بقلم الشيخ د. جاسم مهلهل الياسين

قد تنزل بالفرد جائحة من الجائحات المالية يضطر على أثرها إلى مراجعة نفسه، والتفكر في أمره، ليرى ما بين يديه من إمكانات، وما هو قادم عليه من مشروعات ومصروفات ويوازن بين ما عنده، وما يريده، محددا الأولويات اللازمة، مستغلا كل باب ممكن، تزيد به ثروته وتقل به نفقته دون أن يحمل أبناءه عبئا أو يشعرهم بضائقة أو يعرض مستقبلهم القريب أو البعيد لمخاطر الديون والأعباء المالية، التي قد يضيقون بها أو يتضعضعون تحت سطوتها وجبروتها.

والدول في ذلك كالأفراد، فقد تضيق موارد الدولة حينا لسبب من الأسباب، وقد تتوسع في بعض النفقات حينا آخر لضرورة من الضرورات، وقد تجد بعد حين من تنفيذ سياسة معينة أن الخلل قد دب في الميزانية، وأن العجز قد ظهر فيها كبيرا كان أو صغيرا .. وقد يصل الأمر لأن تعرض بعض المؤسسات الدولية المالية خدماتها في صورة مقترحات لضغط النفقات وزيادة الغلات، وأسهل الطرق وأقربها أمام هؤلاء رفع أسعار الخدمات، أو إلغاء مجانيتها، مع إضافة رسوم أو قيود تجعل الضرورات يرتفع سعرها، ويصعب على كل الناس تحمل ثقلها. والمؤسسات التي تقترح مثل هذه الأشياء لا يعنيها في شيء إرضاء الشعب بقدر ما يعنيها جمع المال وزيادة وفرته، وكثرة تكديسه في خزانة الدولة، لتقول: إن العجز قد قل أو اختفى، وإن التضخم قد ذبل أو انمحى.

أما الذين يعنيهم أمر شعوبهم فإنهم لا يقبلون مثل هذه التصرفات ولا يضطرون إليها إلا بعد أن يستنفدوا كل وسيلة ويسلكوا كل طريقة لحل عجز الميزانية قبل تحميل أصحاب الدخول المحدودة أعباء جديدة.

وليست حكومة الكويت بمعزل عن أحاسيس الشعب ومشاعره، ولا هي ترضى أن تضيف إليه -مختارة- بعض ما تضيق به نفسه، ويعجز عنه دخله، ولذا فإني أظن أنها لن تدخر وسعا في أن تسلك كل طريق ممكن قبل أن تأخذ بهذا الحل السهل عند اتخاذ القرار، الصعب عند تطبيقه، حيث ينكسر نصله أمام المشاعر الرافضة التي تأبى اللجوء لمثل هذه التصرفات .. وقد اعتاد شعب الكويت أن تقدم له الحكومة كل ما يسره، وأن تدفع عنه كل ما يضره. ولهذا فنحن على ثقة من معالجة هذا الأمر دون تحميل أصحاب الدخول المحدودة ما لا يطيقون.

الفقر فقر النفوس:

إن فقر النفوس أشد إيلاما وأصعب علاجا من فقر الجيوب أو الخزائن، ولأن هذا النوع من الفقر يشقى به صاحبه وتشقى به الأمة، جعل الله الفلاح في توقيه فقال: “ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (الحشر:9) ولقد حقق المسلمون الأولون هذا الفلاح لمجتمعهم، حين تخلوا عن شح أنفسهم، وجادوا بما عندهم في سبيل الله، حتى كان أحدهم لا يستكثر شيئا يجود به في سبيل الله، يعالج به الفقر، ويحفظ على النفس الإنسانية عزتها من ذل الدين والحاجة والسؤال، ولم يقتصر الجود على الواجدين المكثرين وحدهم، وإنما امتد لبعض الذين لا يجدون غير القليل، الذي يقتسمونه مع إخوانهم، لا لكثرة مالهم وإنما لكرم نفوسهم، وصفاء قلوبهم، وسخاء أيديهم، مما استرعى نظر المنافقين، فعابوا المكثرين وعابوا المقلين فأنزل الله: “الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم(التوبة:79).

فإذا شحت النفوس، وامتنعت الأيدي عن العطاء، وتغلغلت الأثرة في القلوب، وسادت بين الناس في المجتمع فإن الفشل والإخفاق يسرع إلى هذا المجتمع إسراع السيل إلى المنحدر المائل، وإن كثر فيه المال، وتنوعت مصادره، فما قيمة المال في أيد لا تعطى، وما قيمة العلم في عقول لا ترشد، وما قيمة الفقه في قلوب لا تضئ للآخرين طريق الحياة ليخرجوا من الظلمات إلى النور. ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا بزهرتها فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم” .. الفقر الحقيقي هو فقر النفوس حين تتنافس على متاع الدنيا وتعرض عن طلب الآخرة بإنفاق المال في غير موضعه، أو الشح به على المكدودين الذين أعياهم النصب والتعب وراء تحقيق مطالب الحياة في يسر وسهولة، ولو أن هؤلاء المكدودين وجدوا من يمد إليهم يد العطاء، فيواسي جراحاتهم ويخفف آلامهم، لتحملوا راضين بما قدر لهم،  ولصبروا محتسبين عند الله أجرهم، ولكنهم قد يجدون -في بعض الأحيان- أعباء تضاف إلى أعبائهم، فتضاعف من غمهم وحزنهم وكربهم، لضيق ذات اليد أمام المتطلبات الجديدة، وعدم قدرة كواهلهم على تحمل الأحمال الثقيلة، لأن ضرورات الحياة قد قضت على أشواقهم الروحية.

فسلبوا ذلك التكريم الإنساني الذي استحق به الإنسان هذه الصفة، فإذا لم يتوافر للإنسان من ضرورات الحياة ما يتيح له فسحة من الوقت والجهد لهذه الأشواق الروحية، فقد سلب التكريم، وارتكس إلى مرتبة الحيوان، لا بل إن الحيوان ليجد طعامه وشرابه غالبا، وإن بعض الحيوان ليختال ويقفز ويمرح، وإن بعض الطير ليغرد ويسقسق فرحا بالحياة بعد أن ينال كفايته من الطعام والشراب.

فما هو بإنسان وما هو بكريم على الله، ذلك الذي تشغله ضرورات الطعام والشراب عن التطلع إلى مثل ما يناله الطير والحيوان، فضلا على ما يجب للإنسان الذي كرمه الله. فإذا قضى وقته وجهده، ثم لم ينل كفايته، فتلك هي الطامة التي تهبط به دركات عما أراد به الله، والتي تصم الجماعة التي يعيش فيها، بأنها جماعة هابطة لا تستحق تكريم الله، لأنها تخالف عن إرادة الله.

ودولة  الكويت منذ عقود من السنين يفيض منها الخير بعد أن يعم أبناءها، وقد كانت المؤسسات العالمية المعنية بالدراسات الاقتصادية والتي تقيس قوة اقتصاد الدول وثباته بمعرفة مقدار دخل الفرد فيها، كانت هذه المؤسسات تعتبر أن الفرد الكويتي لا يقل دخله السنوي عن دخل الفرد في كثير من الدول المتقدمة صناعيا وتقنيا.

أسباب منطقية وموانع أخلاقية نفسية:

ومعنى هذا أن الأزمة الحالية التي قد ترفع بسببها الأسعار أو تنقص الخدمات هي أزمة مرتبطة بأمن دولة الكويت بعد أن اهتز كيان هذا الأمن بشدة في أغسطس سنة 1990 مما استدعى زيادة الإنفاق العسكري زيادة كبيرة، بالمقارنة بما كان عليه قبل ذلك، ثم كانت الارتباطات الأمنية مع بعض الدول، وهي تكلف الميزانية عبئا ماليا قد لا يمكن الاستغناء في المستقبل المنظور، فإذا أضفنا إلى ذلك انخفاض سعر النفط بما لا يقل عن أربعة دولارات للبرميل الواحد أمكننا أن نعرف مدى ما يلحق الميزانية من عجز مع مطلع كل يوم جديد، كل هذا نسلم به ولا نغفل عنه ولكنا نقرر ما قرره الاقتصاديون من العجز المستمر يقود إلى التضخم ويكرسه، ويؤدي إلى ارتفاع مستمر في الأسعار، وإذا عجزت دخول الأفراد والأسر عن مجاراة ارتفاع الأسعار فإننا نعلم -والتجارب أمامنا كثيرة- ما لذلك من آثار ضارة ليس فقط على الاقتصاد ولكن أيضا على البنية الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع. (بحث معالجة العجز في الميزانية للأستاذ / عدنان البحر)

ومن هنا وجب قبل وقوع الآثار الضارة على البنية الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع أن تعمل على زيادة موارد الدولة من غير رفع للأسعار، وإلحاق ضرر بالناس، وإيذاء أصحاب الدخول المحدودة، الذين قد يتخلون -قبل رفع الأسعار- عن بعض ما يطلبون لأنفسهم ولأبنائهم من الرعاية، فما بالنا إذا ما ارتفعت الأسعار؟

وقد أصبح هاجس هؤلاء وقلقهم ألا يتوقف رفع الأسعار عند حد معين، وهذا ما تشير إليه الزيادة المرتقبة في أسعار الوقود والمحروقات، التي سيترتب عليها من غير شك -زيادة أسعار النقل والشحن والتفريغ وأسعار السفر، مما يؤثر -بدوره- على أسعار الأغذية وعلى تقليص الخدمات في بعض المرافق الحيوية، وقائمة ارتفاع الأسعار لا تقف عند حد مما يستلزم وقفة جادة تقوم بها الدولة قبل أن تقرر رفع الأسعار، لمعالجة عجز الميزانية، ومن المعروف المعلوم لدى المخططين الاقتصاديين (أن أي نفقة في ميزانية الدولة يمكن أن تعد مصدرا لعجز مساو لها في المقدار .. بحيث إننا لو امتنعنا عن تلك النفقة كلا أو بعضا لا نخفض العجز).

وسائل ممكنة:

ووسائل تخفيض العجز وأساليبه متنوعة، منها ما يتفق مع ما تقرره الشريعة الإسلامية في السياسة المالية، ومنها ما لا تقبله لأنه لا يتفق مع هديها ولذا (فلا يصح الاندفاع نحو تمويل العجز بصيغة شرعية قبل البحث في إمكان تخفيضه أصلا) (2).

و إمكان تخفيض العجز غير بعيد عنا لو أحسنا استخدام إنفاق ما تحت أيدينا فيما يجب الإنفاق فيه، وتخلينا عن الهدر، وإضاعة كثير من الأموال في أمور غير ذات بال، ولا نفع من ورائها إلا لقلة قليلة، هي في الأصل مستغنية بما عندها عن هذا النفع القليل الذي يضيع كثيرا من المال على حساب الميزانية العامة، مما يضر بأصحاب الدخول المحدودة، ويضيف إلى المترفين ترفا، ينشأ عنه الفساد لأ، الرسول صلى الله عليه وسلم سمى بيوت المترفين بيوت الشياطين، لما ينبع فيها من الفساد، ولما يخرج منها من الفتنة: “تكون إبل للشياطين، وبيوت للشياطين. فأما إبل الشيطان فقد رأيتها، يخرج أحكم بنجيبات معه قد أسمنها، فلا يعلوا بعيرا منها، ويمر بأخيه قد انقطع فلا  يحمله، وأما بيوت الشياطين فلا أراها إلا هذه الأقفاص التي تستر الناس بالديباج”. وإذا كان رسول الله رآها إبلا للشياطين، لا حاجة بأصحابها إلى ركوبها، بينما المنقطعون لا يجدون ما يركبون. فنحن نجدها هنا في بعض مظاهر الفخامة والرفاهة التي لا يعرفها إلا الأقلون! أما البيوت التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في الأقفاص التي تستر الناس بالديباج، فنحن نراها ووسائل الترف فيها لم تخطر على قلب بشر في ذلك الزمان! (العدالة الاجتماعية في الإسلام ص129)، ثم إننا لو تخلينا -أفراد ودولة- عن الإسراف والتبذير، وهو السمة المميزة للاستهلاك في كثير من السلع والخدمات، لحقنا كثيرا من الأغراض من غير أي زيادة يتحملها صاحب الدخل المحدود وفرق بين توفير ما يحتاج إليه الفرد، بحيث يضيف إلى رصيده النفسي والمادي استمتاعا بالطيبات، وبين التبذير والإسراف الذي يتجاوز مرحلة الاستمتاع بالطيبات إلى الاستغراق في إضاعة المال إرضاء للنزوات وطلبا للشهوات (إن الله يكره لكم ثلاثة: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)

(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ( إن المبذرين كانوا إخوان الشيطان وكان الشيطان لربه كفورا)

إيقاف الهدر، والابتعاد عن التبذير وتحديد الأولويات في الإنفاق وهي كما أوردها د. عبدالله محمد عبدالله على النحو الآتي:

أولا: رعاية المصلحة في تقسيم النفقات والبدء بالإنفاق على الضرورات ثم الحاجات ثم الكماليات ولكن في حالة الحروب والدفاع عن النفس تكون الأولوية في توفير حاجة الدفاع.

ثانيا: توفير أكبر قدر من المنفعة للمجتمع بأقل قدر ممكن من الإنفاق وذلك بتجنب التبذير والإسراف في الإنفاق، وهو ما يعرف عنه بترشيد الإنفاق الآن، وأن بحث اختيار من يناصبهم الأعمال.

ثالثا: وأن تكون زيادة الإنفاق مرتبط بنسبة الزيادة في الإنتاج على الأقل وإلا كان هناك تضييع لحقوق الأفراد في المجتمع.

رابعا: رعاية العدالة في التوزيع والقيام بحاجة الفقراء والمساكين وعدم استغلال النفقة العامة لمصلحة شخصية. (موارد الدولة ونفقاتها ص: 55)

وبعد تحديد النفقات والأولويات تحدد المقادير الصحيحة للإنفاق ليم إصلاح العجز والتخلص من الخلل الاقتصادي.

ثم بعد ذلك يأتي قانون الزكاة الذي يخرجها من إطار لتصرفات الفردية إيجابا أو سلبا إلى التصرفات القانونية الملزمة -بحسب الشروط المقررة في الشريعة- وهي تقدر بالملايين وتقوم مؤسسة رسمية كبيت الزكاة مثلا بجمعها بالطرق الرسمية، وتتولى مسؤولية تقديم خدمات اجتماعية كثيرة، نص عليها القرآن الكريم، وأحاطتها السنة المطهرة بعناية خاصة. وقد رفع الإسلام من أهمية الزكاة فجعلها الركن الثالث، وأناط بالدولة الإسلامية مهمة تطبيقها وتحقيق أغراضها.

إن التطبيق الصحيح للزكاة، إلزاميا على الأغنياء. وحقا للفقراء، يرفع عن كاهل ميزانية الدولة عبئا كبيرا في المعونات والمشروعات الاجتماعية مما يخفف من الضغط على الميزانية، ويقلل من عجزها إن وجد. فضلا عما يفعله من تأثير على التضامن والتآخي والتراحم في المجتمع (التزكية والتطهير الاجتماعيين) مما يزيد في رغبة واستعداد القطاع الخاص لدعم الميزانية العامة للدولة. (معالجة العجز في الميزانية ص192).

وهذا يحقق عدة وظائف اجتماعية وأخلاقية، ويخفف الأعباء عن ميزانية الدولة. ومن هذه الوظائف التي يحققها نظام الزكاة: ضمان حد أدنى من الدخل للذين عجزوا بوسائلهم الخاصة من حيث العمل والملكية عن توفير هذا الحد من الذين يظهرون هنا: أصحاب الحاجة من الفقراء والمساكين أصحاب الحاجة من أسري المسلمين (مصرف في الرقاب) الغارمون الذين استدانوا لأنفسهم أو لغيرهم استدانة مشروعة بجانب ذلك فتظهر مجموعة أخرى منها الإعانة على التعليم والإعانة على الزواج، كما حدث في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز والرعاية الاجتماعية تشمل كل الأفراد الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية، والزكاة هي الإيراد الرئيسي الذي يمول هذه الوظيفة. (موارد الدولة ونفقاتها ص23).

الزكاة تحقق جانب الرعاية الاجتماعية وتعفى الدولة من حمل أعبائها.

استجاشة الشعور الأخوي:

والخدمات العامة التي تقوم بها الدولة للمواطنين إنما يتكفل بها ما تملكه الدولة من موارد ومصانع ومناجم ومعادن وغير ذلك .. وقد لا تكفي هذه الموارد -أحيانا في بعض الدول- سد الاحتياجات ومتطلبات الخدمات، وفي هذه الحالة يلجأ الحاكم المسلم إلى ما كان يلجأ إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المواقف، حيث يحث الناس على بذل أموالهم والتصدق على إخوانهم، وقد جاء أبو بكر بكل ماله، وجاء عمر بنصف ماله، وجهز عثمان رضي الله عنه جيش العسرة واشترى بئر رومة وجعلها للناس بغير ثمن، وكان أحد المسلمين يأتي بالصرة قد عجزت يده عن أن تحملها لتتكون أكوام من الطعام أو الذهب والفضة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي منها الفقراء والمحتاجين ويجعلها في الأغراض التي يحتاج إليها المسلمون، وهذا يؤدي إلى قيام كل قادر بالاشتراك في تكاليف الدولة العامة بقدر استطاعته، على أن تقوم الدولة المعنية بذلك بصورة عصرية قد تأخذ صورة اكتتاب مثلا لإصلاح مرفق معين أو إحياء أرض أو تعليم الأفراد، أو تطبيب غير القادرين، وقد تتكون هيئات من بعض ذوي اليسار تؤدي خدمات للناس لا تقل كثيرا عما تقدمه الحكومة لهم، فماذا لو اشتركت شركات المقاولات على إقامة جسر معين، أو إنشاء محطة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه على أن يساهم فيها كل قادر بقدر ما يستطيع.

وماذا لو قامت مجموعة من التجار بصيانة مرفق معين يخدم الناس؟ والمجالات أمام الأثرياء لا تنتهي ولا تأخذ صورة معينة وبإمكان الحكومة أن تجعل مثل هذه الأمور تحت إشرافها إما بالتوجيه الفني والتقني أو بالمشاركة العلمية والمالية.

وبهذا وغيره مما يعرفه الراسخون في علم الإدارة وعلم الاقتصاد يمكن أن تسير قافلة المجتمع متعاونة متعاضدة، تعتبر الضعيف فيها أمير الركب، لا يلحقه حيف أو ضرر، ولا يقع ارتفاع الأسعار على رأسه وحده، فيحار في أمر بنيه وفي أحواله حين يجد أن ما في يده من المال يتآكل ويتناقص ويفنى قبل أن يفي بطلباته الضرورية مع ضياع الطلبات التحسينية والكمالية، مما يجعله حاقدا على المجتمع، حاسدا لأرباب النعمة، يتمنى أن تزول نعمتهم ليشعروا بما يشعر به من ضيق وكرب..

والإسلام بالسياسية التعاونية التكافلية التي تجعل الأثرياء يقدمون من أموالهم خدمات للفقراء يستل من النفوس سخائهما، ومن القلوب ضغائها، لأن الفقراء يشعرون أن لهم في أموال الأغنياء حقا يأتيهم في صورة خدمات أو معونات أو غير ذلك.

وبهذا يكون أبناء المجتمع صفا واحدا لأن البر جمعهم، والإسلام ضمهم بتعاليمه فكانوا محققين للآية الكريمة “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب وآتى المال على حبه ذوي القرى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون