تغيير البنية والظروف يستدعي الخطب والوسائل

                                    بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

       هناك مطولات وكتب ومؤلفات دعوية بلغت العشرات وربما المئات في تأصيل صفات الداعية والخطاب الدعوي ووسائل الدعوة وغاياتها، بعضها يغوص في أعماق الكتب الأصولية  ليستنبط قواعد وقوانين الدعوة، وبعضها عبارة عن ممارسات وتجارب ذاتية في حقل الدعوة والعمل الإسلامي، والبعض الآخر عبارة عن نقد ذاتي مستمر لمسار الدعوة ومدى تحقيقها لأهدافها وغاياتها، وهي في مجموعها مؤلفات  قيمة أثرت المكتبة الدعوية وألقت الأضواء على مختلف الزوايا في حياة الدعوة والداعية، ومع كل ثنائنا على هذه المؤلفات إلا أن بعضها قد كتب في ظروف وبيئات مغايرة تماماً لما نعيشه اليوم من أحداث وظروف وخاصة في العقد الأخير.

بعض مؤلفات الدعوة تم تاليفه في ظروف وبيئات مغايرة تماماً لما نعيشه اليوم من أحداث ومستجدات.

ومع دخول القرن الميلادي الجديد أصبحت معدلات التغيير في البيئات الاجتماعية والتربوية والنفسية يخضع لمتغيرات كثيرة ومتسارعة، حيث يشهد العالم الإسلامي بدايات عوملة مدعومة بمؤسسات اقتصادية وإعلامية عملاقة، ومؤثرات اتصالية قادرة على التأثير الشديد والعميق على مكونات العقل الإسلامي، وتضرب في جذوره وبنيته الاساسية بشكل مؤثر وخطير، بالإضافة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي يبدو أننا سنكتب على آثارها ومعطياتها لفترة غير قصيرة، وخصوصاً إن الإرهاب تحول الآن في وجهة نظر الغرب من اللون الأحمر إلى اللون الأخضر، وهو يعني وضع البلاد الإسلامية المستضعفة في بؤرة الاهتمام العالمي، مع تزايد جرعات الكيد والعدوان بمعدلات غير مسبوقة، كل ذلك يقودنا إلى إعادة النظر في دور الفرد المسلم والجماعة المسلمة والمؤسسة المسلمة في هذا العالم الجديد المستجد بظروفه الساخنة وما هي صفات النخبة المسلمة المطلوبة في تلك المرحلة والمعروفة اصطلاحاً باسم “الدعاة” وهو لا يعني إننا سنقوم بانقلاب فكري كامل على هذا المصطلح وصفاته المطلوبة، إنما نود أن نؤكد على بعض الصفات الضرورية واللازمة في تلك المرحلة للداعية، خصوصاً مع التنوع الذي يصل إلى حد التضاد والشذوذ في الرأي في بعض الأوساط الإسلامية والتي أبرزته وسائل الإعلام بشكل جلي بحيث نال الفكر الإسلامي في الفترة الأخيرة تجاوز كل المسلمات التقليدية في الخطاب الدعوي، وأصبحنا نسمع شذوذاً أو خروجاً على المعهود الإسلامي، وأصبحت دعوة التجديد كلمة حق يوشك أن يراد بها باطل في محاولة لتقديم خطاب إسلامي مقبول لدى الغرب.

ولو جمعنا كل الأحداث الشاذة والخروج غير المحمود على الفكرة الإسلامية الرئيسية نجد أنفسنا أمام حركة إسلامية جديدة لا تكاد تصل بصلة إلى ما تربى عليه الدعاة، فتشويه مفهوم الجهاد مثلاً لا يجعلنا نكفر بفكرة الجهاد، ووجود قيادات تاجرت بالقضية الفلسطينية وأضاعت ثروات شعوبنا بدعوى  المقدسات الإسلامية لا يجعلنا نؤمن بفكرة قبول إسرائيل كأمر واقع، وضغوط الغرب وهجومه المستمر على المناهج والفكر الإسلامي لا يعني أن نقبل فكرة طبعة منقحة من الفكر الإسلامي يؤمن بالعلمانية والليبرالية بمفهوهما الغربي المطلق وبكل عيوبها وعلاتها، نعم نحتاج إلى فقه الواقع ومراجعة فقه المقاصد والأولويات لكن هذا الموضوع شيء والتنازل عن أساسيات  الفكرة الإسلامية و”تهذيبها” من أجل إرضاء الآخرين شيء مختلف تماماً وحتى لا نصل بفضل دعاة التجديد المطلق في الصف الإسلامي وإن حسنت النيات إلى إسلام شكل آخر، يؤذي ويضر الفكرة الإسلامية أكثر مما يفيد.

ونحن في هذا المقال أردنا التأكيد على بعض صفات داعية المرحلة، وإن كان الموضوع متشعباً وعميقاً، فيكفي أن نلقي بعض الإضاءات هنا وهناك للتذكير ببعض هذه الصفات التي غابت عن فكر بعض الدعاة لعلهم يجدون فيها لافتات تعيد التاهيل لبعض هذه المفاهيم التي ضاعت وسط ضجيج مركز التجارة العالمي وهو ينهار أو وسط أزيز الطائرات وهي تدك أفغانستان والعراق.

 

 

عودة إلى المحاضن التربوية

“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”

قاعدة تربوية هامة وسنة اجتماعية الكل يجمع عليها، وكما يقول أصحاب الهندسة النفسية:”ليس هناك حظ بل هناك نتيجة وليست هناك مصادفة بل هناك أسباب ومسببات، وأن على الإنسان أن يتعلم كيف يكون مثابراً جداً”.

وهناك صفات أساسية للداعية هي  القواعد التربوية الأساسية التي يبني عليها بنيان الدعوة وهي:

أ- أن يكون رضى الله همّه وغايته ووجهته.

ب-أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوته ومثاله وأسوته وقائده وموجهه.

ج-أن يدعو إلى الدين كله كما أنزله الله سبحانه وتعالى.

د-عدم التفريط في الثوابت مع استيعاب المتغيرات.

      

المؤثرات الإعلامية والاتصالية تؤثر بشكل عميق على العقل المسلم وتضرب في جذوره وبنيته النفسية والفكرية.

وبناء على هذه القواعد التربوية الرئيسية تنبع صفات تربوية أخرى تدعم الحركة الدعوية للداعية وتزيدها استشراقاً وثباتاً، ومن تلك الصفات: 

1- يتقي الشبهات: “إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه…..”.

2- الاستشعار بالمسؤولية: “كلكم راعي وكلكم مسؤول عن رعيته……..” .

3- علو الهمة: قدوته النبي صلى الله عليه وسلم “ألا أكون عبداً شكوراً….” والله لو وضعوا …. بلال أحد …أحد.

4- التفائل دائماً: ” يسروا ولا تعسروا بشروا ولا تنفروا”.

5- مداومة الذكر وتجنب فضول الكلام[1].

6- الوسطية في الانفعال: فينزل الناس منازلهم ولا يغفل عن أخطائهم، مع عدم إهدار حسناتهم وحفظ أعراضهم بلا إفراط ولا تفريط.

       كذلك هو وسط في إعطاء الجد وقته واللين وقته، مع تحديد الوسائل والغايات والمصالح والمفاسد والجهد المبذول[2].

7- تطبيق المعادلة التربوية النفسية:

أ- المكاشفة للنفس بعيوبها وميزاتها، مع الحذر حين اكتشاف العيوب من الفزع والقنوط فإنه لا عصمة لنبي ولا كمال إلا لله وحده سبحانه وتعالى.

ب- المعاهدة على تنفيذ البرنامج الذي يوضع بناء على المكاشفة التي تمت لإصلاح عيوب النفس.

ج- المراقبة وهي مراقبة الإنسان لنفسه ومتابعتها في تنفيذ هذا البرنامج التربوي في الإصلاح.

د- مجاهدة النفس وبذلها غاية الاستطاعة في الوصول إلى إصلاح حالها، تخلصاً من العيوب وإكتساباً للفضائل[3].

      

 أصبحت دعوة تجديد الفكر الديني كلمة حق يوشك أن يراد بها باطل لتقديم خطاب إسلامي مقبول لدى الغرب.

وهناك مواصفات أخرى في غاية الحيوية  للعمل الحركي الدعوي، وبدونها يصعب تحقيق النتائج  المرجوة ومنها:

1- استشعار القدوة:

       يلاحظ أن مستويات فهم الكلام  عند الناس تتفاوت، ولكن الجميع يتساوى امام الرؤية بالعين المجردة لمثال حي، فإن ذلك أيسر في إيصال المعاني التي يريد الداعية إيصالها للمقتدي، أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:” اتخذ الناس النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” إني اتخذت خاتماً من ذهب، فنبذه وقال: إني لن ألبسه أبداً فنبذ الناس خواتيمهم”.


2- أن يكون رفيقاً:

       قال صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم:” إن الله رفيق يحب الرفق،ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف، وما لا يعطى على ما سواه”.

       قال ابن حجر في قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى:” بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا” .

       قال ابن حجر:” والمراد تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدرج……” والرفق مع الجهال والجفاء وبطيء الفهم، وكذلك الرفق في الاختلاف قال شيخ الإسلام في الفتاوى 24/173:” وأما الإختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة” أ.هـ

       ولذلك نرى له كلاماً رائعاً في الاختلاف الفقهي وتأليف القلوب فبعد أن تعرض لمسألة حكم تلاوة البسملة في الصلاة وعرض أقوال العلماء، قال:” ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف هذه القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما رأى في إبقائه من تأليف القلوب، وكذلك أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متماً، وقال: الخلاف شر[4].

تشويه مفهوم الجهاد لا يجعلنا نكفر بمبدأ الجهاد، والمتاجرة بالقصية الفلسطينية لا يجعلنا نقبل بإسرائيل كأمر واقع.

بل إن الأمر هذا لأهميته نرى أن رسالة شيخ الإسلام لأهل  البحرين في الفتاوى 6/485-506 عندما اختلفوا في مسألة رؤية الكفار لربهم، وهي من المسائل الفرعية في العقيدة، فقال في نهاية بيانه:” إنما الغرض بيان أن هذه المسألة ليست من المهمات التي ينبغي كثرة الكلام فيها، وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة، حتى يبقى شعاراً يوجب تفريق القلوب وتشتت الأهواء”[5] الفتاوى 6/485  .

       وهناك مواصفات تربوية أخرى في غاية الحيوية للعمل الحركي الدعوي وبدونها يصعب تحقيق النتائج المرجوة ومنها:

1- الاهتمام بأمر العقيدة وتحقيق العبادات القلبية والاهتمام بها، مع الابتعاد عن الأساليب الكلامية والمناهج الفلسفية.

2- الإيمان بما يدعو به.

3- الاتصال الوثيق بمن يدعو إليه.

4- العلم والبصيرة بما يدعو إليه.

5- العمل بعلمه والاستقامة في سلوكه.

6- الوعي الكامل بما يحيط بالدعوة ومتطلباتها وواقع  المدعوين من حوله.

7- الحكمة في أسلوب الدعوة.

8- التخلق بالخلق الحسن.

9- إحسان الظن بالمسلمين “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث” متفق عليه.

10- أن ينزل الناس منازلهم، ويعرف لأهل الفضل فضلهم، كما في حديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها:” أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم”.

11- الاستشعار الدائم بأنه في موقف القدوة.

12- يحسن التفريق بين منهج الدعوة الرباني “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجد” وبين منهج الدعوة البشري “وهي الاجتهادات البشرية”.

13- يختار المنهج المناسب لتطبيقه في المواقف المناسبة والحال المناسبة، فيراعى الظروف واختلافها.

14- في استخدامه للوسائل الدعوية يبتعد عن الوسائل التي تكون شعاراً للكافرين     ” نحو الناقوس في الآذان”.

15- الحذر من مشكلة انفصال العلم عن العمل، والحذر من انفصال العفة عن الفكر.

16- تقوية العلاقة الأخوية بين المؤمنين عامة وبين الدعاة خاصة.

17- الموازنة بين صيغة الداعي “في النفرة من المعاصي والمنكرات وكذلك الحب في الله والبغض في الله” وبين وظيفة الداعية ” في أن يختلط مع العصاة ويدعوهم…” فلا تغلب وظيفته على طبيعته فيألف المنكرات لمعايشتها وللأسف في مجتمعنا من غلبه وظيفته طبعته فانزلق، ومن غلبه طبعته وظيفته فجلي في مسجده وبيته.

18- الموازنة بين الأصالة والمعاصرة.

وهذه المواصفات التربوية لا يمكن أن تتكامل ولا تتناقض إلا  إذا انطلقت من فكر تربوي ورؤية تربوية شاملة للكون والحياة والنفس من منظومة متجانسة، يقول الاستاذ عمر عبيد حسنة في كتابه “مراجعات في الفكر والدعوة والحركة”:” التربية هي الرحم الذي تتخلق فيه الأجنة بكل طاقاتها، وقدراتها، بشكل سليم، وهي المحضن، والمناخ الي يوفر الشروط لرعاية القابليات، وتنمية كل القدرات والطاقات التي تتوزع وظائف الحياة الاجتماعية، واكتشافها، وتوجيهها، وتشكل النسيج الاجتماعي للأمة وفق تخطيط تربوي صحيح.

 المراجعات الفكرية والفقهية شيء والتنازل عن أساسيات الفكرة الإسلامية شيء آخر.

       والعملية التربوية عملية مركبة، تتداخل فيها الكثير من العلوم التي لابد من تحصيلها، لأنها تشكل أبجديات الفقه التربوية إلى جانب القدرة على حسن التعامل مع هذه العلوم وتوظيفها بالشكل والقدر المناسبين.

       إذ لا يمكن أن نتصور  إنساناً يتكلم في التربية الإسلامية دون أن يتحصل على قدر كاف من علوم الدين، والسيرة، والتاريخ الإسلامي، لأن التربية في حقيقة الأمر تزاوج بين مجموعة من التخصصات، يحدث الإنجاب، أو الإنتاج التربوي، وما لم تتوافر هذه العناصر، فسوف لا يتم الإنجاب، إذ كيف يستطيع التخطيط التربوي، ودراسة المشكلات التربوية من وجهة نظر إسلامية، ممن لا يمتلك الرؤية الإسلامية والتخصص التربوي أصلاً؟” انتهى.

ويعلق على مسألة انعدام الرؤية التربوية الشاملة فيرفض عقلية التبغيض والتفكك فيذكر أنه :” قد يكون من المشكلات الأساسية التي تعاني منها العملية التربوية الإسلامية: عقلية التبغيض والتفكك، أو النظرات الجزئية التي تفتقر إلى الشمولية والتوازن، وضبط النسب، لأنها في نهاية المطاف تمثل النظرة الأحادية الضيقة التي تتوهم أنها اكتشفت الحقيقة المطلقة كلها، واستحوذت عليها من كل جوانبها، فلذلك تتحزب لها، وتنغلق عليها، وتلغي حق غيرها في النظر، وتلغي أيضاً حقها في النمو والامتداد الذاتي، كما تحول دون الإفادة من جهود الآخرين، ولو جاءت من المنطلقات نفسها، ونبتت في التربة نفسها، علاوة عن القدرة على الإفادة من نتاج الأمم الأخرى فيما يحقق الانتفاع.

       ولعل من مظاهر هذه النظرات الجزئية المتحزبة: ما نراه من الإصابات الداخلية التي لحقت ببعض مؤسساتنا التعليمية، والتربوية، والدعوية.

       فهي تارة تقدم علوماً محفوظة ولا تقدم تربية، وتارة أخرى تربية ولا تقدم علماً وضوابط شرعية لسلوك الإنسان… وبذلك تستمر في حياتنا المعادلة الصعبة، ويستحيل على المؤسسات العلمية والتربوية بوضعها الحالي أن تسهم بحلها، وهي: جلد الفاجر، وعجز الثقة..

 نحتاج تذكير بعض الدعاة بمفاهيم دعوية ضاعت وسط ضجيج مركز التجارة العالمي وهو ينهار، أو وسط أزيز الطائرات وهي تدك أفغانستان والعراق.

فبعض المؤسسات التي اعتمدت العلوم دون أهدافها وحكمتها، ونسيت دورها في تشكيل الإنسان، أخرجت حفظة ونماذج من حملة الفقه، لكن لا فقه لهم، ولا يخرجون عن أن يكونوا نسخاً جديدة لكتب قديمة، لسانهم لسان العلماء، لكن قد تكون قلوبهم وأعمالهم أعمال السفهاء.

       كما أن بعض المؤسسات، والتكايا، والزوايا، والربط الصوفية، حاولت أن تقدم تربية ورياضات روحية، وتزكيات نفسية، بعيداً عن ضوابط الشريعة وأصولها، واعتماداً على خطرات القلوب، وشطحات العقول، فضلت وأضلت، وانتهت إلى ضروب من الانتحار الروحي الذي يلغي الحس الحضاري المسؤول، ويؤدي إلى الإرجاء والانسحاب من المجتمع، والسلبية في التعامل مع الحياة، وأحياناً إلى لون من الشذوذ والانحراف، وعبادة الله بما يشرع، حيث تمجد الخرافة، وتهزم الحقيقة، وتخرج النماذج المشوهة التي تنفر بسلوكها بدل أن تغري به” انتهى.

      

ثنائية الاتقان والاستمرارية

       وبناء على مجموعة القواعد التربوية والفكر التربوي المتكامل، بإمكاننا أن نرى الداعية يجمع العمل المتقن، والاستمرارية المبدعة التي لا تنقطع عن البذل والعطاء، يذكر د.عماد الدين خليل عن العمل المتقن في كتابه “حول إعادة تشكيل العقـل المسلم”:” إن الناس في الأعم الأغلب، يمشون إلى أهدافهم، أو يهرولون إليها، ولكننا هنا نجد أناساً يركضون… لقد بعث الإسلام أجيالاً من العدائين الذين عرفوا كيف يحطمون الأرقام القياسية وهم يجتازون الموانع والمتاريس، ويقطعون المسافات الطوال…

إن القرآن الكريم نفسه يصفهم بأنهم “يسارعون في الخيرات” وأنهم … لها سابقون” فها نحن بصدد مؤشرين للسرعة… والإنجاز الذي يختزل ويحقق أهدافه القياسية المرتجاة: المسارعة… والسبق…

       إن الغربيين يتفوقون اليوم علينا بأشياء وممارسات كثيرة… ولا ريب ان من أبرز  هذه الأشياء والممارسات هو قدرتهم على الركض إلى الأهداف، وتجاوز المشي أو الهرولة إليها… على اختزال حيثيات الزمان والمكان… على الحفاظ على شدهم وتوترهم المعطاء حتى خط النهاية… على المسارعة في الإنجاز والسبق إلى كل ما هو أكبر وأكثر غناء… ولن يكون بمقدورنا أن نلاحقهم ونصل إلى مواقعهم، بل أن نسبقهم، ما لم نتحقق بالشرط نفسه…إننا هنا  لا نستعير تقليداً حضارياً من الغرباء، ولكننا نرتد إلى أصولنا، نرجع إلى كتابنا وسنتنا وتقاليد أجدادنا الرواد لكي نعرف كيف يكون السبق الحضاري… والتحقق.. والإبداع!!.

 القدوة مهمة للداعية، وتطبيق النظريات والأفكار يحتاج إلى قدوات، وهذا من أسرار إرسال الرسل مع الكتب السماوية.

       إن الانتماء إلى الإسلام يعني – في نهاية التحليل- الموافقة المبدئية على الدخول في عمل مبرمج مرسوم… والإيمان  بالله يعني التحقق بالقناعات الكافية بجدوى هذا العمل… أما التقوى فهي تلك الطاقة الفذة التي تشعل مصباح  الضمير فيظل متألقاً متوهجاً حتى يغيب الإنسان في التراب ما دام يشعر في كل عصب وجارحة وخلية أن الله يرقبه وهو يمارس هذا العمل أو ذاك… ويجيء الإحسان لكي يضع الإنسان المسلم المؤمن المتقي… في القمة… في المصاف الأعلى حيث الإحسان… الإبداع الكامل في كل ما يقدمه الإنسان..

       من جهة أخرى، فإن الحركة الإسلامية في العالم، هي في حقيقة الأمر حركة صوب “الوفاق” مع نواميس الوجود، وسنن الطبيعة، وقوانين  الكون.. لقد انشقت أجيال بني آدم، بهذه الدرجة أوتلك، ولهذا السبب أو ذاك، عن الناموس… وجاء الإسلام – بمفهومه الشامل- لكي يعيدها إلى الانتماء والوفاق…” انتهى[6].   

يضاف إلى ما سبق ضرورة الاستمرارية في العمل فخير العمل أدومه وإن قل” فالحضور الدائم للداعية وعدم الانطفاء أمر مطلوب.

       فهم يقولون:” بعيد عن العين بعيد عن البال” فكلما قدمت نفسك كلما تحقق لك نجاح كبير – انظر عندما يختفي الرياضي أو السياسي أوالواعظ-  ويكون تقديم النفس بمهارة جديدة مع الاتقان لها لتأتي بصورة صحيحة، وحتى تكون صحيحة لا بد من أن تحسن الحديث والمقابلة للآخرين ولهذا الأمر مهارات كثيرة لا بد من تعلمها والتدريب عليها”[7].

فإذا ما اضفنا إلى ثنائية العمل المتقن والاستمرارية روح الإبداع كان العمل رائداً، فلفظ العمل ورد بتصريفاته المختلفة في القرآن الكريم فيما يزيد على الثلاثمائة وخمسين موضعاً، يقول د.عماد الدين خليل معلقاً على قوله تعالى:”وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبكم بما كنتم تعلمون”[8]:” أن المحور الأساسي لوجود الإنسان – فرداً وجماعة- على الأرض هو العمل الذي يتخذ مقياساً عادلاً لتحديد المصير في الدنيا والآخرة، وهو “موقف” ينسجم تماماً مع فكرتي ” الاستخلاف” و”الاستعمار” الأرضي..

 يحتاج الداعية في بعض مراحل الدعوة إلى العودة إلى المحضن التربوي ليعيد شحن إيمانياته ويتفقد قلبه ويعيد ترتيب أوراقه.

       إن “الإيمان” الذي يقوم عليه بنيان الدين يجيء دائماً بمثابة “معامل حضاري” سيمتد أفقياً لكي يصب إرادة الجماعة المؤمنة على معطيات الزمن والتراب، ويوجهها في مسالكها الصحيحة، ويجعلها تنسجم في علاقاتها وارتباطاتها مع حركة الكون والطبيعة ونواميسها، فيزيدها عطاء وقوة وإيجابية وتناسقاً…

كما يمتد عمودياً في أعماق الإنسان ليبعث فيه الإحساس الدائم بالمسؤولية، ويقظة الضمير ويدفعه إلى سباق زمني لا مثيل له لاستغلال الفرصة التي أتيحت له كي يفجر طاقاته، ويعبر عن قدراته التي منحه الله إياها على طريق “القيم” التي يؤمن بها و”الأهداف” التي يسعى لبلوغها، فيما يعتبر جميعاً – في نظر الإسلام- عبادة شاملة يتقرب بها الإنسان إلى الله، وتجيء مصداقاً للآية:” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”[9] انتهى.

وهذا يستدعي بلا شك الاستخدام الأمثل للإمكانات المتوفرة، فلو أحصينا عدد منابر الجمعة اليوم في العالم الإسلامي، التي يبدأ بناء مساجدها إلى جوار أول بيت في القرية، ويمتد إلى كل حي في المدينة – وخطبة الجمعة والسعي إليها، والسماع لها دون لغو أو انصراف من فروض الدين- لأدركنا أهمية المواقع والوسائل الإعلامية التي نمتلكها، وما يمكن أن تفعله في العالم لو كنا في مستوى المسؤولية المنوطة بنا، واسشتعرنا التحدي الذي يواجهنا.. والمنبر، بعض أشياء المسجد، ووسائله. 

ولا يمكن أن تكون هناك استمرارية واتقان وإبداع في الأعمال الدعوية دون وجود الاجتهاد المخلص  المنطلق من قاعدة الولاء لله ولدينه، فكل زاد قابل للنفاد أو التراجع أو الصدأ إلا زاد التقوى، فهو الذي يجدد للمرء عزيمته واجتهاده في نصرة الدين والعمل على رفعة شريعة الله، وأي دوافع وأهداف أخرى مهما كانت نبيلة فإنها ستتعرض في يوم من الأيام للجفاف والنضوب.

 كل زاد للداعية عرضة للنفاذ أوالتراجع أو الصدأ إلا زاد التقوى، فهو الذي يجدد العزيمة والبذل والتضحية.

ولقد أعطانا السلف الصالح القدوة في الاجتهاد والطاعة، فلم يكن يلهيهم شيء عن الاجتهاد في مرضاة الله، ورغم أن الإسلام في زمنهم كان غريباً في الأرض، ويحتاج إلى جهود ضخمة وجبارة لنشره في المنطقة إلا أن ذلك لم يكن ليشغلهم عن زادهم الذي يستعينون به على مصاعب الدعوة، فالدعوة عندهم ليست قميص عثمان الذي يبررون فيه تكاسلهم عن الطاعة والعبادة، وعندما نتكلم عن عمود الصلاة التي هي الزاد الأساسي للداعية، فإننا نرى في سلفنا الصالفح العجب العجاب، فهذا عبدالله بن مسعود رض الله عنه يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذات ليلة، فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء! قلنا: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه”.

قال الحافظ في الفتح: وقد كان ابن مسعود قوياً محافظاً على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وما هم  بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده.[10]      

وأخرج الطبراني في الأوسط بسنده عن المسور بن مخرمة، قال: دخلت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مسجى فقلت: كيف ترونه؟ قالوا: كما ترى، قلت: ايقطوه  بالصلاة فإنكم لن توقطوه بشيء افزع له من الصلاة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين! فقال: ها الله إذاً ولا حق في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليثعب دماً.

وعن محمد بن سيرين قال: قالت امرأة عثمان رضي الله عنه حين أطافوا به يريدون قتله: إن تقتله فإنه كان يحيي الليل كله في ركعة يجمع فيها القرآن.  

 

 

 

 

[1] انظر شخصية المسلم المعاصر للطحان

[2] الحركات الإسلامية المعاصرة : عائض بن عبدالله القرني.

[3] انظر مشروع برنامج تربوي إسلامي لإصلاح النفس للدكتور عبدالحي الفرماوي

[4] انظر القواعد النورانية الفقهية ص43 – 44

[5] انظر مسائل كثيرة من هذا في معاً على طريق الدعوة- ابن تيمية وحسن البنا للأستاذ محمد عبدالحليم حامد.

 

[6] حول إعادة تشكيل العقل المسلم للدكتور عماد الدين خليل

[7] انظر “كيف تقدم نفسك كمحترف” نقله إلى العربية فريق بيت الأفكار

[8] التوبة: 105

[9] الذاريات: 56

[10] صفحات مضيئة من عبادة السلف للأستاذ إبراهيم العلي.