلاق:1
[8] الفرقان: 62
[9] سبأ: 13
[10] آل عمران: 123
[11] البقرة: 152
[12] النساء: 147
[13] أخرجه البخاري (3/14)، ومسلم (4/2171) من حديث المغيرة بن شعبة.
[14] القصص: 77
[15] التوبة: 67
[16] الأحزاب: 52

