بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

       نستكمل اليوم الأساليب المعينة على تنمية الذاتية الدعوية بعد أن استعرصنا في المقال السابق خطورة الجمود عند عطاء الرموز وخلق حالة من المقدسية تحول وتمنع التمدد الدعوي الذاتي، بحيث تفتقر الدعوة بسبب ذلك إلى المشاريع الإبداعية والتجديدية التي تقود التوجهات وترسم ملامح المستقبل للدعوة، وقد رأينا العديد من الحركات الإسلامية والجماعات الدعوية بسبب فقدان تنمية الذاتية الدعوية قد آل مصيرها في المرحلة الأولى إلى الجمود لالتزامها وتيرة التقليدية والتكرار فلم تعد تملك الجاذبية الجماهيرية، وهذا أدخلها في دوامة التراجع يدعمه الافتقار إلى التجيد الدعوية والحيوية الحركية مما آل بها المآل في النهاية إلى التراجع والنكوص فيما يشبه الانقراض، وهذه الحالة لا تنطبق على التجمعات الإسلامية فقط.

 فقدان التنمية الذاتية في الحركة الإسلامية يقود إلى الجمود والتقليدية ثم إلى التراجع وقد تصبح كمنبه الساعة تذكر بالذي مضى.

       فهناك العديد من الأحزاب الأخرى وحركات الاجتماع الإنساني قد تحولت إلى ما يشبه الذكريات أو هي إلى عمل المتاحف أقرب، وبعض هذه الأحزاب ترى بشكل واضح كهولة الصف القيادي وافتقاد الدماء الجديدة، وتحول الحزب إلى ما يشبه ساعة التنبيه التي تصدر البيانات السياسية في ذكرى بعض الأحداث وكأنه أرشيف روتيني درج عليه الحزب منذ سنوات، والذي يفترق في حال العمل الإسلامي أن الدعوة:

أولاً: ليست ملكاً شخصياً لطرف أو رمز. 

ثانياً:منطلقها مصالح الآخرة،  فاللقاء ليس على مصالح الدنيا، وبقدر ما تقترب الحركة من هذه المعادلة تتقدم وبقدر ما تخل بها تتأخر وتجد العقبات والصعوبات منتصبة أمامها.  

       واليوم نستكمل بقية الوسائل المعنية على تنمية الذاتية الدعوية ولا بأس أن يكتب المهتمون بهذا الموضوع عناصر المقال السابق وهذا المقال باختصار على ورقة صغيرة يتذكرونها ما بين وقت وآخر، حتى تستمر الدوافع الخيرية في تنمية الذاتية عند كل فتور وتراجع.

الأسلوب الرابع: حب الدعوة والغيرة عليها:

       والحب عاطفة وفطرة ربانية فطر الله الناس عليها “والحب يورث شدة الولاء ويبعث إلى العمل والاجتهاد قربى إلى المحبوب وابتغاء لمرضاته –عملاً من تلقاء النفس وطوعها لا يراقب منفعة مرجوة ولا تحده مراعاة أجرٍ مرغوب”.

       “والإنسان بالغريزة المركوزة فيه يحب نفسه ويشمل بعاطفته كل شيء يتمثل نفسه فيه أو يرى وجوده ممتداً إليه – وذلك هو سبب حب الإنسان لما ينتسب إليه من أهل وملك وموطن- وما يشاكله ويلائمه بأي وجه من الوجوه، وبهذا المعنى أيضاً يحب الإنسان ربه متى اهتدى إليه فوجوده كله لله وقيامه ودوامه به، ورجوعه إليه تربطه بربه وشائج أوثق من كل قرابة، لأنه أثر منه تعالى، صنعه بيديه، ونفخةفيه من روحه ولقنه من علمه، وحاطه برحمته وقدرته”[1].

       ويكاد يكون مركز هذه العاطفة – عاطفة الحب- هو ذات الإنسان نفسه، فكلما اتصل الشيء بذاته كلما كان أقرب إليه وأحب إلى نفسه، وهكذا حين ينغرس في قلب الإنسان أنه مخلوق لله تعالى قائم به وراجع إليه بأنه أثر منه سبحانه وأن وجوده متصل بوجوده، فتمتليء نفسه بمشاعر الحب له ولما يصدر منه، وهكذا يحب الإنسان ربه ويحب منهجه وشريعته ودعوته ويحب العمل لها والجهاد في سبيلها.

 منطلقات الدعوة مصالح الآخرة الجماعية وليست مصالح الدنيا الشخصية، وبقدر ما يخل الدعاة بهذه المعادلة بقدرما يرون العقبات والمصاعب أمامهم.

       وحين يبلغ الحب مرتبة عليا في نفس الإنسان تقوم الغيرة تحرس حماه وتصون محارمه، أن تستباح، ومن علامات الغيرة “الغضبث إذا انتهكت محارم الله والثورة لإبطال ما يرى من منكر، قالت عائشة رضي الله عنها: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت سهوة (وهو ما يشبه النافذة) لي بقرام (وهو الستار) فيه تماثيل: فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وتلون وجهه وقال:” يا عائشة أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله”[2].

       ومن علامات الغيرة كذلك ألا يطيق أن يرى رسالته معطلة أو خاضعة لسلطان رسالة أخرى، ومن اهنا نرى المؤمن الحق والداعية المفطور يلح في أن يجمع لرسالته كل سلطان روحي ومادي يكفل لها الهيمنة على ما سواها”[3].

       إن حب الدعوة وحب العمل لدليل على حب الله ورسوله وثمرة من ثمراته، وإن لم يؤد حب الله إلى هذه الثمرة فهو ادعاء كاذب وعاطفة غامضة، ليس لها على النفس توجيه ولا سلطان فإن الحب الصادق دليله أن يكون الله ورسوله والعمل لدينه أحب إلى النفس من كل ما تحبه وتعتز به “قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين”[4].

ومن علامات محبة الداعي المسلم لربه كذلك:

أ- الولع بذكره تعالى في كل حين فلا يفتر عنه لسانه، ولا يخلو من قلبه، فمن أحب شيئاً أكثر بالضرورة من ذكره وما يتعلق به، ومن هنا كان من علامات المحبين الإكثار من تلاوة كتاب الله تعالى.

ب- يأنس بمناجاة الله، فهو لا يستوحش منها ولا يضيق بها، بل يهتبلها فرصة لهذة المناجاة.

حب الدعوة وحب العمل لها دليل على حب الله ورسوله وثمرة من ثمراته، فتفقد قلبك أيها الداعية ومحصّ النية من جديد.

ج- يتنعم بطاعته ولا يستثقلها، فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وينشط لها، ولهذا كانت الصلاة قرة عين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وراحة لنفسه الكريمة من نصب الدنيا، قال الجنيد رحمه الله: علامة المحب دوام النشاط في طاعة الله بقول الشاعر:

             

تعصى الإله وأنت تظهر حبه     هذا لعمري في الأنام شنيع

لو كان حبك  صادقاً لأطعته      إن المحب لمن يحب مطيع

د- لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عزوجل: ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله وعن القيام بخدمته وطاعته.

هـ-يؤثر ما يحبه الله على ما يحبه هو في ظاهره وباطنه، فإن المحب الصادق يؤثر دائماُ ما يحبه محبوبه، ولا يبالي بالمشاق والأتعاب في هذا الإيثار.

و- يحب لقاء الله لأن المحب يحب لقاء الحبيب، وبالتالي فهو لا يكره الموت إذا جاءه لأنه مفتاح لقاء وطريق الوصول إلى الله[5].

الأسلوب الخامس: دوام التذكير بالغاية:

       وإنما قصدنا التذكير بالغاية لا التعريف بها، لأن أمر التعريف بالغاية من مقتضيات فهم مبادىء الإسلام الأولى، وهو ما لا بد منه لكل منتسب إلى هذا الدين فضلاً عن الدعاة إليه، أما التذكير بالغاية فهو شي آخر، وهو ما لا بد منه لكل مسلم، كبيراً كان أم صغيراً، عالماً كان أم متعلماً داعياً له أو من عامة المسلمين، ذلك أن الإنسان قد ركب في فطرته الغفلة والهوى، والسهو والنسيان، وإن لشهوات الدنيا ومغرياتها لثقلاً على نفسه ، وضغطاً على عقيدته وفكره، وهو ما يحتم عليه تذكيراً دائماً بالميزان، ومراجعة متواصلة ومحاسبة، وإعادة للأمور إلى نصاب الحق على الدوام، فإذا تأكد للداعية غايته – وهي مرضاة ربه سبحانه – فقد وجب عليه أن يحيي قلبه بالسير إليه وأن يجتهد في ذلك ما استطاع، وأن ينتزع الناس – ممن حوله- من الدنيا ليسيروا معه في الرحلة الطويلة البعيدة.

 الدعاة على رأس رحلة إلى الله تعالى يقطعونها بقلوبهم ما بين خوف ورجاء حتى يحطوا رحالهم في دار المقامة.

       نحن على رأس رحلة إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا اجتزنا مراحلها على ما يرضيه فعند الصباح يحمد القوم السرى، ويحطون رحالهم في دار المقامة من فضله “وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون”[6]وهي بعد رحلة لا تقطع بقطار أو سيارة، وإنما تقطع بالقلب، والقلب فيها هو كل شيء فيه يبصر الإنسان غايته أو يبصر الله تبارك وتعالى.

       كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” وغايتنا لا تدرك بالأبصار ولكن تدرك بالقلوب التي في الصدور، وما لم يبصر الإنسان غايته لم يعرف إليها سبيلاً ولم يدرك لها جمالاً”.

       وبه يستبين الطريق إليها فلا تلتبس المعالم على ذوي القلوب الحية “أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها”[7]وما المعالم هنا إلا الطيب والخبيث، والحسن والقبيح، والنافع والضار، والحلال والحرام، وهو الذي يضاعف أشواق المرء إلى غايته ويستحث همته إليها، فتهون عليه المراحل والعقبات، وكلما أدركه كلال أو ملل، لاحت له بوارق من دار السلام فيتجدد عزمه ويحيا رجاؤه على حد قول الشاعر:

        لها أحاديـث من ذكـراك تشغلها       عن الطعـام وتلهيها عن الزاد

       إذا اشتكت من كلال السير أوعدها    روح القدوم فتحيـا عند ميعاد

       فالقلب يا أخي هو كل شيء في هذه المرحلة الأزلية، هو كل شيء في حياتك، وما الجسم إلا مطية له أو ظرف يصونه.

       وإذا تقرر أن القلب هو كل شيء في عوامل الرحلة، هو أهم شيء فيها – فهو الذي يبصر الغاية، وينير الطريق، ويجدد العزائم، ويستحث الأشواق- وجب أن نتيح له من الهدوء وفراغ البال ما يجعله يستمر على ذكره وفكره، وإقباله على الله سبحانه في طمأنينته وسكينته، وفي رأيي أن القلب إذا أحيط بما يقيه ويحفظه من المؤثرات العارضة فقد مضى إلى غايته على هدى وصراط مستقيم، ويمكن للداعية أن يجعل هذه المؤثرات فيبما يلي:

أ- مؤثرات اقتصادية:

        نعم فمطالب العيش وكل ما يتصل بالحياة الاقتصادية له تأثيره المباشر القوي على القلب، كالفقر والتعطل عن العمل والمرض… الخ، وعلى الداعية أن يدرك هذا وأن يبذل غاية جهده لصيانة القلب منه، والمحافظة على بقائه في روض سلامته، ونعيم ذكره وفكره، ولأمر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن .. وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”[8] ويقول:” اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر”[9] وليس في البشر كافة من هو أسمى همة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل تراه فزع إلى الله واستعاذ به إلا لأن الحزن والهم وغلبة الدين والفقر من مهلكات القلب كالذنوب والشهوات سواء بسواء؟. 

      

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخلو بيته من القوت وربما ربط الحجر على بطنه من الجوع، وكان يتعوذ من الدين والفقر تعليماً لأمته لأنها من مهلكات القلوب التي تعيق سيرها إلى الله.

فإذا نحن عنينا بتقرير هذه العوامل الاقتصادية، وأثرها على حالة المرء النفسية، فلسنا نقف بمرادنا عند حدود اللقمة التي تسد جوعه وتستر عورته، بل نرمي إلى ما وراء هذه الحدود من انقشاع الظلمة عن القلب، وصفاء الأفق من حوله، وعودة الطمأنينة إليه، ليواصل سيره إلى غايته فإذا أمكن أن نصل إلى هذه الغاية، مع بقاء أسباب الجوع، ويخلو بيته من القوت فلا يتضعضع لأحد لينال من فضله شيئاً، ولا يهمه أو يغمه، بل يربط الحجر على بطنه.

ب- مؤثرات نفسية:

       وهي عوامل ترجع إلىغرائز الإنسان الحيوانية وأهمها كلها هنا غريزتا الجنس وحب المال، وكل منهما إذا ثارت بصاحبها عصفت بعقله ومزقت همة قلبه فتعبث به كالريشة في مهب الريح، ولا بد لانتظام سير الإنسان أو لانتظام سير قلبه إلى الله من معالجة جموح هذه الغرائز وتلطيف حدتها وثورتها.

       ولذلك فقد ى الرسول صلى الله عليه وسلم الشباب بالزواج ودل من لم يستطع ذلك إلى سبيل ميسور:” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء”[10]

ج- مؤثرات اجتماعية:

       وهي عوامل ترجع إلى العادة والعرف في تقدير قيمة العرض والعفة والفضيلة، وأبرز ما في هذا الباب، تبرج النساء واستعلان الناس بما يأتون من منكر، فإن ذلك مما يقطع على القلب طريقه، ويفسد عليه هدوءه وطمأنينته، والنظرة سهم من سهام الشيطان كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:” النظرة سهم من سهام الشيطان من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه”[11] وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده فتنة أضر على الرجال من النساء، ومطلوب إلى الداعية أن يعمل بكل ما يستطيع، من الوسائل على تطهير البيئة من كل فساد يضر بحياة القلب.

من المهم تنشيط المشاريع المبدعة والأفكار الجديدة مع تحميل صاحبها تنفيذ هذا الإبداع وإعانته عليه.

الأسلوب السادس: التركيز على أصول التكوين الذاتي: 

وذلك من خلال:

1- بيان الكيفية: نحو كيف تقرأ؟ كيف تتثقف؟ كيف تحلل؟ كيف تنظم؟ كيف تستغل الوقت؟ وهكذا في كل أمر تعليمي فعلى سبيل المثال لا يكفي أن نوجه الأفراد للقراءة ونحثهم عليها مبينين أهمية الاطلاع، بل لا بد من تنمية وصقل الكيفية التي تكون بها المعرفة.

2- دراسة أساليب التطبيقات العملية لتحركات القادة والمصلحين في بنائهم لأنفسهم ولغيرهم، وسيرهم رحمهم الله كثيرة ومثبوتة في كتب السير والتراجم.

3- تنشيط الإبداع والابتكار والتفكير بالجديد، وذلك باتباع نظام التشجيع على الإبداعات التي فيها دفع للعمل الإسلامي إلى الأمام، مع عدم إخلالها بالثوابت التي تقوم عليها الدعوة الإسلامية، ومن صور التشجيع بيان أهمية المشروع المبدع فيه للمسيرة الإسلامية مع ربطه بأمثلة كانت في السابق ظهرت نتيجتها الإيجابية للدعوة الإسلامية، وتحميله مسؤولية تنفيذ هذا الإبداع مع إعانته عليه.

 

 

[1]  الإيمان وأثره في حياة الإنسان –66-76

[2]  أخرجه البخاري (فتح 12/ 510-511)

[3]  تذكرة الدعاة – البهي الخولي ص 233

[4]  التوبة: 24

[5] أصول الدعوة – زيدان ص327

[6] العنكبوت: 64

[7]  الأنعام: 122

[8]  أخرجه أبو داود (1555) عن أبي سعيد.

[9]  أخرجه الحاكم عن أنس وصححه الألباني (ص ج ص1296).

[10] متفق عليه

[11]  أخرجه الحاكم (4/313-314) .