بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

       إشكالية تقديس الأفراد في العمل الإسلامي إشكالية ليست بجديدة،  والحديث عنها مكرر ومعاد ونتائج هذا التقديس غير الحميد وخيمة على الدعوة وعلى القواعد الدعوية، فالتقديس الذي يحول الرموز الدعوية إلى ما يشبه الأصنام التي يجب أن لا تمس ذواتها خطير حتى على منهج الدعوة ومستقبلها، فهي تمنع من الرؤية الحيادية المنصفة لهذا الرمز باعتباره بشر يصيب ويخطىء، كما إنه يحول القواعد الدعوية إلى ريموت كونترول لا تتحرك وتندفع للعمل والدعوة لدين الله إلا بناء على توجيهات من مستويات دعوية عليا، كما إن هذا التقديس يمنع تنمية الذاتية الدعوية ويحول دون تطورها، بل وقد يؤدي هذا التقديس بربط مصير القواعد الدعوية بمصير الرموز فإن سقط رمز من الرموز لسبب أو لآخر، تبعه العشرات أو المئات بل والآلاف من القواعد الدعوية، وكان الأولى بالقواعد الدعوية أن تفرق بين الاحترام لتلك الرموز وسابق بذلها للدعوة، وبين الخروج من شرنقة التبعية القاتلة التي تمنع التجديد في الوسائل والآليات لخدمة الدعوة في عصور مقبلة تختلف عن معطيات العصور السابقة التي برزت فيها تلك الرموز.

التقديس الذي يحول الرموز الدعوية إلى ما يشبه الأصنام التي يجب أن لا تمس منهج خطير على الدعوة ومستقبلها.

       إن الله سبحانه وتعالى لا يحاسب الناس يوم القيامة بالجملة، فهذه الجماعة كلها ناجية وهذه الجماعة كلها هالكة، والانتماء للدعوة من خلال العمل الجماعي لا يعطي صك غفران للدعاة المنتمين لتلك الجماعات،  إنما هي أعمال العباد يحصيها الله لهم أو عليهم كل بشكل فردي ثم يحاسبهم عليها يوم القيامة، وإذا كان الإنسان يسعى لتدعيم سيرته الذاتية بالعديد من الخبرات والشهادات والدورات ليحصل وظيفة في الدنيا، فإن الداعية مطالب بالإبداع الذي يخرجه من الأسر الفكري لما يطرحه الرموز في كتاباتهم وخاصة الحديثة منها في القرن الأخير ويكون لنفسه البناء الدعوي الذي يضع فيه بصمته، وندعو في هذا المجال إلى موقف وسطي، فلا ندعو إلى رفض كتابات هذه الرموز بالمطلق فهي كتابات ناتجة عن معاناة دعوية وتراكم خبرات جيل التأسيس الذي كان في أغلبه من الرواحل القيادية، وحازت كتاباتهم ومؤلفاتهم وأفكارهم على قبول واسع في العالم الإسلامي، ولا زالت طبعات كتبهم تتكرر وتتجدد بسبب الإقبال على اقتنائها وهذا من توفيق الله وفضله عليهم، ومسحة الإخلاص التي لولاها لما استمر هذا الخير بالتدفق.

       كما إننا لا نريد من جيل الدعاة الجديد أن يبقى أسير تلك الأفكار الكبيرة والعظيمة في الدعوة والعمل الجماعي، بل عليه أن يحافظ على الأصول والقواعد وينطلق مبدعاً ومجدداً في الوسائل والآليات، بل وحتى الغايات المرحلية، فآلية العمل في عقود المحن والفتن التي مرت بالدعوة ليس بالضرورة أصبحت مناسبة في وقت يضج فيه العالم بالمتغيرات ويقل بالثوابت.

       إن غاية ما نطلبه من جيل الدعوة الجديد أن يحرص على ذاتية الاندفاع الدعوي في مجال الفكرة وفي مجال التطبيق، فالدعوة ليست تحت وصاية أحد من الرموز الدعوية وإن كان لها احترامها وإجلالها، والدعوة ليست ملكاً شخصياً لجماعة أو تيار أو هيئة أو مؤسسة، وإنما هو سبيل مفتوح يجمع فيه الداعية إلى الله مجموعاً حسناً يؤهله للقبول في جنة الله حيث النعيم المقيم.

       إن للذاتية الدعوية أسباباً يجب أن يحرص عليها الدعاة، حتى لا تنقرض هذه الذاتية، ويقل المبادرون في ميزان الدعوة، فيصاب العمل الإسلامي بالجمود ومن ثم الترهل ومن ثم الاضمحلال، فمن الضروري أن تكون كتيبة المبادرة في الدعوة هي التي تقود الركب إلى مشاريع الدعوة الجديدة، وبأفكار تلهم الآخرين سبل التجديد والإبداع، وهي عناوين أثبتت الدعوة غير مرة أنها أهلاً لها، وقادرة عليها، بل هي سمة من سماتها الملاصقة لها بشكل حيوي ومتجدد. 

وسائل اكتساب الطبيعة التنفيذية

الوسيلة الأولى: الفهم الشامل الموزون للإسلام:

      علينا – حين نفهم الإسلام- أن نفهمه بشموله ونقف على حقائقه وأحكامه ونعني بقواعده وأصوله وأن نتدارسه من مصدريه الأساسيين: الكتاب والسنة وأن نلتمس تطبيقه في سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم وألا نصطدم في إدراك حقائقه بفهم سلف الأمة الصالح.

تقديس الرموز يحول القواعد الدعوية إلى “ريموت كنترول” لا تندفع للعمل إلا بتوجيهات الآخرين، وهذا يقتل الذاتية الدعوية.

       ولا بد لنا إذ نتدارس الإسلام من أن نحذر تأثير الأوضاع والظروف التي نحياها في فهمنا له00 فالإسلام يجب أن يفهم بعيداً عن أوضاع نفسية خاصة أو بيئات تاريخية محددة، بل يجب أن يفهم خالصاً نقياً كاملاً من مصدريه الأساسيين وتتحدد ظروفنا وأوضاعنا تبعاً له وقياساً عليه.

       على أن تطاول الزمان واختلاف البيئات وتتابع الأحداث طمست في نفوس الناس حقائق وأدخلت فيها أهواء فتعددت أفهام الناس للدين الواحد والحق لا يتعدد فكان لا بد من التنبيه والإشارة إلى حقائق هي من بديهيات هذا الدين.

الحقيقة الأولى:

       وهي أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل على إقامة الحق وزهق الباطل واجبة على كل مسلم بما يقدر عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:” وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره سقط عنه، وما عجز لم يطالب به، وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به.

       ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك، وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى، فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب وهذا إلى عمل ظاهر واجب، وهذا إلى عمل باطن واجب، فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة وفي الوقوع أخرى[1].     

       ولقد حث القرآن الكريم في كثير من آياته على فرضية الدعوة إلى الله ووجوبها على كل مكلف فكل بالغ عاقل من الأمة الإسلامية مكلف بهذا الواجب، ذكراً كان أو أنثى، فلا يختص العلماء أو كما يسميهم البعض رجال[2] الدين، بأصل هذا الواجب، لأنه واجب على الجميع، وأنما يختصون بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه نظراً لسعة علمهم به ومعرفتهم بجزئياته، ومما يدل على ذلك قوله تعالى:” قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين”[3]

فأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنون به، يدعون إلى الله على بصيرة، أي على علم ويقين، كما كان رسولهم صلى الله عليه وسلم يدعو، ومعنى ذلك أن من اللوازم الضرورية لإيمان المسلم أن يدعو إلى الله، فإذا تخلف عن الدعوة دل تخلفه هذا على وجود نقص في إيمانه يجب تداركه بالقيام بهذا الواجب.

       واستشعار الداعية لفرضية الدعوة يبعث في نفسه الهمة للعمل والحث على التنفيذ، ذلك أنه لا تراخ في الفريضة ولا نكوص عن الواجب، تراه “أسيراً في يد الشريعة ديدنه السنة، فإذا هو بمنأى عن البدعة وما لم يكن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشربه كوثر الحديث النبوي وحوض الخير المصطفوي، فهو يكرع من سلسبيل الإسلام الخالص ويشرب من عين الإيمان الصرف، فحق له أن يكون من أهل السنة الخالصة والجماعة الناجية، إن سئل عن طريقه قال: الاتباع، وعن خرقته قال: لباس التقوى، وعن مقصوده ومطلوبه قال: يريدون وجه الله، وعن قضائه لوقته بالغدو والآصال قال:” في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه” وفي ميادين  الدعوة ورد الناس إلى طريق الحق”[4].

الحقيقة الثانية:

       هي أن الدين لا يقوم ولا ينتشر إلا بالجهد البشري وبالطاقة التي يبذلها أصحابه والمؤمنون به وبالإمكانات التي يملكونها ويسخرونها في سبيله، وبغير هذا لا تقوم لهذا الدين قائمة ولا يرجى لها أن تقوم.

       وهذه حقيقة عريضة في هذا الدين، وبديهية من بديهياته الأولى عرضها القرآن الكريم في ثنايا نصوصه في مواضع متفرقة، وفي أحوال مختلفة، وفي تعقيباته على أحداث واقعية وقعت للفئة المسلمة وقت نزول القرآن، كوقعة أحد ويوم حنين، مؤكداً عليها ومدللاً على صدقها من واقع حياتهم.

       إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية، يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة ويبدأ العمل من النقطة التي يكون البشر عندها حينما يتسلم مقاليدهم، ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية، وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة”[5].

الدعوة لدين الله لا تملكها جماعة أو هيئة إنما هو سبيل لكل مؤمن يريد وجه الله وينطلق بمبادرات ذاتية لخدمة دينه.

       واستقرار هذه الحقيقة في النفوس يجعلها أكثر جدية في تحمل أعباء هذا الدين وأقدر على النهوض بواجباته لأنها تشعر بأن قعودها عن قافلة الدعوة تفريط بالأمانة الكبرى ودفع للباطل أن يحيا، وهو ما لا يستقيم مع أوليات الإيمان فكيف بمرتبة الدعوة والجهاد؟

فتذكر أخي الداعية أنك على ثغر عظيم ودعوة كريمة، وأنك قد استؤمنت على أمانة كبرى قد ناءت عن حملها السماوات والأرض والجبال فعهدت إليك، فكن حريصاً تجد حبل الله منك قريباً، كن عليها أميناً تنزل عليك رحمة الله وتحوطك عنايته وتغشاك رعايته، وإياك أن تلهو عنها أو تغفل فإنها فرصة الشيطان يترقبها فيك، وينتظر سهوك عنها ساعة، فكن أفطن منه وأذكى، وعض على أمانتك بالنواجذ وتعهدها بروحك ونفسك فإنها غالية غالية.

الحقيقة الثالثة:

       تتعلق بغاية وجود الإنسان في الحياة ودوره فيها، فرسالة الإنسان في الحياة هي عبادة الله تعالى بمعنى العبادة الواسع الكبير الذي يتجاوز علاقة الإنسان الفردية بربه إلى علاقته بالحياة: عمارة الأرض واستخلافها وتفجير طاقاتها ومكنوناتها، واستغلال خبراتها، والاستفادة من قواها بشرط توجيه القصد وموافقة الشرع في كل ذلك، ويتجاوز كذلك إلى علاقته بالناس، ودعوتهم إلى هذا الحق الذي معه لإخراجهم مما هم فيه من ظلمات الجاهلية والشرك إلى نور الإسلام والحق، ومجاهدتهم في إعراضهم، والصبر على أذاهم فذلك ما عليه، ولا عليه إن هم آمنوا به أو لم يؤمنوا، قبلوا دعوته أو رفضوها، لأنه لا سلطان له على قلوبهم، وحسبه أن يبلغ دعوة الله، وأن يقيم شرعه في الأرض ولا عليه بعد ذلك إلى أي طريق تتجه أو تسير.

       ولا بد لهذه الحقيقة من أن تستقر في النفوس كي لا يتسرب إليها اليأس ولا ينتابها الملل، فوظيفتنا التبليغ والبيان وليس علينا أن نشق عن القلوب لندخل فيها الإيمان.

الوسيلة الثانية: الإيمان العميق، والحماسة الفياضة، والتقوى والورع، والإخلاص والتجرد:

       وكلها آثار لتغلغل العقيدة في القلب واتصال الروح بالله وامتلاء النفس بمقامه، “وأصحابها رجال لأفئدتهم لوعة، ولقلوبهم لذعة، فإذا نومهم قليل، وكلامهم عند الضرورة فحسب، تجد عليهم روح السلوك إلى الله، وبهجة المحب للرب، قد أيقنوا أن نفوسهم إن تركت بلا محاسبة ومراقبة كانت رأس البلاء، ومعدن الفضيحة”[6].

       لذلك كان تعميق الإيمان وزيادة اليقين هدفه الأول في ميدان الإصلاح والتوجيه فعكفوا على نفوسهم بالتزكية والتطهير وبالإرشاد والتوجيه حتى سلس لهم قيادها، وسهل عليهم علاجها، ولا شك أن لتزكية النفوس والتقوى، والإخلاص والتجرد أسباباً كثيرة وأبواباً من أهمهما:

عبادة التفكير في خلق الله عبادة هجرها كثير من الناس وزهدوا فيها، وحري بالدعاة أن يعيدوها ويحيوها.

أولاً: الذكر وقراءة القرآن: 

       وهذا باب من أوسع الأبواب ومن أيسرها وأكثرها أجراً وأجداها نفعاً، فبالذكر يطمئن قلب الإنسان ويخشع، وبه يستشعر الذاكر عظمة الله تعالى، ويتذكر أن كل شيء في هذا الوجود يسبح معه ويحمد الله تعالى على النعم العظيمة التي أسبغها عليه من سمع وبصر ومأكل ومشرب وملبس….إلخ، ويكبر الله مستشعراً أنه مع الله الحق الذي لا يكبر بجانبه كبير، ويحس أنه لا يخشى أحداً إلا الله وحده ناظراً إلى الدنيا وظغاتها باستهزاء واستعلاء، لاتصاله مع الله الكبير المتعال.

       ولا بد للذاكر أن يراعي أموراً هامة حتى يكون ذكره لله مثمراً مؤثراً في نفسه وأهم هذه الأمور:-

أ- ذكر الصيغ الواردة: ولا شك أن الذاكر له أن يذكر الله بما يشاء وما يطمئن له قلبه وينطق به لسانه، غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أذكاراً معينة في كل حال من أحوال المسلم هو من خير الذكر وأحسنه لأنه أوتي صلى الله عليه وسلم  جوامع الكلام ، وأفضل الذكر ما ورد في القرآن ثم في السنة المطهرة.

ب- التفكر فيما يذكر: فالذكر الذي تعبدنا الله تعالى به إنما جعله شفاء للنفوس “وينزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين”[7] فحين نسبح الله تعالى علينا أن نستشعر عظمته وجلاله ونحس بأن الوجود كله يسبح معنا، وحين نحمده سبحانه، نتذكر نعمة الله الظاهرة والباطنة، وحين نقول الله أكبر… نحس بعزة الإيمان وقوته لأن الله هو القوي العزيز، وهكذا مع سائر الأذكار.

ج- الخشوع: فلا بد من الخشوع في الذكر، لأننا نذكر العظيم الجليل الواحد الأحد.. ولا بد أن يتناسب ذكرنا له مع مقامه وجلاله سبحانه.

       ولقد قلنا إن أفضل الذكر قراءة القرآن، فالقرآن هو أقوى سلاح في يد المؤمن في هذه الدنيا، فإن كل شيء يطرأ عليه التبديل والتغيير إلا هذا الكتاب الكريم “لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه”[8]، لذلك وجب على الداعية كثرة النظر في كتاب الله وأن يخصص لنفسه ورداً يومياً لا يتركه بحال من الأحوال.

       ولا بد لنا إذ نقرأ القرآن أن نقرأه على أنه  روح من الله تعالى، إنه تعالى يأمرنا وينهانا، فلا بد لنا حين نقرأ القرآن من أن نستحضر عبوديتنا لله تعالى وأن نتأمل فيه ونتدبر معانيه ونقف على عبره وعظاته.

 يجب فهم الدين بعيداً عن أوضاع نفسية خاصة أو بيئات تاريخية محددة حتى يمكن فهمه خالصاً نقياً من مصدريه الأساسيين: الكتاب والسنة.

ثانياً: ذكر الموت والإحساس بالغربة في الحياة:

       ويكون شعاره ذلك الشعار الذي رفعه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:” كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”[9]، فيعيش المسلم في هذه الحياة كالغريب الذي لا يأوي إلى شيء ولكنه يظل دائماً في شوق إلى دياره يترقب لقاء الله، كما يترقب الغريب لقاء الأهل والوالد، ويترقب رحمته ومغفرته ، ويكون الموت منه على مرأى ومسمع ، ينتظره في كل لحظة ويستعد له في كل حال، ينظر إلى القبور فيرى سكونها وهدوءها ليشعر أن تحت التراب أناساً مثله قد أفضوا إلى ما قدموا، فمنهم الذين اسودت وجوههم وازرقت عيونهم وكأني به يرى الملائكة التي تعذبهم ولا تأبه بصراخهم وعويلهم، ويحس بضمة القبر وقد أطبقت على أضلاعهم، ثم ينظر إلى التراب نظرة أخرى فينظر إلى أهل النعيم والجنات، مبيضة وجوههم، هادئة أرواحهم مطمئنة نفوسهم، ينظرون إلى رحمة الله تعالى ويحمدونه على النعيم، فيأخذ من هذا الموقف زاداً له في دربه وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا يقول:” أكثروا ذكر هادم اللذات”[10] يعني الموت.

       أذكر الموت هادم اللذات         وتجهز لمصرع سوف يأتي

       وما نعيم الدنيا إلا “كخيال طيف أو سحابة صيف، فهو ظل زائل، ونجم قد تدلى للغروب، فهو عن قريب آفل، قال النبي صلى الله عليه وسلم:” مالي وللدنيا؟ إنما أنا كراكب قال في  ظل شجرة ثم راح وتركها”[11]، وقال:” ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع”[12] [13].   

الأسلوب الثالث: الإكثار من التفكير في خلق الله:

            وهذه عبادة تركها كثير من الناس وزهدوا فيها فحري بالدعاة أن يعيدوها ويحيوها، كيف لا وقد ألزمهم بذلك ربهم “قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا”[14] وهي عبادة جليلة، وقربة إلى الله تعالى عظيمة تترك في النفوس أثراً لا يمحى وتسكب في القلوب رغبة ورهبة، وتنزع منها شروراً في النفس خافية.

ولذلك فقد مدح الله سبحانه وتعالى المتفكرين في خلقه فقال:” إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار”[15].

ولذلك فحين نزلت الآية السابقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ويل لمن قرأها ولم يتفكر” ولأمر ما كان رسول الله صلى الله وعليه وسلم يختلي في غار حراء قبيل بعثته الليالي الطوال يتفكر في خلق الأكوان وفي أمر الحياة. 

وفي اللقاء القادم نكمل بقية الأساليب الدافعة لتنمية الذاتية الدعوية بإذن الله.

      

[1] مجموع الفتاوى 15/166

[2] وديننا لا يوجد فيه رجال دين وإنما علماء الدين وحفظته.

[3] يوسف: 108

[4]  الرسائل – حسن البنا.

[5]  هذا الدين – سيد قطب ص 4، 8

[6] تذكرة العربي.

[7] الإسراء: 82

[8] فصلت: 42

[9] أخرجه البخاري (فتح 14/8).

[10] أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني (ص ج ص1221)

[11] الأحاديث الصحيحة (439و440) – صحيح الجامع 5544و5545.

[12] أخرجه مسلم.

[13] مدارج السالكين (ابن القيم 3/93).

[14] سبأ: 46

[15] آل عمران: