الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
وقفة مع كلمة سمو أمير البلاد:
جاءت كلمة سمو أمير البلاد التي ألقاها بمناسبة العشر الأواخر من رمضان تحمل التشخيص الواقعي لمشاكل الكويت الراهنة وتضع أسس العلاج لهذه المشاكل، وهي أسس مستمدة من الدين الحنيف والتراث الذي سار عليه الآباء الذين كانوا بفطرتهم أسوياء، لأن التدين كان سجية فيهم يدفعهم دفعا إلى الخير، ويحثهم عليه، فقد أدركوا أن الدين لا يكون إدراكه كاملا إن خلا من نفع الإنسان لغيره، وتقديم العون له في السراء والضراء، دون أن يقتصر هذا الخير على فئة بعينها أو طائفة بذاتها، لأنهم يدركون “أن الخلق كلهم عيال الله وأقربهم إليه أنفعهم لعياله” ومن ثم فقد (تخلق آباؤنا بشرف العمل وتحلوا بالعفاف، وشاع فيهم الإيثار والتعاون، حتى صارت مفردات سلوكهم أشبه بملحمة أسطورية تعز –أحيانا- على التصديق) وهذه السمات التي اكتسبها الآباء من الدين الذي انطبعت عليه قلوبهم وتشربته نفوسهم، حتى صار سجية فيهم هي بذاتها التي ينبغي أن يتربى عليها الإنسان الكويتي (الذي هو الرصيد الدائم والباقي لوطننا العزيز) وقد أصبح من الضرورات الملحة إعادة صياغة هذا الإنسان، أو تربيته على القيم الأصيلة والأخلاق النبيلة، قيم البذل والعطاء، والعفة عن كل ما هو حق للآخرين، والتعاون التام مع الآخرين تعاونا يحصن الوطن من كل خلل،
| الإنسان صاحب القيم والمبادئ هو الرصيد الدائم والباقي للوطن |
بحيث يمنع المفاسد والرذائل من التسرب إلى بنائه المتلاحم المتماسك أمام الشدائد، ويقضي على السرف والترف الذي لا ينتج عنهما إلا انهيار في قوة التحمل بحيث يصير الإنسان عرضة للأختراق النفسي، بزعزعة الثقة في نفسه، وخلخلة الأمن في كيانه، والاختراق الفكري له، مما يجعل الإنسان يتخلى عن قيمه الثابتة، ومبادئه الراسخة، لتحل محلها ثقافات أخرى، وأفكار ليست وليدة البيئة أو المجتمع، غير نابعة من ديننا أو تراثنا (فترك المبالغة في الإسراف والترف هي الآن أشد ضرورة وأكثر إلحاحا لأنها تعني كويتا حرا، يعيش على أرضه شعب حر الإرادة بمنجاة من ذلك الحاجة) والتربية الإيمانية بشمولها وعمومها هي وحدها التي تبني هذا الإنسان، لأنها تهتم بتقوية الجانب الروحي فيه، وتغذيه باستمرار، وتوقد في ذهنه شعلة الفكر، ولا تهمل قوة الجسم، وتلك التربية الإيمانية تستلزم أن ننبذ ونطرح كل ما يعوق أثرها من جوانب الفساد والشر، سواء في الواقع الذي نعيشه أو في العالم الذي تصنعه أجهزة الإعلام المختلفة ببريقها ودعاياتها، إنها تستلزم أن نقاوم كل انحراف، وإن نسعد كل من يعمل على غرس القيم في النفوس. ودور الجامعة ومراكز التعليم والبحث والمؤسسات الفكرية والثقافية، ووزارة الأوقاف بخطبائها ووزارة التربية بمعلميها، دور لا بد أن يظهر ليؤدي واجبه كاملا نحو أبناء الكويت، وهذه الوزارات والمؤسسات كفيلة وجديرة بالنهوض بأعباء هذا الدور، إن كفت أجهزت الإعلام المختلفة وبخاصة “التلفاز” عن تقديم ما يسيء إلى جهود هؤلاء العاملين أو يقلل من آثارهم في تربية الأبناء وتوجيههم، ومن الواجب أن تتضافر الجهود كلها وتتجمع القوى جميعها، من أجل إعادة صياغة الإنسان الكويتي وبناء كيانه على أسس جديدة، ولن يتأتى ذلك إذا كانت يد تبني وأخرى تهدم، وإنما يتم هذا إذا ساعدت كل يد الأخرى في البناء.
وبناء الإنسان الكويتي على نحو صحيح هو تحقيق لأمن الوطن، إذ أن الإنسان صاحب الوعي
| التربية الإيمانية الصحيحة بجوانبها الروحية والفكرية والمادية هي صانعة الإنسان السوي |
المدرك، والخبرة النامية، والتحمل القوي، الإنسان الذي يعرف طريقه فيصبر عند الضراء ويشكر عند السراء، هذا الإنسان هو القادر على صيانة الأمن والمحافظة عليه، أمام العوامل التي تهدم الأمن وتحاول أن تطعنه أو تقضي عليه وتثير نوازع الخوف والقلق والاضطراب .. وما لم نفعل ذلك فسيظل الخطب باقيا (لأن الذي لا يفيق والسيل منهمر يجرفه التيار، والذي يصم أذنيه عن نداء الوطن يبتلعه الضياع).
الخيام بعد رمضان:
لا أدري ما صلة الخيام التي تقام في بعض الأماكن برمضان حتى تنتسب إليه ويطلق الناس عليها “الخيام الرمضانية” مع أن صلة هذه الخيام برمضان مبتوتة مقطوعة؟! فرمضان شهر القرآن والذكر، والإكثار من التسبيح والتهليل والتكبير، وشهر القيام والتراويح والتهجد، وشهر يتم فيه الاعتكاف في المساجد، وتكثر فيه الصدقات ويجود فيه الخيرون بمالهم ابتغاء مرضاة الله، إلى جانب أنه شهر الصيام وشهر الإحسان، وشهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه شياطين الجن، وينادي فيه على الناس: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر. فهل يتم شيء واحد من هذه الأعمال داخل ما يسمى بالخيام الرمضانية حتى تكتسب هذا الاسم وتحمل شرف الانتماء إلى رمضان؟ إن الإجابة يعرفها الناس ومنهم نواب المجلس الذين اجمعوا أمرهم مطالبين
| بعض الأنظمة الحزبية في البلاد العربية تضرب بثوابت الأمة عرض الحائط |
بمنع ممارسة أعمال هذه الخيام في شهر رمضان –على الأقل- حفظا على حرمة الشهر أولا، ثم حماية للتقاليد الكويتية الأصيلة من أن تنتهك، جريا وراء تقليد هذا أو ذاك من شعوب الأرض. ولو أننا فتحنا هذا الباب، باب قبول كل ما هو غريب عن عاداتنا وتقاليدنا، وخاصة إذا كانت فيه مخالفات شرعية واضحة، لما بقي شيء له أصالة كويتية نحافظ عليها، والشيء العجيب الغريب أن وزارة الإعلام أقرت بأن هذه الخيام فيها مخالفة لحرمة شهر رمضان لكنها احجمت عن إلغاء تصاريحها، وحاولت أن تمسك (العصا من الوسط) كما يقولون بإرضاء أصحاب الخيام من ناحية، وإرضاء الغاضبين من الناس من ناحية أخرى، وأكدت تمسكها ببقاء هذه الخيام بحسب ما أوردته جريدة الوطن في 12/1/1999م إذ جاء في صفحتها الأولى (أكدت وزارة الإعلام أمس أن “الخيام الرمضانية” ستستمر في نشاطها المعتاد ولن يتم وقفها، لكنها أعلنت أنه تم التعميم على الخيام المذكورة بوقف الغناء والموسيقى بعد الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل وذلك خلال العشر الأواخر من رمضان فقط).
ووزارة الإعلام بذلك تكون قد أساءت إلى الطرفين معا: أصحاب الخيام، إذ أقرت بأن بعض ما
| تخبط الأنظمة العسكرية الانقلابية جلب على الأمة الخراب والدمار |
يقدمونه في خيامهم شطرا من الليل مرفوض، ثم رضيت به، مع أنه مخالف للشرع والعادات والتقاليد، وأقرت تقديمه في النصف الأول نم الليل مجاملة منها لهم، وهي بذلك أساءت إلى المطالبين بمنع هذه الخيام فسمحت في أول الليل بما منعته في آخره وهي بذلك تتحدى هؤلاء المطالبين باصرارها على عدم إلغاء تصاريح هذه الخيام رغم اعترافها بالممنوعات التي تقدمها، وقد اثبتت الوزارة بذلك تذبذبها فهي مع أصحاب الخيام في أول الليل ومع المطالبي بوقف نشاطها في آخر الليل!!
ولا أدري ما الحكمة في هذا التوقيت الفاصل 12.30 ليلا؟ هل يباح شيء في أول الليل ثم يمنع في آخره؟ لقد كان الأولى بوزارة الإعلام أن تمنع تراخيص هذه الخيام، وأن تتخذ موقفا يتماشى مع ثوابت الشرع والدين والعادات والتقاليد، التي تشيع في البيئة الكويتية والتراث الكويتي.
وحين نقول ذلك نأمل أن يحل علينا رمضان القادم –إن شاء الله- بالأمن والأمان والاستقرار والاطمئنان .. وإزالة كل المخالفات الشرعية من هذه الأرض، التي ينبغي أن تلتزم طاعة الله وأن تذكر واجب الشكر عليها لله، فنعم الله عليها وفيرة عديد “وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها” وما بكم من نعمة فمن الله”.
ومن شكر الله على نعمه أن نزيل كل المخالفات الشرعية في رمضان وفي غير رمضان، فنعم الله علينا ليست قاصرة على رمضان وحده، ولكنها موجودة في كل حين وينبغي أن يكون شكرها موجودا بيننا في كل وقت.
فهل يبادر أصحاب الخيام المسماة بالرمضانية بمنع ما يقدم في هذه الخيام من الآن ولا يعودون إليها في رمضان أو غير رمضان، محتسبين في ذلك أجرا وثوابا لهم عند الله؟
الوثائق السرية والبلبلة السياسية:
تفرج وزارة الخارجية البريطانية بعض الوثائق السرية غير ذات الأهمية القصوى ليطلع عليها جمهور الناس بعد أن يمضي على حجبها 30 سنة، وفي الملف رقم 19 من السجل رقم 7 من سجلات الخارجية البريطانية بعض الوثائق التي سجلت في يناير 1967 والتي تبين أن هناك خطة مصرية عراقية باسم (خطة رمضان) لقلب نظام الحكم في الأردن. وقد أثارت هذه الوثائق في حينها شكوك المسؤولين في بعض البلاد العربية من إمكانية تزوير مثل هذه الوثائق، ودسها لتقع في أيدي السلطات حتى تثير نوعا من القلق السياسي، وتساعد على نزع الثقة بين البلاد العربية، وتعمل على غرس الشكوك في علاقات الأطراف العربية المختلفة، خاصة إذا علمنا أن إسرائيل قد تكون إحدى الجهات التي تدس مثل هذه الوثائق، وهو ما أشار إليه بعض الدبلوماسيين آنذاك.
والمهم أن هذه الوثائق سواء أكانت مزورة مدسوسة أم هي حقيقة واقعة تكشف عن كيفية صناعة
| وزارة الإعلام حين أجازت أول الليل ما منعته آخره أساءت في وقت واحد- إلى أصحاب الخيام الرمضانية وإلى المطالبين بمنعها |
بعض القرارات بين الدول العربية، وتبين بعض ألاعيب السياسة الخفية للبريطانيين، الذين يفترض أنهم انسحبوا من شرق السويس بقوتهم العسكرية، وتدابيرهم السياسية، ولكن الوثائق تثبت أن أصابع السياسة البريطانية لم تتوقف عن الحركة، وأن سفراء بريطانيا في كثير من العواصم العربية كانت لديهم المقدرة على الاشتراك في صناعة القرارات العربية أو توجيهها. فهل توقف هذا الدور السياسي للسفراء المعتمدين في بعض الدول العربية أم أن الدور ما زال قائما لكن الانتقال إنما كان لممثلي هذا الدول، فبعد أن كان الممثلون بريطانيين في أواخر الستينات فإن هذا الدور قد انتقل إلى غيرهم؟ فهل نجد بعد 30 سنة أو أقل أو أكثر وثائق أخرى تكشف عن أيد خفية وراء تحيرك بعض المواقف العربية التي تحدث الآن على الساحة السياسية العربية؟
ونحن –والحمد لله على كل حال- لم نستفد شيئا من معلومات موثقة اظهرتها لنا بعض الأحداث والخلافات بين الدول الكبرى مثلما حدث حين كشفت الثورة الروسية عن الأوراق الرسمية لاتفاق (سايكس بيكو) الذي تم فيه تقسيم العالم العربي بين الدولتين الاستعماريتين (إنجلترا وفرنسا) ولم نستفد شيئا من الأخطاء التي وقعت فيها الثورة العربية الكبرى، رغم أنها أخطاء مسجلة ويعرفها المهتمون بالتاريخ، أو بالسياسة والاسترتيجية، ولم نستفد شيئا من تخبط الأنظمة العسكرية في البلاد العربية التي جلبت معها الهزائم والخراب، ولم نستفد شيئا من معرفتنا بخيانة بعض الأنظمة الحزبية التي تضرب بثوابت الأمة العربية عرض الحائط، وآخرها نظام بغداد الذي مزق الأمة وجعلها شيعا بعد احتلاله للكويت سنة 1990م، ولا يزال هذا النظام يعمل على إثارة الخوف، وطرد الأمن عن شعوب المنطقة.
فمتى نستفيد من مثل هذه الوثائق؟ ومتى نستخلص بعض دروسها ونضعها أمام من يريد، لكيلا نقع في الأخطاء المتكررة أو المتشابهة؟!

