بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

إن تصحيح المفاهيم وتحديد المسارات أمر في غاية الأهمية، إذ لا ينبغي أن تمر الأحداث والفعاليات المختلفة دون الوقوف عليها وإعادة تقويمها وقراءتها بشكل موضوعي، نقوم فيها الذات ونستشرف آفاق مستقبلها في ضوء المعطيات التي نملكها، فما دمنا قد ارتضينا أن نحمل تبعات الهم الوطني والإسلامي واقتنعنا به مشروعا حضاريا للخروج بأمتنا بصفة عامة من هذا النفق المظلم وبكويتنا الحبيبة مما تعاني من أزمات ومشكلات فقد حان وقت العمل الجاد.

في ضوء هذه المقدمة العامة يتعين علينا إعطاء إشارات ضوئية حول نتائج الانتخابات ومن ثم

التكتل الإسلامي داخل المجلس وفق أطر مشتركة وأهداف واضحة يكسب مناصرين جدد ويعيد التقدير له والمهابة

تشكيل الوزارة الجديدة، هذه الإشارات بعضها يحذر من خطر داهم ومحدق بنا، وبعضها يقدم النصيحة ويلفت الانتباه إلى التأني وتقديم المصالح العامة على نظيرتها الخاصة انطلاقا من ضرورة العمل بروح صادقة وأمينة، لأن الصراعات والمهاترات لا تخدم المصالح العليا للبلاد.

الإشارة الأولى: لقد ثبت أن هناك عدم تنسيق بين القوى الإسلامية في عملية الانتخابات بجميع مراحلها المختلفة المتعلقة بالترشيح والدعاية والتصويت.

الإشارة الثانية: وتتمثل في غياب معالم المشروع الإسلامي الشامل والمتكامل في الأطروحات والبرامج الانتخابية والخطابات الجماهيرية.

الإشارة الثالثة: وجود تضارب في مناطق كثيرة بين التيارات الإسلامية يوحي بالافتقاد إلى أبجديات العمل العام والممارسة السياسية.

أما وقد انتهت هذه الإشارات مع انتهاء العملية الانتخابية إلا أنها تلقي بظلال معينة تثير عدة رسائل:

الرسالة الأولى: أنها تحمّل من وفقهم الله سبحانه وتعالى وحملهم الأمانة والمسئولية من أبناء الحركة الإسلامية عبئا كبيرا يقتضي العمل في تكتل واضح وتنسيق كامل وفق قاعدة من الأهداف المشتركة لا يعذر أحد بخرقها أو التنازل عنها أو المساومة حولها أوالمزايدة عليها أو المتاجرة بشأنها ولتكن اللافتة المرفوعة “نتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه” هذا هو ميثاق الشرف الذي ينبغي أن نتبناه ويحكم كل تصرفاتنا ووجهات نظرنا.

الرسالة الثانية: هذه الدائرة من التكتل ينبغي أن تبدأ بنواة متماسكة صلبة تضرب أروع الأمثلة

الأداء البرلماني الراقي المنبثق عن المنطلقات الإسلامية يزيل الغشاوات ويدحض الافتراءات

لتتسع بعد ذلك لتضم أكبر عدد من المتعاطفين والمناصرين للمشروع الإسلامي ولعل الأداء البرلماني الجيد والموضوعية في طرح القضايا ووجهات النظر، وتعميق أدب الحوار والاختلاف والاعتراف بحق الآخر في إبداء رأيه بكل حرية كلها أدبيات يمكن أن تسهم في حسم مسألة الاستقطابات مبكرا وجذب مناصرين جدد للفكرة الإسلامية خاصة أننا نعيش في مناخ تلعب فيه الأباطيل والأكاذيب التي يروجها الإعلام دورا كبيرا ومن ثم فالأداء الراقي والسامق المنبثق عن المنطلقات الإسلامية يزيل هذه الغشاوات ويدحض الافتراءات ويعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي.

الرسالة الثالثة: التخاطب والحوار مع الحكومة أو أية كتل برلمانية أخرى بصورها المختلفة ينبغي أن تسيطر عليه روح التكتل الإسلامي الواضح المعالم والأهداف ولا يخضع لاعتبارات شخصية أو صفقات حزبية رخيصة، إذ أن المعايب والمآخذ التي شابت العملية الانتخابية يجب أن تتلاشى تماما إذا كان هناك صدق مع الله ثم مع النفس، هذه الروح الإسلامية المتجددة ينبغي أن تعطى مؤشرات وبوادر لا تخطئها العين سواء على مستوى تشكيل لجان المجلس أو اختيار قيادته وأمانته أو في مجال مناقشة المراسيم بقوانين التي صدرت في غيبة المجلس.

هذا التنسيق الذي نطالب به يجب أن يكون رسالة قوية للجميع بحيث يعطي إيحاء بتدارك الخطأ والعودة إلى جادة الصواب، فهل تستطيع التجمعات الإسلامية استلهام قيمة هذه الرسائل لكي تتخطى جراحها وتثبت تواجدها لكي يعود لها الاحترام والتقدير والمهابة خاصة بعد أن كثر اللغط حول بعض الممارسات الخاطئة التي ارتكبها البعض.

تشكيل الحكومة والإشكاليات المتوقعة:

إن الحركة الإسلامية في الكويت منذ تأسيسها وهي تعمل على إشاعة القيم الإسلامية وتعميقها في الأوساط المختلفة إيمانا منها بأنه لا خلاص من المشكلات التي تعاني منها البلاد إلا بالعودة إلى الإسلام وتحكيم شريعة الله وقد سلكت في سبيل تحقيق هذا الهدف جميع القنوات المشروعة سواء كان ذلك على مستوى مجلس الأمة أم في أي مستوى آخر، والآن وقد أسندت إلى أبنائها بعض الوزارات الخدمية كالصحة والأشغال والكهرباء، فإن هذا التكليف له إيجابيات كما أن له مثالب، أما إيجابياته فإن العمل بها يقتضي الاحتكاك اليومي بقضايا ومشاكل جماهير الناس وإدراك معاناتهم

إسناد الوزارات الخدمية إلى الإسلاميين تجربة جيدة في كسب موالاة الشارع ولكن!!

عن كثب ومن ثم سوف يتعرف أبناء الشعب على أداء الإسلاميين ومدى عدالتهم المطلوبة في وضع الحق في نصابه، ولعل التجربة التركية ممثلة في فترة حكم أربكان قبل عزله سياسيا والتي كانت بالإشتراك مع تانسو تشيلر بعد أن اشترطت الأخيرة أن يكون لها الوزارات السيادية فيما تركت الخدمية لأربكان كانت تجربة جيدة في النزول إلى الشارع والتعرف على مشاكل الناس عن قرب وكسب موالاتهم وثقتهم، لكن هذا التخصيص يثير ثلاث إشكاليات:

الأولى: إما أن ينفذوا رغبات النواب لإرضاء ناخبيهم فإذا كانت هذه الطلبات عادلة فلا ضير وإذا كانت غير ذلك فحتما سوف يقع صدام مع النواب وتتحول جلسات المجلس إلى ساحة للمعارك الشخصية وتقدم الاستجوابات جزافا، إما نتيجة انقطاع التيار الكهربائي عن بناية غير مرخصة أو نظرا لرفض وزارة الصحة مثلا تسفير مريض للعلاج بالخارج تأسيسا على أن حالته لا تستدعي ذلك.

الثانية: أن يعتمدوا ويحتكموا في سياساتهم إلى نظراتهم الاستراتيجية في إدارة الوزارات وفق الواقع الاقتصادي الذي تعيشه البلاد دون الالتفات إلى مطالب النواب غير العادلة وهذا من شأنه أيضا تكريس الصدام والتلويح بورقة الاستجوابات.

الثالثة: أنهم إذا حققوا الأولى وهي تنفيذ رغبات النواب خاصة إذا كانت بغير حق فإنها سوف تخلق حالة من الصراع داخل أنفسهم بسبب تناقض هذا المسلك مع مبادئهم وسياساتهم الإصلاحية.

أما أن تسند وزارات البناء والتوجيه كالإعلام والتربية إلى أصحاب التوجه الليبرالي فهنا مكمن الخطر ووجه الخطورة، أن الحكومة بإسنادها هذه الوزارات إلى التيار الليبرالي معناه أنها تؤمن بأطروحاته في علاج القضايا الاجتماعية وأبعادها الخطيرة في المجتمع مثل كثرة حالات الطلاق التي ارتفعت معدلاتها بنسب مخيفة، وعزوف الشباب عن الزواج وانصرافه إلى البحث عن حلول بديلة غير مشروعة، وتفشي المخدرات والمسكرات وكثرة جرائم الأحداث وغيرها مما يعج بها

تكليف الليبراليين بوزارات التوجيه والبناء يصطدم بثقافة الشعب الإسلامية والاتجاهات الرامية نحو تطبيق الشريعة

قصر العدل والسجن المركزي وفروعه ومختلف دوائر الأحداث.

إن علاج هذه المسألة الشائكة من وجهة نظر ليبرالية يكرس الأزمة بل ويساعد على تفاقمها واستفحالها فأي تصور وأية حلول لهذه القضايا الخطيرة التي يمكن أن تفتك وتقوض أركان المجتمع بعيدا عن الإسلام ما هي إلا حرث في البحر، وتجربتنا مع الأطروحات الليبرالية في الستينيات لم تزد المجتمع الكويتي إلا دمارا وإفسادا.

فهل هذا يعني أن الحكومة بإسنادها هذه المهام الوزارية الخطيرة إلى أنصار التوجه الليبرالي أنها ترى أن علاج هذه المشاكل المتفاقمة والمتزايدة سيتم من خلال الاطروحات الليبرالية؟‎! وهل هذا من منطلق القناعة في عملية الإصلاح أم هي أروقة السياسة وتوزيع الأدوار وكلا الخيارين في غاية الخطورة، لأن هذا التوجه يصطدم بداهة مع ثقافة وقيم الشعب الإسلامية كما أنه يتعارض مع الاتجاهات الرامية نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا من شأنه أن يخلق حالة من الفصام النكد.

بعد هذه الإشارات والأضواء العامة نستطيع القول بأنه لا بد من جلسات لمراجعة النفس والمواقف والتحركات وأساليب العمل والتحالفات والأطروحات التي مارستها الحركة الإسلامية منذ أواخر الستينيات وحتى بداية القرن الحالي، هذه مسألة لازمة بل وضرورة ملحة خاصة ونحن على مشارف قرن جديد يتجه فيه العالم كله إلى مراجعة وتقويم حساباته، ومن ثم إما أن نغير مساراتنا واتجاهاتنا بالكلية أو نعالج مواطن الخلل الموجودة.