بقلم : د.جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

الأمة الإسلامية –اليوم- كثيرة بالأعداد البشرية (أكثر من مليار مسلم) وغنية بالإمكانات المادية (المعادن والمياه والمزارع والمواد الخام) وفقيرة في المجالات التقنية الحديثة وعلوم التكنولوجيا، وصناعة السلاح، ولذلك فإنتاج الأمة –في جملته- لا يكفيها ولا يسد كل احتياجاتها، فتضطر كثير من دولها إلى الاقتراض من البنك الدولي، وتعتمد في اقتصادها –ونكاد نقول في حياتها- على الآخرين، الذي يوجهونها وقد يسخرونها لخدمة أهدافهم ورعاية ومباركة خطواتهم، وتنمية مصالحهم. وهذا العجز والضعف البادي على وجه أمتنا أكبر الأسباب الداعية للتقهقر في ميدان الحياة والبعد عن مجال التنافس والتسابق مع الأمم الأخرى.

إن سنن الله الجارية في كونه لا تتخلف ولا تتبدل من أجل الناس أيا كانت ديانتهم وقد جرت سنة الله بأن القاعدين لا مكان لهم في المقدمة، وأن الغافلين لا يقودون حدا ولا يصنعون نصرا، وأن الهزيمة الداخلية أقوى أثرا وأشد ضررا من الهزيمة الخارجية، “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” ويكاد يستقر في قلوب بعض قادة الفكر والرأي أن اتباع غير سبيل المؤمنين، قد يؤدي إلى شيء من الحركة والحيوية في جسم الأمة الإسلامية، بعد أن أصابها الترهل والعجز، ومن ثمَّ فقد عمل هؤلاء على تأييد كل عمل يقوم به الغربيون لمحو أثر التعاليم الإسلامية من حياة الشعوب، حتى إن كثيرا من أبناء الأمة بدأ يفقد هويته الإسلامية، وتذوب شخصيته، فيظهر في جوهره غربي الهوى والمزاج وربما الثقافة واللسان، وفي مظهره شرقي مسلم يعيش في ديار المسلمين، وهذا من أعظم الأخطار التي تواجه الأمة، فلم تلق الأمة من قبل خطرا مساويا أو موازيا لهذا الخطر، رغم مرور عواصف الصليبيين عليها من قبل، ورغم زلزال التتار الذي هدم بعض أركانها بعد الصليبيين، لأن هؤلاء كان خطرهم عسكريا محضا، فلم تكن عندهم ثقافة يريدون غرسها ولم تكن لديهم حضارة يودون نشرها، وإنما كانت لديهم قوة جامحة لم تستطع أن تخلع الإيمان من القلوب، وإن استطاعت أن تخرب الديار وتعيث في الأرض فسادا، وتنشر الهلاك في الوطن الإسلامي.

وبقيت قوة الإيمان تعلو في نفوس المؤمنين، وقوة الأبدان والسلاح والكراع تضعف عند الصليبيين ثم التتار، حتى تغلبت عليهما قوة الإيمان، فعاد الصليبيون من حيث جاءوا، ودخل التتار في الإسلام، وأصبحوا من جنوده العاملين، بعد أن دخل في قلوبهم الإيمان الذي كان السبب الأول في صمود المسلمين أمام هجوم الأعداء الماكرين.

وعرف الأعداء المعاصرون ذلك فلم يجعلوا هدفهم التغلب العسكري –وحده- على أمة الإسلام بل ربما سبقه ولحقه التغلب الحضاري الحديث الذي يصنعونه ويعتنقونه في بلادهم، ويوجهونه إلى بلادنا الإسلامية في صورة غزو فكري، واستعلاء أرضي، وتقدم علمي تقني مصحوب بمظاهر الحياة اليومية عندهم، وليس لهذا كله من هدف إلا الحيلولة بين المسلم وإسلامه ليسهل انقياده لهم، ويسلم لهم بالتفوق المطلق، ويقرّ أمامهم بالعجز التام، فيصبح تابعا لهم، أو بوقا من أبواقهم، وهذا ما وقع فيه بعض أصحاب الرأي والفكر في بلادنا، حتى تراهم يدافعون عن الصهيونية، ويمتدحون التوجهات الغربية، ويهاجمون تعاليم الإسلام، وكل مسلم متمسك بها، حريص على نشرها.

إن الأمة اليوم يجب أن تقف وقفة حازمة في وجه هذه الهجمة الشرسة، التي تحاول أن تنزع الإيمان من القلوب، حتى تحافظ على هويتها الإسلامية من الضياع أو التمتع، ورجال الصحوة الإسلامية –في كل مكان- عليهم عبء القيام بأكبر الواجبات في هذا المجال، ليوقظوا الأمة من سباتها، ويعيدوا إليها قوتها المعنوية وقوتها المادية، التي أمر الله بها في قوله: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين نم دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وإذا كانت الأمة قد عجزت عن تحقيق القوة المادية، نظرا لتخلفها العلمي والتقني فما سبب تخلفها في حشد القوة المعنوية (قوة الإيمان) التي هي أساس لابد منه في مواجهة الأعداء والثبات أمام هجومهم الشرس الذي يهدف إلى سقوط الحصن المنيع الذي تحتمي به الأمة؟

إن الجماهير العريضة من المسلمين ما تزال فيهم غيرة على الدين، ومحبة للتمسك به وإعلاء شأنه وهي لا تحتاج في ذلك إلا إلى موجهين حكماء، وإلى قادة أدلاء نصحاء، وهؤلاء –بحمد الله- موجودون في الأمة. فلماذا نترك لغيرنا الفرصة ليسيطر على عقول أبنائنا، ويغذي أفكارهم ويشوّه دينهم، ويزين دنياه لهم؟