بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
عندما تدخل لحظة النور في قلب المسلم فيلتزم دينياً ويحول رحاله في الحياة نحو غاية واحدة هي رضوان الله سبحانه وتعالى، ومن ثم حشد كافة الأهداف الفرعية والتفصيلية في حياته لتحقيق الغاية الكبرى من وجوده في هذا الكون وهو تحقيق معنى العبودية لله، فإن صافرة الانطلاق للحظة النور هذه والتي تعلن بدء الانضمام لقافلة الدعاة تشهد حماسة متوقدة تترجم إلى التزام بشعائر الإسلام، وحرص على العلوم الشرعية، وانكباب على مجالس العلماء، وتمسك بالصحبة الصالحة والرفقة الطيبة، والانحياز للمشروع الإسلامي وتبنيه والدفاع عنه.
وقد تشهد هذه الرايات تصورات غير مكتملة، وأفكاراً غير ناضجة وربما حصلت اندفاعة غير مدروسة تقف خلفها حماسة متوقدة لتعويض ما فات من العمر في الارتقاء بالنفس والنجاة من مسالك الغفلة في هذه الحياة، وتعتبر سنوات البداية لأي داعية هي السنوات الذهبية في النفسية المندفعة والحماسة المتوهجة لخدمة الدعوة والقيام بأعبائها.
ولأن نفس الحياة وروتينها يلقي بظلاله على النفوس، ولأن طبيعة النفس ملولة تحب التغيير والتجديد، ولأن تكاليف هذا الدين تحتاج إلى صبر على الطاعات وصبر على المعاصي، مع فعل المأمورات والامتناع عن المنهيات والإقلال من المباحات خوفاً من أن تجر إلى حرام، كانت النفس في حاجة إلى زاد ومعين لا ينضب يجدد اندفاعة النفس في سيرها إلى خالقها، وربما يجد الدعاة هذا المعين في القربات والطاعات وابتغاء وجه الله واللجوء إليه في أوقات السحر، وبين صفحات القرآن، والصيام والقيام والأذكار ومجالس القلوب والرقائق، وهذه كلها مطلوبة تغني عن فن المراقبة للنفس وتقويمها وفن محاسبة النفس ومراجعتها خوفاً من تغير النوايا أو دخول الهوى أو الانشغال بالتوافه وما لا يليق بالداعية.
والهدف الأكيد من وراء تلك القربات وإعمال المراقبة على النفس ثم المحاسبة والمراجعة فيما فعلت من خير وشر هو تأكيد بقاء الداعية على العهد مع خالقه لا يبدل ولا يغير، لا يليق ولا يستكين مهما توالت الخطوب وتغيرت الأزمان وأقبلت الفتن بالألوان، ومهما تقلب الداعية ما بين محنة ومنحة ووطن ومهجر وتنقل واستقرار، فهذا لا يغيره شيئاً ما دامت رايات الثبات خفاقة والاستقامة سيدة الموقف.
| الاستقامة روح تحيا به الأحوال وزكاة تربو عليها الأعمال، فلا زكاة للعمل ولا صحة للحال بدونها. |
وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبدالله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك (وفي رواية غيرك)، قال: قل آمنت بالله ثم استقم، وقد ذكر الإمام القرطبي في تفسير الاستقامة أكثر من عشرة أقوال للصحابة والسلف، ثم عقب: وهذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها:” اعتدلوا على طاعة الله عقداً وقولاً وفعلاً وداوموا على ذلك”.
قال تعالى:”إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون“[1] إن الذين آمنوا بالله ثم استقاموا فلم يشركوا به في عبادته أحداً فأدوا الفرائض واجتنبوا النواهي وماتوا على ذلك هؤلاء تتنزل عليهم الملائكة أي تهبط عليهم وذلك عند الموت بأن تقول لهم لا تخافوا على ما أنتم مقدمون عليه من البرزخ والدار الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم وأبشروا بالجنة.
وقال تعالى:”إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون“[2]وانظر كلمة “ثم” في الآية الكريمة فهي تفيد التراخي، لأن الإيمان يحصل بالنظر والتأمل دفعة واحدة أما الاستقامة فتحتاج إلى مراقبة النفس وذكر الوعد والوعيد في كل طاعة من فعل أو ترك.
والاستقامة لغة: ضد الاعوجاج، واصطلاحاً: الاعتدال في السلوك عن الميل إلى جهة من الجهات، ويقال: هي ألا يختار العبد على الله شيئاً، وسببها: كمال العلم بالأحكام، ومجاهدة النفس في كسر الهوى، وثمرتها السلامة من الحساب، والتخلق بشريف الآداب.
الاستقامة: درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيماً في حياته ضاع سعيه، وخاب جهده، قال تعالى:”ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً”[3]ومن لك يكن مستقيماً في صفته لم يرتق من مقام إلى غيره، ولم يبن سلوكه على صحة.
قال الدقاق: الاستقامة لها ثلاثة مدارج: أولها: التقويم، ثم الإقامة، ثم الاستقامة، فالتقويم من حيث تأديب النفوس، والإقامة من حيث تهذيب القلوب، والاستقامة من حيث تقريب الأسرار، فالأول تمحيص، والثاني تحقيق، والثالث توفيق.
والاستقامة: بالنظر إلى محالها خمسة أنواع: استقامة اللسان، واستقامة القلب، واستقامة الروح، واستقامة السر، فالأولى بالنطق بالحكمة، والثانية بصدق الهمة، والثالثة بحسن الخدمة، والرابعة بتعظيم الحرمة، والخامسة بالاشتغال بالمنعم دون النعمة.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في معنى قوله “ثم استقاموا” لم يشركوا، وقال عمر: لم يروغوا روغان الثعالب، فقول الصديق محمول على طلب التأويل، والقيام بشروط العهود.
وقال ابن عطاء: استقاموا على انفراد القلب بالله تعالى.
وقيل: إن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر، لأنها الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق.
وقال الواسطي: الخصلة التي بها كملت المحاسن، وبفقدها قبحت المحاسن، الاستقامة.
ويقال: الاستقامة في الأقوال بترك الغيبة، وفي الأفعال بنفي البدعة، وفي الأعمال بنفي الفترة، وفي الأحوال بنفي الحجبة.
| ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة، وهي الإفراط، ولا يبالي بأيهما ظفر: زيادة أو نقصان |
والاستقامة توجب دوام الكرامات، قال تعالى:”وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءًُ غدقاً” ولم يقل: سقيناهم بل قال: لأسقيناهم، يقال: أسقيت إذا علت له سقيا، وسقيته إذا ناولته ليشرب، فهو يشير إلى الدوام.
وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة، وهي الإفراط، ولا يبالي بأيهما ظفر: زيادة أو نقصان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:” يا عبدالله بن عمرو، إن لكل عامل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة أفلح، ومن كانت فترته إلى بدعة خاب وخسر”[4] قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل.
السلف الصالح والاستقامة
الاستقامة روح تحيا به الأحوال وزكاة تربو عليها الأعمال، فلا زكاة للعمل ولا صحة للحال بدونها.
فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد، ولنقف مع أولئك الأخيار وحالهم مع الاستقامة على طريق الرب الغفار.
عن مسلم البطين:” أن الربيع بن خثيم –أو خيثم- جاءته ابنته فقالت: يا أبتاه، أذهب ألعب؟ قال: اذهبي فقولي خيراً”.
فيا لله لا بنطق أبداً بكلمة اللعب فما بال أقوام لا يفيقون من اللهو واللعب والغفلة.
وقال رجل: صحبنا ربيع بن خثيم عشرين سنة، فما تكلم إلا بكلمة تصعد، وعن رجل من بني تيم: جالست الربيع عشر سنين، فما سمعته يسأل عن شيء من أمر الدنيا إلا مرتين، قال مرة: والدتك حية؟ قال مرة: كم لك مسجداً؟ وقال بعضهم: صحبت الربيع عشرين عاماً، ما سمعت منه كلمة تعاب.
قال بكار بن محمد السيريني: ما رأيت عبدالله بن عون يماري أحداً ولا يمازحه، ما رأيت أملك للسانه منه، وكان إذا جاءه إخوانه، كأن على رؤوسهم الطير، لهم كخشوع وخضوع، وما رأيته مازح أحداً، ولا ينشد شعراً، كان مشغولاً بنفسه، وكان له ناقة يغزو عليها ويحج، وكأن بها معجباً، فأمر غلاماً له يستقي عليها، فجاء بها وقد ضربها على وجهها، فسالت علينها على خذها، فقلنا: إن كان من ابن عون شيء، فاليوم، قال: فلم يلبث أن نزل، فلما نظر إلى الناقة، قال: سبحان الله، أفلا غير الوجه، بارك الله فيك، اخرج عني، اشهدوا أنه حر.
قال وهب رحمه الله: إن استطعت أن لا يشغلك عن الله تعالى أحد، فافعل.
| الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيماً في حياته ضاع سعيه، وخاب جهده. |
وعن عبدالله بن المبارك قال: قيل لوهيب بن الورد: أيجد طعم العبادة من يعصي الله؟ قال: لا، ولا من هم بمعصية.
وقال رحمه الله: لا يكون هم أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه.
ولله ما أجمل قوله في ترك ظاهر الإثم وباطنه، قال:” اتق الله أن نسب إبليس في العلانية، وأنت صدقه في السر”.
قال بندار:”اختلفت إلى يحيى بن سعيد أكثر من عشرين سنة، ما أظنه عصى الله قط، لك يكن في الدنيا في شيء”.
قال أبو حفص النيسابوري رحمه الله: من لم يزن أحواله كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعده.
ولله دره، وما أعلى استقامته حين يقول:” حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة، ثم وردت علي وعليه حالة صرنا محروسين جميعاً”.
قال عثمان بن عفان – رضي الله عنه-: استقاموا: أخلصوا العمل لله، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:” استقاموا: أدوا الفرائض.
قال مجاهد – رحمه الله-:”استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله”.
قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما:” يا معشر القراء استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً فإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة، وقال أيضاً: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة.
[1] سورة فصلت: (30-31).
[2] الأحقاف:13
[3] سورة النحل: 92
[4] أخرجه أحمد والترمذي

