متى تجيش التيارات الإسلامية إمكانياتها لإدانة هذه الممارسات الشاذة
بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
قبل أن ننتهي من مقال الأسبوع الماضي رمت الأحداث بمزيد من الأسئلة على قلب الحليم الحيران، وإن كانت الصورة قد أصبحت أكثر وضوحاً والرؤية أكثر اتساعاً، وبقدر اهتمامنا بأهمية العودة إلى مدرسة الوسطية والشمولية المنفتحة على الآخرين، بقدر ما تريد أن تعيدنا الأحداث إلى ضرورة مواجهة مدرسة الشذوذ والنتوءات التي تقوم بتشويه الإسلام وهي تزعم خدمته والدفاع عنه ضد خصومه وأعدائه.
| هل يجهل القرضاوي أن قوات الاحتلال أيضاً بريطانية وإلا لماذا استثنى المدني البريطاني من الفتوى. |
نعم إن الغرب أدرك مبكراً ومنذ بداية حركة الاستشراق أن من الأهمية بمكان فهم العالم الإسلامي ودقائق تفاصيله وعادات شعوبه ومعتقداته ومكامن القوة والضعف فيه، وأسباب قدرته على الصمود في وجه كل الهجمات المتتالية على أراضيه وهويته منذ الحروب الصليبية وحتى اليوم على الرغم من الندوب والآثار الخطيرة التي تركتها تلك الهجمات في الجسد الإسلامي.
واليوم وبشيء من التواضع لا بد من الاعتراف أن مؤسسات البحوث والدراسات الاستراتيجية في الغرب وما تملكه من ميزانيات ضخمة وجبارة وعقول تقف خلف تلك المؤسسات تملك الوقت والإمكانات والأهداف السياسية قد استطاعت وضع استراتيجيات في غاية الخطورة تجاه تفكيك وتفتيت المشرق الإسلامي واللعب بالتناقضات التي يعيشها لتحقيق أهداف سياسية تخدم التفوق الحضاري للغرب وتضمن تدفق الثروات الطبيعية والبشرية بكل يسر وسهولة.
وقد جعلت تلك المؤسسات عناوين مثل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات وسائل في غاية الفعالية لتحقيق مثل تلك الأهداف، وكلنا ربما اطلع على استراتيجية الاستخبارات العربية والعالمية التي وضعت عشرين نقطة لمحاربة الخط الوسطي في الحركة الإسلامية باعتبارها أحد مكامن القوة في المشرق الإسلامي التي لا بد من تفكيكها أو تشويهها.
قبل عشر سنوات في بريطانيا
في محاضرة لي في بريطانيا قبل عشر سنوات تقريباً أثرت تساؤلاً حول سبب إقدام السلطات هناك على منح فيزا ولجوء سياسي لأبي حمزة المصري في أقل من أسبوع مع معرفة الأمن البريطاني والاستخبارات البريطانية عن ماضي الرجل ومن أين جاء في حين ترفض منح الفيزا بل وتلاحق أصحاب الفكر الوسطي والشمولي المعتدل من جماعة حزب النهضة التونسي، وهم خلاصة المجتمع التونسي من كفاءات علمية متميزة من أساتذة جامعات وأطباء ومهندسين ومفكرين، كما يمثلون نظرية متطورة في الانفتاح والحوار في وسط الجسد الإسلامي، وهم الذين دفعتهم الظروف السياسية لمغادرة تونس وترك كراسي التدريس في جامعاتها العريقة، وظلوا سنوات عديدة بلا فيزا أمام مماطلة السلطات في بريطانيا لسنوات عديدة، مما يضع علامة استفهام كبيرة على خيارات منح الفيزا لتيار العنف وتمنع عن التيار الوسطي المعتدل.
| إلى متى العبث باسم الإسلام.. ومتى تنتهي هذه الفوضى الفكرية. |
كما أذكر أنني قلت في المحاضرة أن السلطات البريطانية ستستمر هذه الشخصيات في تشويه الدين الإسلامي وإظهاره للشعب البريطاني على أنه دين إرهابي ودموي، وقد تأكد هذا الموضوع بعد ذلك أكثر وأكثر عندما رفضت بريطانيا تسليم بعض المطلوبين للسلطات المصرية بدعوى حقوق الإنسان علماً بأنها سلمت بعضهم قبل فترة قليلة للولايات المتحدة ضاربة بحقوق الإنسان التي تزعمها عرض الحائط.
إن مراكز الدراسات التي تقف خلف السلطات الغربية لا تعمل من فراغ، فهناك تخوف كبير من انتشار الإسلام في الوسط الأوروبي، وليس أي وسط بل بين أبناء النخبة البريطانية وأبناء الطبقة النبيلة، حيث تدل الإحصائيات على إقدام أعداد لا يمكن الاستهانة بها وبما تمثله من توجهات، على اعتناق الإسلام وسط النخبة البريطانية، وأعداد المساجد التي تتزايد في بريطانيا والكنائس التي تغلق لعدم وجود رواد حتى قال البابا في تصريح خطير إن أوروبا في حاجة لإعادة التبشير بالمسيحية بين شعوبها من جديد.
| لماذا الجرائم في حق المسلمين يتم استنكارها، والجرائم بحق الإنسان يسكت عنها؟! |
هذه المعطيات جعلت الغرب يستبدل الخطر الأحمر الشيوعية بالخطر الأخضر الإسلامي، فوجود التيارات الشاذة عن الفكر الوسطي والمعتدل ما هو إلا سلاح في يد تلك السلطات الغربية تستطيع من خلاله تشويه الإسلام، وتدمير الأمة الإسلامية من داخلها وخلق الصراعات بين شعوبها، ومن خلال هذا التيار يمكن اختراق المجتمعات الإسلامية، وبسبب هذا الصراع غير المتكافىء بين الطرفين سقطت أفغانستان والعراق، وبقية الدول العربية الإسلامية في الطريق ولا تحتاج إلا إلى أن تستوي بعض القضايا الإقليمية والاجتماعية حتى تكتمل حجج التدخل المباشر، ومنها ما يحدث اليوم في دارفور السودان، والتحرك ضد سوريا وإيران.
نتوءات شاذة
لقد وجدت أجهزة الاستخبارات الغربية في هذه التيارات التي تنسب زوراً لجسد التيار الإسلامي أداة مناسبة لتحقيق مخططات طالما حلمت بأداة لتنفيذها، ووجدت في هذه التيارات الساذجة والشاذة والسادية والمأجورة فرصة لا تعوض لتحقيق بعض مخططاتها في اختراق الأمة وتدميرها من الداخل.
ولقد رأينا في الماضي كيف استطاعت دولة الإسلام أن تنشر الإسلام في ربوع الإمبراطوريتين الفارسية والرومية في زمن بسيط، استطاعت فيه أن تنهي ظلم وتسلط تلك الإمبراطوريات على رقاب العباد، وتركت لهم المجال مفتوحاً ليقرروا عقيدتهم وهويتهم بحرية وكرامة بعد أن أزالت عنهم المكوس والضرائب ورق العبودية والاستعمار فلم يستطيع الحل العسكري مواجهة أمة الإسلام، لكن الفتن من الداخل نجحت فيما فشلت فيه جيوش الفرس والروم مجتمعة.
| بعض الفضائيات تخدم الفكر المنحرف ببثها لعمليات إعدام الرهائن الأبرياء، وتساهم في تشويه الإسلام. |
فمن الذي قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وفتح باب الفتنة على الأمة وأسال الدماء على المصحف في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ألبوا ودسوا وكذبوا على الخليفة ومنعوا الصحابة رضوان الله عليهم وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الدفاع عنه كما منعوه الماء وكأنه ليس خليفتهم، لكنه الشذوذ والفقه المنحرف عن كل فهم صحيح.
وانظروا إلى ما قاله الصحابي الجليل عبدالله بن سلام رضي الله عنه والذي كان قبل إسلامه كبير أحبار اليهود عندما مرّ قبل أيام من قتل الخوارج لعثمان فوقف على باب دار عثمان وخاطب الخوارج المحاصرين له قائلاً كلمة بليغة:” يا قوم لا تقتلوا إمامكم وخليفتكم، ولا تسلو بقتله سيف الله عليكم، فوالله إن سللتم سيف الله عليكم، لن يغمد بعد ذلك! ويلكم! إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة والعصا، فإن قتلتموه لن يقوم سلطانكم إلا بالسيف، فغضب الخوارج منه وشتموه قائلين:” يا ابن اليهودية، وما أنت وهذا؟ وما يدريك من هذا الأمر!” وردهم دليل آخر على قصر نظرهم فكانوا أداة سهلة طيعة للتآمر على دين الله.
وهذا ما حدث ويحدث في الوقت المعاصر من استغلال المتآمرين على هذه الأمة لسذاجة وقصر فقه وفهم بعض أبناءها والسعي لتدميرها والعبث بمالها ومقدراتها بأيديهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!!.
وهل اكتفى الخوارج بذلك بل أشعلوا نار الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وكلما كادت النوايا الحسنة أن تنهي هذه الفتنة أسرعوا بإشعالها من جديد.
وهل اكتفوا بذلك؟ قام عبد الرحمن بن ملجم بقتل علي بن أبي طالب بنفس طريقة قتل أبو لؤلؤة المجوسي للخليفة العادل عمر بن الخطاب، وبهذه الفعلة الشنعاء أنهى هذا الخارجي عهد الخلافة الراشدة ليبدأ عهد الملك العضود، بعد أن كفروا علياً ودعوا إلى التحكيم ورد عليهم بمقولته الرائعة التي تصف حالهم بدقة:” هذه كلمة حق يراد بها باطل…
| الإسلام ينتشر بشكل مذهل بين أبناء النخبة في بريطانيا ومطلوب أدوات متطرفة لتشويهه. |
وهكذا على مر التاريخ كانت فكرة تدمير دولة الخلافة من داخلها بتجنيد بعض أبناءها الذين يسوقهم فكرهم القاصر وحماسهم المندفع وخبرتهم المحدودة في متاهات لا طاقة لهم بإدراك أبعادها، فتكون النتيجة وبالاً على كامل الأمة، وها هي الأنظمة الغربية قد استثمرت بعض المتطرفين الذين لجأوا إليها وهيأت لهم وسائل الإعلام لينشروا فكرهم وانغلاقهم وتطرفهم حتى يقولوا من جهة للذين شرح الله صدرهم للإسلام من الأوروبيين: هذا هو الدين الذين تريدون اعتناقه وتتركون من أجله دين آبائكم وأجدادكم وهؤلاء هم رموز هذا الدين انظروا إلى تطرفهم وفكرهم الشاذ، وعنفهم مع خصومهم ألا يذكرونكم بعصر إرهاب الكنيسة، وهم من جهة أخرى يستغلون شواذ الفكر هؤلاء في التخطيط والهجوم على المسلمين وديارهم ونهب ثرواتهم، فكان هذا الفكر الخارجي ومن يحمله خير وسيلة لتشويه الإسلام وضرب التيار الإسلامي المعتدل وخاصة تيار الوسطية التي يمثله حسن البنا بتجربته وتعاليمه القادرة على التفاعل الوسطي والحضاري في مختلف المجتمعات، مما سمح لهذا التيار بالتمدد والشعبية في بيئات مختلفة وقارات مختلفة ووجد إقبالاً من كافة شرائح المجتمع.
فكان لا بد من تسليط هذا الفكر الخارجي ودعمه ومساندته بالإعلام وتوفير ساعات البث المختلفة والمباشرة والأخبار العاجلة لبث هذا التهريج المسمى عمليات إعدام الرهائن وإسالة دمائهم أمام شاشات التلفاز، فكانت هذه أكبر خدمة تقدم لهذا الفكر المنحرف، وأكبر خدمة تقدم لمن يريد تشويه صورة الإسلام، حيث جلس هؤلاء الذين يطمعون بزلة لهذا الدين وهم يبتسمون ابتسامة صفراء وهم يشاهدون ماذا يفعل مدعوا الانتساب للإسلام وهم يطيرون رؤوس العباد بلا ذنب جنوه سوى حظهم العاثر الذي أوقعهم في براثن هؤلاء الذين اتخذوا من العراق منطلقاً لتشويه الإسلام لأن العراق الآن واقع تحت مسمع العالم، وإلا من أراد أن يحارب أمريكا فهي موجودة في كل مكان، وإلا فماذا يعني نحر تركي من قفاه أو ذبح فلبيني من الوريد إلى الوريد، أو خطف رهائن من مدرسة أطفال وقتلهم بلا ذنب اقترفوه.
كلنا يذكر قبل سنوات وفي أيام الانتفاضة الأولى أثر الإعلام في إثارة الشعوب عندما تم عرض القوات الإسرائيلية وهي تنفذ سياسة تكسير أيادي أطفال الحجارة الفلسطينيين وأثر ذلك السلبي في صورة دولة إسرائيل الديمقراطية، وهذا الأثر السلبي تكوّن ضد إسرائيل مع كل التعاطف والتأييد الجارف الذي تحظى به إسرائيل في أوروبا وأمريكا، فكيف بالله عليكم سيكون رد الشعوب التي لا تعلم إلا ما تنقله لها وسائل الإعلام وهي ترى ليل ونهار حفلات الإعدام التلفازية الذي يقوم به حفنة تدعي تمثيل الإسلام وتسعى لشرف الدفاع عنه!
لا تسبوا الله
ولا يمكن المضي قدماً في هذا الموضوع دون ملاحظة أثر قتل (12) عاملاً من النيبال لا ناقة لهم ولا جمل، يقتلون هكذا بدم بارد وكأنهم من أبرز قيادات الجيش الأمريكي المحتل، والنتيجة قيام بعض النيباليين بحرق مسجد وحرق ما به من مصاحف وتمزيقها، فمن قام بهذا الأمر من قتل لهؤلاء الأبرياء إنما هو شريك كامل الشراكة في حرق المسجد والمصاحف، وكأن هؤلاء الذين اتخذوا الدين ستاراً للعبث بحرمات الجسد الإنساني والتمثيل بهم قد نسوا قوله تعالى:” ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون”[1].
| هؤلاء الذين قتلوا العمال النيباليين شركاء في جريمة حرق المسجد ومصاحفه في نيبال. |
قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، “فيسبوا الله عدواً بغير علم” قال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدواً بغير علم، فأنزل الله:”ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله”.
ومن هذا القبيل، وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها، ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”ملعون من سب والديه، قالوا: يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال:” يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه” أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وقوله:” كذلك زينا لكل أمة عملهم” أي وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار “كذلك زينا لكل أمة” أي من الأمم الخالية على الضلال “عملهم” الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره “ثم إلى ربهم مرجعهم” أي معادهم ومصيرهم “فينبئهم بما كانوا يعملون” أي يجازيهم بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
يقول سيد قطب رحمه الله معلقاً على الآية:” وهو أدب يليق بالمؤمن المطمئن لدينه، الواثق من الحق الذي هو عليه، الهادىء القلب، الذي لا يدخل فيما لا طائل وراءه من الأمور، فإن سب آلهتهم لا يؤدي بهم إلى الهدى ولا يزيدهم إلا عتاداً، فما للمؤمنين وهذا الذي لا جدوى وراءه وإنما قد يجرهم إلى سماع ما يكرهون، من سب المشركين لربهم الجليل العظيم؟!
الفتاوى المثيرة مرة أخرى
لن نندفع كثيراً وراء هجمة رابطة محبي أمريكا تجاه فتوى الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله الذي أفتى فيها بجواز قتل الأمريكان في العراق سواء العسكريين منهم أو المدنيين، ولكننا أيضاً لنا تساؤلات مشروعة تجاه تلك الفتوى لما أثارته من مواقف متضاربة ومتناقضة في وسائل الإعلام المختلفة، فلا يمكن وضع الأمريكان المدنيين في العراق في سلة واحدة، فمنهم من يعمل في المنظمات الإغاثية ومنهم من يعمل في المجال الصحفي ولعل بعضهم ساهم في كشف فضيحة سجن أبو غريب وما حصل فيه من انتهاكات بشعة بحق العراقيين على أيدي القوات الأمريكية، وبعضهم جاء للعمل في قضايا لا علاقة لها بالاحتلال والتحرير بل بإصلاح البنية التحتية من ماء وكهرباء وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة وهؤلاء يعملون بشكل فني بحث، ومنهم معارض للحرب على العراق بشكل كبير، فلماذا يؤخذ هؤلاء بالشبهة ويقتلون بلا ذنب.
السؤال الثاني: لماذا حصر الشيخ فتواه بالمدنيين الأمريكان دون سواهم علماً بأن قوات الاحتلال أمريكية- بريطانية مشتركة وهل استثناء الشيخ للمدنيين البريطانيين من الفتوى علاقة – كما يزعم المغرضون- بقبول استضافة الشيخ ليعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي عقد مؤخراً في بريطانيا، ومن قبل ذلك استضافة ابنتي الشيخ للدراسة في بريطانيا، علماً بأن ما يجري على الأمريكان كان عقلاً يجب أن يسري على البريطانيين، وهل معنى جواز قتل المدنيين الأمريكيين في العراق يعني جواز قتل العسكريين الأمريكيين في قطر وخصوصاً إنهم الذين قادوا معركة دخول العراق وإسقاط النظام؟.
ثالثاً: هل أخذت الشيخ حماسة الجماهير التي كانت حاضرة لمهرجان جمعية الصحافيين المصرية فأطلق هذه الفتوى في لحظة حماس دون الرجوع إلى اتحاد علماء المسلمين حتى تخرج الفتوى متوازنة سليمة تقرأ الواقع بعين أكثر من عالم، وكانت الحماسة سبباً في خروج الشيخ عن اعتداله المعروف به، وخصوصاً وهو من دعاة الحوار والتسامح مع الآخر.
| هل يجوز قتل الصحفي الأمريكي الذي كشف عن عمليات التعذيب في سجن أبو غريب لمجرد أنه مدني أمريكي موجود العراق؟. |
قد يقول قائل إن فتوى الشيخ تتناسب مع فتواه الأخرى بجواز قتل المدنيين في إسرائيل، فنجيب أن الفرق بين الحالتين واضح، وهو أن المدنيين الإسرائيليين أولاً كلهم في جيش الاحتياط الإسرائيلي، وثانياً يدعون أن فلسطين وطنهم وأرضهم على عكس المدنيين الأمريكان فلا هم بالضرورة يعملون كاحتياط في الجيش الأمريكي، ولا هم يقولون إن العراق أرضنا وأرض آبائنا وقد عدنا إليها.
جهاد لا فوضى..
هذا الطرح السابق الذي طرحناه لا يعني إننا أن نغلق باب الجهاد على من احتل أرضه ووطنه، ولكننا نريد لهذه الفوضى التي تستغل فوضى الوضع بالعراق واندساس الموساد اليهودي هناك لتقوم بتصفية حساباتها مع أطراف أخرى، فيقوم بعض المنتفعين ليتستروا بالإسلام والجهاد ثم يقومون بخطف الأبرياء وكل همهم على مبلغ الفدية غير سائلين باحتلال ولا وطنية، وهؤلاء كثيرون وأكثر من الهم على القلب، ولو كانوا صادقين لما قبلوا بالفدية من الأساس، فمثل هذه الأعمال أقرب إلى البلطجة وقطع الطريق منها إلى شرف الجهاد..
كما إننا لا يجب أن نغفل دور هيئة علماء المسلمين في العراق وضرورة الوقوف على آرائها وفتاويها ومواقفها الشرعية، لأنها أولاً من أهل البلد وثانياً تعرف حقيقة الوضع بكل دقائقه وتفاصيله، وثالثاً عليها واجب اتخاذ الموقف الشرعي وسبل التعامل مع المحتل، ضمن فقه يأخذ بالاعتبار معطيات الواقع، وعدم الغياب عن معامل القرار التي يتحدد بها مصير العراق كوطن ودولة ودستور ومواطنة وهوية وكيان.
من جهة أخرى لا بد من الوضع في اعتبارنا أن حركة المقاومة ليست جسماً واحداً بل هي أطياف مختلفة ولها دوافع مختلفة، فهناك عصابات إجرام وخطف وسلب ونهب تتستر بستار المقاومة وتقوم بعملياتها الإجرامية من أجل حفنة من الدنانير وهذه وراء الكثير من علميات الخطف التي تبدأ بإعلان ضرورة انسحاب البلد الذي يتبع لها المخطوف من العراق وتنتهي بإطلاق سراحه بعد الحصول على رزمة من الدولارات الخضراء.
| هؤلاء الذين خطفوا الفرنسيين تركوا كل مشاكل الاحتلال وتفرغوا لمشكلة الحجاب في فرنسا.. أين الأولويات.. أين الفقه.. أين الفهم؟ |
وهناك حركات مقاومة كل هدفها إشعار أصحاب القرار بثقل وجودها مثلما فعل مقتدي الصدر في النجف الذي تحول من النقيض إلى النقيض، وبعد أن كان يطالب برحيل القوات الغازية وعدم مهادنتها تحول بين ليلة وضحاها إلى حزب سياسي يعد برنامجه السياسي ليشارك في الحياة السياسية في ظل المحتل، وهناك أيضاً حركات مقاومة ليس لديها أدني معرفة بضوابط الجهاد وضوابطه فنجدها تفجر السيارات في عشرات المدنيين العراقيين الأبرياء في سبيل قتل أمريكي واحد، كما تجدها تقتل فلبيني أو تركي أو مصري وكل من يقع بيدها دون أن تنظر في جدوى الأمر وفائدته، وكأنه تيار دم ينبع من بين أصابع أتباعها ولم تعد تملك القدرة على إيقافه، وكأنها قد تعودت على القتل حيث لم يعد مهماً إذا كان المقتول بريئاً أو مداناً.
وهكذا يتم الخطف على الشبهة، فيخطفون من يعتقدون أن شكله ومنظره أمريكي فيجدونه بعد التحقيق أنه فرنسي، فيتركون قضية الجهاد والاحتلال برمتها ليتفرغوا لحل قضية الحجاب بفرنسا! ثم بعد يومين يطالبون بفدية بخسة ملايين دولار، وبعدها لا نعلم ما يفعلون، وهذا وضع طبيعي ما داموا أصبحوا هم نجوم الفضائيات بلا منازع!!
لقد قلنا في السابق وسنظل نقول إن السبيل لإنهاء هذا الوضع الشاذ ومحاصرة الفكر المنحرف الذي أصبح بفضل وسائل الإعلام الغبية يتحدث باسم الأمة ويتلاعب بمصيرها، إنما يكمن في فتح الباب لتيار الاعتدال والوسطية بالعمل، فلا يميل هذا التيار لإصدار فتاوى الخياطين التي يتم تفصيلها لتناسب ثوب السلطة وتنال رضاها، ولا يميل إلى الاندفاع المتهور الذي ينال من دماء وأموال العباد…
| نرجو أن لا يطول الوقت حتى تدرك الأنظمة أن التيار الإسلامي المعتدل هو الحل وليس المشكلة. |
إن الحركة الإسلامية المعتدلة وحدها القادرة على إعادة التوازن إلى جسد التيار الإسلامي، وإذا قال البعض لماذا لا يبرز هذا التيار من خلال وسائل الإعلام بأطروحاته ومواقفه، نقول أن هذا التيار إن سلم من الاعتقال والمصادرة، وإن سلمت قياداته في المهجر من الملاحقة والاغتيال، فإنه قادر على إشعال نقطة الضوء وقيادة الطريق نحو النور، ولكن وسائل الإعلام كعادتها لا تهتم بالبدر في ليلة كماله، ولكنها تبحث عن الشاذ والمثير، فإذا ما حصل كسوف للقمر تداعت كلها لنقل الحدث أما غير ذلك، فوسائل الإعلام مشغولة كثيراً هذه الأيام بمشاهد الدم والدمار والفعل العنيف.
أمنية ليتها تتحقق
وأخيراً لدي أمنية وليتها تتحقق بأن تتحرك كل المؤسسات سواء الرسمية والشعبية الإسلامية ابتداءاً من رابطة العالم الإسلامي ومروراً بكل الهيئات العالمية التي تجمع علماء المسلمين وانتهاء بالتنظيمات الإسلامية والجماهيرية الشعبية لوضع برنامج متكامل على مدى أسبوع يتم تغطيته عبر كافة الوسائل الإعلامية وبشكل مكثف من أجل البيان وبشكل واضح لاستنكار كل الأعمال الشاذة والمنحرفة التي تمارس اليوم في العراق وغيرها باسم الإسلام والإسلام بريء منها…
فمن سيحقق هذه الأمنية؟
[1] الأنعام: 108

