بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
العنف أسوأ وسيلة للتغيير، والثورات العربية التي استخدمت العنف في التغيير كانت وبالاً على الشعوب التي وقعت مقهورة تحت حكمها وعندما تستطيع الدبابة أن تغير وجوه الصف الأول، فإن تلك الوجوه تسعى جاهدة أن تغلق طريق الدبابات حتى لا يتكرر فيها ما صنعته هي بأسلافها، بل وتسعى لإزاحة كل الوجوه التي شاركت في حلاوة الوصول بالدبابة إلى القصر الجمهوري، ولذلك قالوا ” أن الثورة تأكل أبناءها” وهي مقولة صحيحة تماماً.
| الحل الأمني فقط سيحول المشكلة من عقول تحتاج إلى حوار، إلى قضية ثارات متبادلة بين الإرهابيين ورجال الأمن. |
والمشرط الأمريكي العنيف الذي استعمل في أفغانستان ثم في العراق يعكس اليوم أزمة أكثر مما يعكس ازدهاراً وديمقراطية في الدولتين، وما حدث في قلعة جانجي وتورابورا الأفغانية حدث منه شيء مقارب في أبو غريب، ولم يكن في تصور الشعبين في أسوأ أيام الحكم السابق أن يتم قصف حفل زفاف مدني لمجرد الاشتباه أو التصوير مع جثث الموتى للذكرى مع ابتسامة تخلو من حياء او خلق أو إحساس.
وتيار العنف الذي يضرب المنطقة اليوم لم يتعلم من التجارب السابقة، وأعتقد أنها حرب استنزاف شبيهة بحرب الاستنزاف ضد الوجود السوفياتي في أفغانستان، وكان الشيء الوحيد الثابت في المعادلة أن النسر الأمريكي استفاد من اندحار السوفيات من أفغانستان ويستفيد حالياً من الأعمال الإرهابية التي تمارس ضد المملكة العربية السعودية بلاد الحرمين الشريفين،وإن دعوى إخراج القوات الأجنبية من أرض الجزيرة لم تعد مقنعة، أو بعبارة أصح أصبحت كقميص عثمان الذين يريدون به تحقيق مآرب أخرى قد لا تمت إلى ما يحدث بصلة، وخصوصاً أن أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة خارج الحدود السعودية، ورغم ذلك يتم تجاهلها والتركيز فقط على المملكة مما يضع خطوطاً سميكة حول مصداقية تلك الدعاوي.
ما هو مطلوب اليوم أكثر من مجرد الإدانة التي كانت ممكن قبولها في بداية أحداث العنف، ما هو مطلوب اليوم استراتيجية مواجهة وليس تكتيك لتبادل العنف بالعنف والهدف ليس هو سلاح الإرهابيين بل العقول التي تقف خلف تلك الأسلحة ، والوسيلة ليست أمنية بحتة وإن كان التحرز الأمني جزء هام منها، والغاية ليست مجرد إنهاء دوامة العنف، إنما تأسيس مجتمع غير قابل لاستنبات هذه التجارب المريرة مرة أخرى.
| سكرتير الحكومة البريطانية يقترح عليها دعم التيارات الإسلامية المعتدلة لمواجهة التطرف ومنا إلى الأنظمة العربية. |
نحن نحتاج وصفة علاج يمكن أن نلقي الضوء على بعض ملامحها في البنود التالية:
أولاً: تسريع خطى الإصلاح، والتحول من اللقاءات البروتوكولية والرسمية إلى وضع الخطط والمحاور والجدولة الزمنية التي تلائم المنطقة بروحها العربية والإسلامية، وليس بالضروري أن تكون هذه الخطط متوافقة مع رؤيا القوى الخارجية، فهذا سيصنع تطرف مضاد ورفض للإصلاح معتمداً على الدفاع عن الهوية الذاتية.
كما إن هذا الإصلاح يجب أن يمتد لمختلف المجالات مما يعني إزالة تراكمات وبيروقراطيات قاتلة وربما التصدي لفئات ترى مصالحها الشخصية في الحفاظ على الوضع القائم، وأفضل وسيلة لذلك أن يتحول الإصلاح إلى قناعة لدى مختلف الطبقات القيادية في المجتمع مع تحييد وعزل المنتفعين من قلاقل الوضع الحالي، وبالدفع بالوجوه الجديدة مع دعمها بالخبرات العريقة حتى تصبح عملية الإصلاح عملية ميكانيكية حيوية تتم عبر كل المستويات الوظيفية والمهنية حتى يتحول الإصلاح من مجرد شعارات تهدف إلى تخفيف الضغط الخارجي والمطالبة الشعبية إلى اندفاعة مدروسة ضمن برامج تتبناها الجهات العليا حتى ينتقل هدف الإصلاح من زاوية الجمود والركون إلى زاوية الحركة والتطبيق.
ثانياً: تصحيح التصور الخاطيء عن الوضع العربي والتركيبة النفسية والعقلية لدى القيادات الغربية، وخاصة رجال الكونغرس الأمريكي الذين يتحفونا كل يوم بهجوم جديد على المعاهد الشرعية والقرآنية، علماً بأن التطرف الذي يتحدثون عنه نشأ في جزء منه لتحقيق مصلحة أمريكية في أفغانستان في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وإن طلبة العلم الذين تخرجوا من تلك المعاهد الشرعية هم البنية التحتية الذين يعملون الآن في الساحة السعودية لمحاربة التطرف والإفراط والدعوة إلى التسامح والوسطية، وإن خلط الأوراق بين الإسلام كدين وبين ممارسات البعض الخاطئة التي تنسب إلى الإسلام لن تؤدي إلا للمزيد من التطرف، وأن أفضل وسيلة لتغذية التطرف يكمن في إغلاق المعاهد القرآنية التي تقوم على منهج سلفي نقي وسليم ويخطيء بمتابعة الجهات الرسمية ويلقى القبول لدى شرائح المواطنين المختلفة، وبالتالي فإن الحاجة تزيد إلى تفعيل العلاقات العامة وبرامج الإعلام الموجهة ببعض الساسة الغربيين حتى لا يهرفوا بما لا يعرفوا، ولا يصبوا الزيت على النار، ومن ثم بدلاً من أن نعالج صداع الرأس نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع مرض خبيث تمكن وسيطر في ظل التضييق على معاهد الوسطية والاعتدال.
| يجب تخفيف نزعة القدسية المتبادلة بين المؤسسة الدينية والسلطة، وإغفال المؤسسة الدينية لدعوات الإصلاح المخلصة يفقدها هيبتها لدى الجماهير. |
ثالثاً: فتح المجال أكثر وأكثر أمام التيارات الإسلامية التي أظهرت وسطية وعقلانية وحرص منقطع النظير على مصلحة الوطن وهي التيارات التي انحازت لصالح الدين والوطن في مواجهة هذا العنف المستمر، وهذه الوصفة ليست وصفة ينادي بها زعيم تيار إسلامي يصنف تقليدياً بأنه “من طيور الظلام” ولا هي وصفة جماعات التأسلم السياسي كما يحلو للبعض أن يسميها، بل هي وصفة السير البريطاني “أندرو كوربنول” سكرتير الحكومة البريطانية الذي طرحه في مشروع خاص يحمل اسم ” المنافسة” وتقع وثائقه في أكثر من مئة صفحة لمعالجته المخاوف المتنامية عن إيواء بريطانيا نحو عشرة آلاف شخص من المتعاطفين مع تنظيم القاعدة، بل ويذهب المشروع بعيداً إلى ضرورة توفير الدعم المالي للزعماء الإسلاميين المعتدلين خصوصاً من المواطنين، مع إنشاء أماكن عمل صديقة للمسلمين ومحطات إذاعة وتلفزيون دينية معتدلة.
ومن المفارقة أن يكون بين هؤلاء الأئمة الذين تعتبرهم بريطانيا معتدلين الواعظ عمرو خالد الذي طورد ومنع في أكثر من موقع ومكان بأوامر عليا، لتكتشف بريطانيا اعتداله ووسطيته، ورأت فيه جزءاً من الحل بعد أن رأت أطراف عربية أخرى أنه جزء من المشكلة، وهذه المفارقة هي التي تجعلنا ندعو الحكومات العربية إلى إعادة النظر في تصرفات بعضها ضد الحركات الإسلامية التي يسبب التضييق عليها ومحاربتها واعتقال قياداتها في حملات أمنية متلاحقة إلى تغذية الاعتقاد الخاطيء لدى القيادات المتطرفة إلى أن هذه الأنظمة كافرة لا ينفع معها سوى البتر والعنف.
| الغاية ليست مجرد إنهاء دوامة العنف، إنما تأسيس مجتمع غير قابل لاستنبات هذه التجارب المريرة مرة أخرى. |
رابعاً: فتح أبواب الحوار، ثم المزيد من الحوار حول هذه الظاهرة في مختلف وسائل الإعلام، مع ضرورة الانتقال من مرحلة التنظير العام الهلامي حول حرمة الدم المسلم ودم المعاهد والذمي إلى الدخول في التفاصيل الفقهية، وإسقاط كل الحجج والبراهين المزعومة والاجتهادات الخاطئة التي يبرر بها هؤلاء أعمال العنف التي يقومون بها، فالحل الأمني وحده لن يعجز فقط عن حل المشكلة، بل سيفاقمها وتتحول المشكلة من عقول تملأها معلومات مغلوطة واجتهادات ينقصها الكثير من التوفيق وتحتاج إلى القليل من الجهد لإنقاضها، إلى مشكلة ثارات متبادلة بين الإرهابيين ورجال الأمن، وستنسى أصل المشلكة وندخل في دوامة عنف تضيع فيه البداية والنهاية وتتحول إلى حرب عبثية تفتح الباب واسعاً لتدخلات خارجية خبيثة بطابور خامس مندس بين المسلمين، وحاقدة على التجربة الإسلامية ويحلم بيوم الوأد لها، وساعتها ستنبته هذه العقول المغرر بها أنها خدمت أعداء الأمة خدمة عظيمة وجليلة عجزت عنها كل التيارات الذيلية التي تدين بالولاء للفكر الغربي والتصور الغربي للمنطقة العربية.
إن فتح باب الحوار لن يكون مجدياً فقط لإعادة الوعي لبعض تلك العقول المبرمجة على القتل في سبيل الفكرة المسيطرة على عقولهم، بل سيكون مفيداً أكثر لبعض المتعاطفين معهم لأسباب تتعلق بتردي الأوضاع العربية بشكل عام، والإرهاب الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني والاحتلال الأمريكي للعراق بشكل خاص فهؤلاء الذين يتعاطفون مع أعمال الإرهاب يحتاجون إلى إعادة تنبيه عقولهم إلى التفريق بين أسباب المشكلات القائمة من جهة وكيفية حل تلك المشكلات، ونجاح الحوار على الأقل في هدم جبهة المتعاطفين مع تيارات العنف لا شك أنه سيحاصر تلك التيارات ويضعفها، بل ويجفف الكثير من منابع الإرهاب التي تغذيها وتأتي في الغالب من المتعاطفين معها، مع ضرورة ترك باب التوبة مفتوحاً وعدم إغلاقه أمام من اكتشف خطأ الطريق الذي يسلكه، لأن اليأس وحده كافي لاستمرار العنف، وإن من الحكمة ترك هذا الباب مفتوح دائماً، لأن بعض العقول التي تأخذها غفلة التنظير الخاطيء، قد تتنبه وتعي أن ما يحدث من سفك للدماء قد بلغ مبلغاً لم يعد مقبولاً، وإن المنكر الذي يدعون أنهم يعملون على إزالته قد أتي بمنكر أكبر، وربما لو استمر الوضع على ما هو عليه فإنهم سيدركون بأنهم بدلاً من أن يكونوا سبباً في إخراج القوات الأجنبية من جزيرة العرب، سيكون بدلاً من ذلك سبباً رئيسياً في بقاء القوات الأجنبية في جزيرة العرب.
| خريجوا المعاهد الشرعية في المملكة هم البنية التحتية التي تعمل لمحاربة التطرف والدعوة إلى التسامح والوسطية. |
خامساً: يجب أن يعود للمؤسسة الدينية هيبتها، تلك الهيبة التي اهتزت بسبب بعض الفتاوى أو التصرفات الشخصية أو الآراء التي خرجت بنفس سياسي، كما يجب تخفيف نزعة القدسية المتبادلة بين المؤسسة الدينية والسلطة، فالتاريخ كان دائماً يحدثنا عن التصادم الذي يحدث وبدرجات متفاوتة بين نظرية المؤسسة الدينية، وتطبيق السلطة لنظرية المؤسسة الدينية، وإن عدم حدوث التصادم ينبىء بوجود خلل في الغالب لدى المؤسسة الدينية، فإذا ما كانت دعوات الاصلاح قائمة وملحة، وغاب هذا النفس الإصلاحي عن المؤسسة الدينية ، بل ووقفت من الإصلاح موقف المشكك بنية وعقيدة المطالبين بالاصلاح، فإن الجماهير لن تعود تنظر إلى تلك المؤسسة الدينية بالهيبة والمكانة التي اعتادت أن تعطيها لها.
فإن أضفنا إلى ذلك متغيرات شديد تجتاح المنطقة، وحالات من التفكك لمنظومة من الأفكار المقولبة الجامدة لزمن طويل لا يمكن أن تصمد أمام موجة حارة وسريعة نقلتها ثورة الإعلام هبطت فيها بآراء المؤسسة الدينية من مرحلة القداسة والعصمة، إلى مجرد الرأي القابل للنقض متى ما وجدت المدارس الإسلامية المقابلة الطريق مفتوحاً لطرح حججها وأدلتها الموفقة أمام أصحاب الأفكار الجامدة والمشفرة على رأي المؤسسة الدينية.

