بقلم الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين
(يتطلب حل المشكلات العرق والجهد والعقل، ولا يصلح مواجهة المشكلات بأسلوب الثور الذي يتخبط في مخزن مملوء بالأواني الزجاجية. إنك تحتاج إلى كل خبراتك ومجهوداتك لحسم المشاكل الشائكة التي تثير القلق. وأهم عنصر للحل الذي تنشده هو التوقيت المناسب. إنك في حاجة دائما إلى البدء فورا بمجرد سماعك لدقات ساعة العمل) (مهارات إدارة الأزمات ص46)
| إنك في حاجة دائما إلى البدء فورا بمجرد سماعك لدقات ساعة العمل |
القرار الصحيح في التوقيت المناسب هما أقصر الطرق للوصول إلى حل المشكلة (أي مشكلة كانت) والتغلب عليها، أو التقليل من حدة آثارها والتخفيف من أضرارها على الأقل.
وبدون وضع هذين الأمرين في الحسبان تصبح مواجهة المشكلة ضربا من التهويمات والظنون قد تصيب وقد تخطئ .. وقد تؤخر حل المشكلة في الوقت المطلوب، فيأتي حلها بعد فوات الأوان، فلا تكون له قيمة تذكر، وقد تضيع جهود كثيرة في سبيل التغلب عليها، ثم لا تثمر الثمرة المطلوبة، ولا تحدث النتيجة المرغوبة.
والقرار الصحيح يحتاج إلى عقول مفكرة، وإلى بحث ومشاورة، وإلى النظر في الموضوع المطروح من زوايا مختلفة، وجهات متعددة، فلو كانت المشكلة المراد اتخاذ قرار بشأنها مشكلة اجتماعية مثلا فينبغي النظر إليها في ضوء الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل هذه المشكلة عامة أو خاصة؟ وإذا كانت خاصة فهل تخص فئة معينة، أو طائفة من الناس، أو أصحاب مذهب سياسي أو ديني؟ وما أثر هذا على الشرائح الأخرى في المجتمع؟ وما أثره على المذاهب المخالفة؟ وهل لهذه المشكلة آثار اقتصادية أو انعكاسات سياسية؟ أو غير ذلك مما يحتاج إلى إجابات تحيط بالمشكلة وتحصى آثارها، وتبين طريقة النفوذ إليها، والبت فيها بالقرار الصحيح. وهكذا كل مشكلة في أي جانب من الجوانب تقتضي الإلمام بملابساتها ومعرفة كل ما يحيط بها ويؤثر فيها أو تؤثر هي فيه، حتى يأتي القرار ملبيا للرغبات، بعيدا عن التعسف، يصل إلى المقصود بأقل قدر من الخسائر.
| هل الذكر هم أهل المعرفة والخبرة التامة في أي جانب من جوانب الحياة، هؤلاء يسألون |
ومما يعين على ذلك ويساعد عليه المشاورة والمحاورة، التي تكشف لصاحب القرار عن جوانب قد تكون خافية عليه، وقد تساعده -حين تتضح أمامه- على الوصول إلى الغاية، وليست المشاورة هنا مفتوحة لكل أحد، لأن ذلك غير مستطاع وإنما تكون المشاورة لأهل الذكر، الذين أمر الله بسؤالهم عمَّا يخفى عنا بقوله: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون“ وبعض الناس يعتقد أن أهل الذكر هم المجذوبون (الدراويش) وليس هذا هو المقصود، لأن أهل الذكر هم أهل المعرفة والخبرة التامة في أي جانب من جوانب الحياة، هؤلاء يسألون، لتكون إجابتهم المبنية على العلم وعلى الخبرة العملية هي الضوء الذي على هديه يتخذ صاحب القرار قراره.
ثم بعد بحث جوانب المشكلة ومشاورة أهل الذكر فيها لابد من أن يكون صاحب القرار ذا عقل مفكر يوازن بين الآراء ويختار أرجحها وأقربها للمنفعة، وأسرعها للفائدة، فلا يقدم ما حقه التأخير ولا يؤخر ما حقه التقديم. وبدون هذا العقل الواعي المدرك المتبصر تكون كل الخطوات السابقة عبثا لا جدوى منه، ولا قيمة ترجى منها.
إن مثل هذه الخطوات في سبيل الوصول إلى القرار الصحيح لا تتم إلا إذا احتكما إلى ميزان الشرع الإسلامي، لنجعله الضابط الأخير فيما سوف نصدره من قرارات فلا قيمة لقرار يخالف أصلا دينيا أو قاعدة شرعية، لأنه يسيء إلى مشاعر الناس ويؤذي نفوسهم، ولسنا نتحدث هنا عن قرارات دولية تصدرها الأمم المتحدة بناء على رغبات الآخرين، الذين لا يأتمرون بأمر الدين، ولا ينتهون بنهيه، وإنما نتحدث عن قرارات تصدر في بلاد المسلمين ومن مسئولين عن مؤسسات (رسمية أو شعبية) فيها، إذ يجب أن تستظل هذه القرارات التي قد تأخذ صورة قوانين -أحيانا- بظل الشريعة الإسلامية فلا تحرم ما أحل الله، ولا تحل ما حرم الله، وإلا أساءت إلى جمهور الناس وآذتهم، واتخاذ قرارات جائرة لنصرة فئة العمال على فئة الملاك مثلا، أو لإقرار ظلم الملاك للعاملين أحيانا، وغير ذلك من القرارات التي تخرج عن إطار الشرع كلها تؤذي نفوس عامة المسلمين، وتعلمهم كيف يتخلصون -بالتدريج- من الرقابة الدينية ويغلقون قلوبهم دونها، وكيف يتهاونون ويبتعدون عن الحق، ثم هم لا يرجعون (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله).
| المقصود ألا يصطدم القرار بمشاعر عامة الناس، فيدفعهم إلى أن يحدثوا في بعض البلاد ما لا تحمد عقباه. |
إن القرارات التي تتخذ في أي مجال إنما تهدف لصالح الإنسان، ولذا فإن من الضروري أن يراعي صاحب القرار وقع هذا القرار على الناس وأثره في نفوسهم، وفي تحقيق راحتهم وتيسير حياتهم، وليس يغيب عن الأذهان أن أي قرار بشري لن يرضى كل الناس في كل وقت، وإنما المقصود ألا يصطدم القرار بمشاعر عامة الناس، فيدفعهم إلى أن يحدثوا في بعض البلاد ما لا تحمد عقباه. إن القرار الصحيح في التوقيت المناسب يكون ناجحا بقدر ما يحقق للناس من مصالح، ويرد عنهم من مفاسد.
وبهذا يكون القرار مقبولا، فيحقق الكفاءة المطلوبة، إذ (تتوقف كفاءة القرارات على ما يمكن أن تحققه من الفاعلية والقبول. والفاعلية في القرار هي مدى ملاءمته للجوانب الفنية “أي الجانب الموضوعي” أما القبول فهو يختص بالعنصر البشري ومدى تجاوبه مع القرار ومدى مراعاة القرار للمشاعر الإنسانية. وتختلف درجة الجودة في اتخاذ القرار على توفر هذين العنصرين دون إهمال أحدهما على حساب الآخر) (مهارات إدارة الأزمات ص133)
فهل تراعى كل هذا الجوانب عند أصحاب القرار في أي موقع من المواقع؟
وهل يراعى ذلك في القرارات التي تتخذها بعض الجماعات الإسلامية حين تصادم الأنظمة القائمة؟ أو حين تتضارب مع الأحزاب الموجودة؟ أو حين تتحالف مع بعض التكتلات في الساحة الإسلامية؟

