الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين
| الوحدة أساس القوة:
الاجتماع قوة والتفرق ضعف |
تلك إحدى مأثورات القول العربي، التي لا يعارضها قول آخر، ولا يناقضها واقع أرضى فى أى زمن من الأزمان، بل ويؤيدها المأثور الشعبي العربى، إذ يحفظ الناس قصة الحكيم العربي الذي جمع بنيه حين وفاته، وأعطاهم -واحدا بعد الآخر- حزمة من العصى وطلب من كل أحد كسرها فما استطاع، فأخذ هذه العصى وفرقها وأعطى كل واحد من أبنائه عصا وطلب منه كسرها، فكسر كل واحد منهم عصاه بسهولة، وكان هذا الحكيم في غنى عن أن يقول لأولاده بعد هذا الدرس العملي: إن الاتحاد قوة وبقاء، وإن التفرق ضعف وفناء، فاستمسكوا بالقوة والوحدة، واحذروا الضعف والفرقة.
| “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” |
وفي إطار قوة الاتحاد وبقائه يأتي اجتماع رؤساء وأمراء وملوك دول مجلس التعاون الخليجي في دورته هذه المنعقدة في الكويت، ليجدد أملنا في تحقيق هذه القوة، قوة الاتحاد بين دولة بأى شكل من أشكال الاتحاد، حتى تخرج الشعوب الخليجية من حالتها التي هي فيها اليوم إلى حالة من القوة والمنعة، تتحطم على صخرتها الاعتداءات، وتتجاوز مواطن الخلافات والتمزقات، فتعود بذلك إلى التمسك بالحد الأدنى -على الأقل- من درجات التلاقى فى السراء والضراء عن طريق التعاون، الذي هو أصل من أصول الدين، أمر الله به المؤمنين، فقال سبحانه: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” وبين الرسول صلى الله عليه وسلم سمة التماسك التي ينبغي أن تكون أبرز سمات مجتمع المسلمين في قوله: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” بل بين أن تماسك المسلمين يعلو إلى درجة أكبر من هذه وأعظم حين قال: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” والجسد الواحد لا تفرقة فيه بين الأعضاء حين تصيبها الجراح والآلام، وكذلك الأمة المسلمة تأسى لما يصيب أى مجموعة من أبنائها، وتحزن إن لم تقدم لهم العون والنصرة والتأييد، والحد الأدنى المقبول لذلك هو التعاون.
أمل في الاندماج والوحدة:
| مصلحة بلدنا “الكويت” ومصلحة البلاد الخليجية كلها في التحالف مع عباد الرحمن |
على أن يظل معلوما أن هذا التعاون الذي ينبغي أن يكون بين المسلمين عامة، ودول مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة لأسباب غير خافية على أحد، هذا التعاون ينبغي أن يتطور إلى مرحلة أكبر وأعظم، ألا وهي مرحلة الاندماج الوحدوى الكامل الذى تفرضه عوامل داخلية متشابهة، وعوامل خارجية تتمثل في الأخطار المحدقة، والمطامع الشرهة، التي تتلمظ تلذذا، وتتشهى لالتهام المزيد من الثروات التي وهبها الله لهذه البقعة من الأرض.
ولذا فسياسة الأمن والدفاع لا تغيب عن بال المسئولين في دول مجلس التعاون الخليجي على أي مستوى من المستويات، ولا شيء يحقق الأمن في الداخل والزجر لمن يود الاعتداء من الخارج غير القوة، وفي مقدمتها قوة الوحدة.
ولسنا نقول ذلك اليوم كرد فعل لمشاعر نفسية حدثت نتيجة العدوان العراقي على دولة الكويت في الثانى من أغسطس سنة 1990، حيث شعر كل كويتى أنه داخل سجن كبير لم يتخلص من أسره إلى بعد سبعة أشهر حين حررت الكويت من اغتصاب صدام، فردد كل واحد بيت العقاد:
وكنت جنين السجن سبعة أشهر فها أنذا في ساحة الخلد أولد
ليست دعوتنا لوحدة اندماجية وليدة مشاعر نفسية، بل إننا دعونا من قبل وما زلنا ندعو إلى هذه الوحدة الاندماجية، إذ هي الخطوة التي يتم بها عبور المضيق، ونخرج بها من حالة الخوف والضيق، ونشعر أن الأرض بيننا فسيحة، وأن القوة عندنا مكينة، وأن الأخوة بيننا متينة، وأن الحياة أكثر أمنا، وأن العدو أقصر يدا وأثقل حملا، فلا تمتد يده إلينا لأننا أقوى مما يظن، وأقدر على رد كيده، وقطع حبله إن جار أو اعتدى، على أن ما نقوله صار من المسلمات والبديهيات التي لا يختلف عليها اثنان فالكيانات الصغيرة اليوم كيانات هشة ضعيفة، لا تسلم من بطش جار يتجبر، ولا تسلم من صفعة عدو يريد أن يتمكن، ولذا فالوحدة الاندماجية هي الملجأ الذى يحمى، والدرع الذى يقى.
هل نتحالف مع الشيطان؟
والأمل معقود على قادة دول مجلس التعاون الخليجى لكى يخطوا نحو هذه الخطوة، ويقربوا هذا الأمل، فنخرج -نحن الخليجيين- من حالة الضعف إلى حالة القوة والمنعة دون أن نكون في حاجة إلى التحالف مع الشيطان، فإن مصلحة بلدنا “الكويت” ومصلحة البلاد الخليجية كلها في التحالف مع عباد الرحمن، الذين تربطنا بهم روابط أقوى من مصلحة ظاهرة اليوم هنا أو هناك، فارتباطنا بهم ارتباط مصير، وليس ارتباط مصلحة، ثم إننا لسنا في حاجة إلى الشيطان لنتحالف معه كما صرح مسئول عندنا بالأمس القريب، ونظن أن اللفظ قد جاء على غير ما أراد، ولكن الكلام من مسئول يؤخذ عنه، وتتداول الصحف والإذاعات كلماته غير الكلام ممن ليس مسئولا، قد يستمع إليه وقد لا يستمع له، نقول هذا ونحن نعرف لهذا المسئول دوره البارز في خدمة الكويت وأهلها أثناء الغزو العراقي، ونكن احتراما كبيرا، وتقديرا عظيما لوالد هذا المسئول، الذي نعرفه وصولا للرحم والأقارب والجيران، عطوفا على المحتاجين الفقراء، محبا للخير، حريصا على البذل.
إننا لسنا في حاجة للشيطان والكلمات التي يحملها الأثير، وتجري بها الصحف هنا وهناك ويسمعها ويقرؤها من يعرف مغزاها ومن لا يعرف ينبغي ألا تكون محملة بإيحاءات قد تدفع البعض لتقليدها أو ترديدها أو النسج على منوالها.
وما حاجتنا للشيطان؟ إن حاجتنا إنما هي التعاون مع عباد الرحمن، والتقرب إلى الله سبحانه والمجاهرة بعداوة الشيطان، فما تحررت الكويت إلا بفضل من الله -سبحانه- وقد ردد ذلك مرارا صاحب السمو أمير البلاد حين سجد على تراب الكويت المحررة شكرا لله بعد أن وطئت قدمه تربتها، فكان عمله ذاك اعترافا بنعمة الله السابغة ومنته الكبرى، وقد أكد ذلك سمو ولي العهد في عديد من الأقوال، والحمد لله أننا بعد أن تخلصنا من الشيطان (صدام) وانتزعت الكويت من بين مخالبه الدامية وأنيابه البادية، فإننا نتجه إلى الله وحده، ونضع أيدينا في أيدي عباده المؤمنين، ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
ولئن كان القصد بالشيطان هو التحالف مع أمريكا، فإن الذين أطلقوا على أمريكا لفظ الشيطان الأكبر تخلوا عن هذا اللفظ، وها هو ذا الرئيس الإيراني محمد خاتمي يقول: “الشعب الأمريكي العظيم” “والحكومة منتخبة من هذا الشعب”، فكيف نتمسك نحن بلفظة مضى أوانها؟ ولماذا لا يتمثل في أقوالنا وأعمالنا الولاء والبراء؟ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الشيطان وأتباعه المشركين.
التعاون والوحدة سمة العالم المعاصر:
إننا حين ندعو إلى تماسك دول مجلس التعاون الخليجي في وحدة اندماجية، إنما ننظر إلى الأنظمة الحديثة في عالم اليوم من حولنا، حيث تحاول مجموعات من الدول توثيق رابطتها، وتقوية آصرتها رغم ما بينها من خلافات، يحدث ذلك في الغرب “أوربا” وفي الشرق “جنوب شرقي آسيا”، فدول أوربا التي بلغت مبلغا كبيرا من القوة تعمل على الوحدة بينها وتسير نحو هذا الهدف بخطوات عملية ثابتة ومواعيد محددة، وتحاول دول أخرى في جنوب شرقي آسيا اللحاق بالركب، وتعمل على إيجاد نوع من الوحدة، وذلك على الرغم مما بين هذه الدول في الشرق والغرب من خلاف.
جذور الخلافات والتمزقات:
ونحن في عالمنا الإسلامي عامة -ودول مجلس التعاوون الخليجي- خاصة لا تظهر في الأفق عندنا بوادر عملية جادة تسلك طريقها على أرض الواقع لتعلن عن نوع من هذه الوحدة (فيدرالية) أو (كونفيدرالية) وكل ما عندنا من هذه الوحدة بعض الهامشيات التي تتصل بانتقال المواطنين من بلد إلى آخر وما يجري في هذا المجرى فقط، أما وحدة الجيوش فلا وجود لها فضلا عن أمور أخرى كثيرة هي من صلب التعاون والوحدة غير متحققة وغير موجودة، ونأمل ألا يستمر هذا، وأن نضع حدا لحالة الفرقة التي يغذيها الأعداء، ويندسون بيننا من خلالها ويحققون مآربهم في ظل وجودها وسيطرتها وهذا دأبهم من قديم، فشعارهم المعروف (فرق تسد) ما زال حيا يستخدم، وسلاحا يستعمل وخداعهم في هذا السبيل معروف، فالجامعة الإسلامية التي نادى بها وعمل من أجلها جمال الدين الأفغاني مع السلاطين العثمانيين تم ضربها وتمزيقها بالدعوة إلى القومية العربية، التي جسدت لها كيانا حيا تمثل في الجامعة العربية التي لم تقدم شيئا نحو هذا الهدف، ولا عجب فإنها زرع بريطاني فماذا يثمر؟ ثم ظهرت محاولات شتى لكيانات تود أن تتجمع فكان منها مجلس التعاون العربي الذي وئد بعد غزو صدام للكويت، وكان منها مجلس التعاون الخليجي الذي بقي حيا دن فعالية تذكر، لأن الأيدي الخفية تحاول أن يظل هكذا، أو أن تناله التمزقات وتظهر فيه الخروف والجراحات، لذلك نرى أن دولة خليجية تسلط إعلامها على دولة خليجية أخرى جريحة بأبنائها، وتزيد من الألم والمرارة حين تتوجه للقاتل في داره بالزيارة تشد على يديه وتربت على كتفه وتشد من عضده، وتتبادل معه المجاملات.
ثم نجد الخلافات تثور من حين لآخر على قطعة أرض هنا أو هناك بين دولتين جارتين من بلدان دول مجلس التعاون الخليجي أو من بلدان عالمنا الإسلامي، وهي قنبلة يفجرها الاستعمار في الدولتين معا عندما يريد، وخارطة العالم الإسلامي والاختلاف فيها على الحدود بين الدول يغنينا عن الاستدلال، أفلا نثبت أننا أقوى من كيدهم وتدبيرهم؟ وأن عوامل الاشتراك والتعاون بيننا أعظم من بأسهم؟
| المؤتمرات في أمة الإسلام كثيرة والمنجزات قليلة |
وأخيرا، فإن المؤتمرات في أمة الإسلام كثيرة والمنجزات قليلة، فما يكاد يمر شهر إلا ويعقد مؤتمر يعبر عن السلطة الرسمية أو المؤسسات الشعبية وكلها في إطار الأمة الإسلامية، فهل استطعنا أن نغير شيئا أو نحسم أمرا؟ هل تغير واقعنا؟ هل توثقت الروابط بيننا؟ هل توحدت جيوشنا؟ هل أصلحنا إعلامنا بيننا؟ هل تجاوزنا مرحلة الانفعال الطارئ إلى الواقع الملموس والنفع المدروس؟ هل سنرى بعد هذا المؤتمر واقعا أفضل؟ ذلك هو الأمل، فهل يتحقق؟

