بسم الله الرحمن الرحيم

الفوائد التربوية والسلوكية المستخلصة من:سورة البقرة

 

المحور: آداب السؤال والتلقي

الوحدة الثالثة: إن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم

كما سئل موسى من قبل

أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل (الآية: 108)

 

أم:فيها وجهان: الوجه الأول: أنها للاستفهام على الأصل، فهي متصلة بما قبلها، وبناء على هذا فهي معادلة للهمزة التي سبقتها (1) في قوله تعالى: “ألم تعلم أن الله على كل شيء قديروهي بهذا الاتصال، وبهذه المعادلة، تؤدي معناها الأصلي، وهو أن تكون مردودة على استفهام قبلها.

والمعنى: ألم تعلموا أنه المالك المطلق الفاعل لما يريد، أم تعلمون وتسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عما لا ينبغي السؤال عنه، كما سئل موسى من قبل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ويكون الطرفان هما:

أي الأمرين:

من عدم العلم بما تقدم

أو العلم مع الاقتراح: واقع

والاستفهام في هذه الحالة ، للانكار، أي لا ينبغي أن يكون كل شيء منهما، ولا بد في هذه الحالة من تقدير (تعلمون ) قبل (تريدون).

وقد سوغ الخفاجي (2) المعني في هذه الحالة تسويغا طريفا، حيث قال: (ألم تعلم) محمول على الثقة، و(أم تريدون) هو الدال على الاقتراح المنافي للثقة، معادل له، كأنه قيل: أتثقون بعد العلم بما يوجب الوثوق؟ أم لا تثقون وتقترحون؟ كما اقترحت أسلاف اليهود.

____________________________________________________

(1) البيضاوي وحاشية الخفاجي – ج: 2 – ص: 359، الألوسي: ج:1 – ص: 558

(2) البيضاوي وحاشية الخفاجي – ج: 2 – ص: 359، الألوسي: ج:1 – ص: 558

 

وهذا الحمل للمعنى على الثقة: مؤاداه المبالغة، ومثاله: أن تلخص للمسترشد طريقي الخير والشر، وما فيهما من المصالح، والمفاسد، ثم تقول له: أهذا تختار أم ذاك؟.

الوجه الثاني: وهو الأشهر عند المفسرين، أن (أم) هنا تسمى (3) منقطعة، عاطفة وهي بمعنى (بل) الدالة على الاضراب، وقد ورد في الشعر العربي أنها بمعنى (بل) (4) قال الشاعر:

بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى            وصورتها أم أنت والعين أملح

وكانت العرب تقول: هل لك علي حق أم أنت معروف بالظلم، أي بل أنت.

ومعنى الاضراب هنا: الانتقال من حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر، عندما ظهرت مخايل التساهل، وظهرت أمارات التأثر، بأقاويل الكفرة، تحذيرا من ذلك.

وارتباطها بما ذكر قبلها، يتجلى في أنه تعالى يبين لهم بقوله “ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير”، أنه وحده المالك لكل أمورهم، وهو وحده العالم بما هو أصلح لهم.

وهي فاصلة جرت مجرى التعليل لقدرته تعالى، فالمعنى: بل تريدون، والاستفهام في هذه الحالة لمحض التوبيخ (5).

والمقصود في الاحتمالين هو توصية المسلمين بالثقة (6) برسول الله صلى الله عليه وسلم وترك الاقتراحات، والتعجيزات، فكأنه قيل: لا ينبغي أن تكونوا عندما نزل عليكم القرآن مثل اليهود الذين لم يثقوا بالآيات البينات، بل اقترحوا غيرها، فتضلوا وتكفروا بعد الإيمان.

 

تريدون: ضمير الجمع هنا موجه للمؤمنين، حيث جرد الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولقد توقف المفسرون عند أسلوب هذه الآية، لما فيه من المبالغة والبلاغة، فكأنهم بصدد الإرادة، فنهوا عن إرادة السؤال، فضلا عن السؤال نفسه (7)، فتوجه الانكار إلى الإرادة دون متعلقها، وهو السؤال، مبالغة في الانكار له والاستبعاد له، حيث إن العاقل المؤمن حقا، لا ينبغي أن يتصدى لمجرد إرادة ذلك فضلا عن فعله هو.

 

أن تسألوا رسولكم: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وهو على هذه المرتبة من علو الشأن، وتقترحون عليه ما تشتهون، غير واثقين في أموركم بالوحي، وبفضل الله تعالى.

________________________________________________

(3) القرطبي: ج: 2 – ص: 69، والخفاجي: ج: 2 – ص: 360

(4) ابن الجوزي: ج: 1 – ص: 112

(5) القرطبي: ج: 2 – ص: 69، الخفاجي: ج: 2 – ص: 360

(6) الزمخشري: ج: 1 – ص: 330، الألوسي: ج: 1 – ص: 558

(7) الألوسي: ج: 1 – ص: 559، الخفاجي: ج: 2 – ص: 360

 

وضمير الجمع (كم) :

(8)إما موجه للمؤمنين بناء على ما أقروا به من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

 وإما مضاف لغير المؤمنين، ولكن بناء على ما في نفس الأمر، ولو لم يقروا.

 

كما: دخل الكاف على ما، ولها وجهان:

الأول: أنها مصدرية، يؤول ما بعدها بالمصدر، وهو هنا مصدر تشبيهي، نعت لمصدر محذوف (9) أي سؤالا مشبها لسؤال قوم موسى.

فالمشبه: سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم.

والمشبه به: سؤال اليهود لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام (10).

الثاني: وهو أن ما موصولية في موضع المفعول به (لتسألوا) أي كالأشياء التي سئلها موسى (11).

 

سئل موسى: حذف الفاعل هنا تحقيرا له، فلم يقل: كما سأل أمة موسى أو اليهود، أي أن من سأل عن ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره (12).

وقد بين الله تعالى في آيات أخرى هذا السؤال فقال تعالى: “يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم.

 

من قبل: كفوق متعلق بسئل، وهو للتوكيد.

_______________________________________________________

(8) الألوسي: ج: 1 – ص: 559، الخفاجي: ج: 2 – ص: 360

(9) القرطبي: ج: 2 – ص: 70

(10) الألوسي: ج: 1 – ص: 560، الخفاجي: ج: 2 – ص: 360

(11) الألوسي: ج: 1 – ص: 560، الخفاجي: ج: 2 – ص: 360

(12) الألوسي: ج: 1 – ص: 560، الخفاجي: ج: 2 – ص: 360

 

أما أسباب نزول الآية ففيها أقوال (13):

 

1- قول ابن عباس: أن رافعا ووهب بن منبه قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ائتنا بكتاب نقرأة، تنزله علينا من السماء، وفجر لنا أنهارا، فنزلت هذه الآية.

2- قول مجاهد: إن قريشا سألوه صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال: هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا.

3- قول أبي العالية: إن رجلا، قال يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني اسرائيل.

4- قول ابن السائب: أن عبدالله بن أبي أمية المخزومي أتى النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش، فطلب الاتيان بالله والملائكة قبيلا، لكي يؤمن.

5- قول محمد بن اسحاق الانباري: أن جماعة من المشركين طلبوا معجزات كثيرة، مثل تفجير الأرض ينبوعا، وتسيير جبال مكة، وإنزال كتاب من السماء، وإنزال القرآن مجتمعا كالتوراة، فنزلت هذه الآية.

 

وقد تبنى الألوسي رأي ابي حيان بأنه يمكن جعل جميع هذه القضايا مجتمعة أسبابا لنزول الآية الكريمة (14).

أما المخاطب بالآية، فقيل هم (15):

– قريش، عن ابن عباس ومجاهد

– اليهود، عن مقاتل

– جميع العرب، وهو رأي أبي سليمان الدمشقي، قال لقد بالغوا في المسائل، فقيل لهم بهذه الآية: لعلكم تريدون أن تسألوا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يريكم الله جهرة.

والمعنى عموما: أن الله ذم كل من يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء على وجه التعنت، والاقتراح، كما فعل بنو إسرائيل مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، تعنتا وعنادا وتكذيبا (16).

وفيما يلي نستطرد أقوال ابن كثير رحمه الله تعالى في الموضوع، كما نستطرد الأحاديث التي احتج بها، فقال: هكذا حال الذين عدلوا عن الأنبياء وأتباعهم، والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر.

____________________________________________________

(13) ابن الجوزي: ج: 1 – ص: 111

(14) ج: 1 – ص: 108

(15) ابن الجوزي: ج: 1 – ص: 116

(16) ج: 1 – ص: 157

 

كما نهى الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها، كما قال جل شأنه: “يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حسن ينزل القرآن تبد لكم”.

ثم طلب منهم ألا يسألوا عن الشيء قبل كونه، فلعله يحرم عليهم من أجل تلك المسألة.

وقد وردت أحاديث في ذم كثرة السؤال رواها ابن كثير رحمه الله (17):

– “إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته” رواه ابن كثير.

وروى عن صحيح مسلم: “ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه” وهذا إنما قاله بعدما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، ثم قال عليه السلام: “لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم” ثم قال: “ذروني ما تركتكم” الحديث.

– ولهذا قال أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله، ونحن نستمع.

ونقل عن الحافظ بن يعلي الموصلي في مسنده بسنده عن البراء بن عازب، قال: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء، فاتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الاعراب.

ونقل عن البزار بسنده عن ابن عباس فقال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن:

يسألونك عن الخمر والميسر

يسالونك عن الشهر الحرام

يسألونك عن اليتامى

يعني هذا وأشباهه، انتهى كلامه رحمه الله

_____________________________________________________

(17) عن ابن كثير – ج: 1 – ص: 156-157

 

الدروس التربوية والسلوكية المستخلصة (18)

 

1- منع الأسئلة المقبوحة بعد ظهور الدلائل والبراهين.

2- كون المقترحات والأسئلة وبالا على أصحابها وعلى جميع المسلمين.

3- ذم التعنت والتعجير، والتحذير من طلب الخوارق والبراهين المادية، والتحذير من تعجيز الرسل وأتباعهم.

4- التأكيد على أن كل من سلك هذا الطريق فإنه يصل إلى نهاية محتومة سيئة هي استبدال الكفر بالإيمان، وهي النهاية التي وصل إليها بنو إسرائيل، ويريد اليهود والصليبيون جر المسلمين إليها يومئذ، واليوم وفي كل زمان ومكان

 

 

انتهت الوحدة بعون الله تعالى، والحمد لله من قبل ومن بعد

والله الموفق للصواب

 

_______________________________________________________

(18) سيد قطب: ج: 1 – ص: 102