بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
ليست هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة تلك الضربات الإسرائيلية للبنان، ولكنها إحدى المرات التي تؤكد فيها إسرائيل قوتها، وتظهر ضعف الدول من حولها، وأنها قادرة على توجيه لطمات لجيرانها إن لم يكونوا على هواها، طالبين لرضاها، وأنها تثبت قدرتها على فهم مسار السياسة الدولية العالمية، السائدة اليوم التي تتحالف تحالفا ظاهرا أو مستترا مع كل قويّ، وتنزل بالضعفاء أعتى الضربات إن طالبوا باستقلال أرضهم أو استقلال قرارهم. وعدم تبعيتهم لغيرهم، ولا يهم في تحقيق سبيل هذه السياسة هدم البنى التحتية، أو اتباع سياسة الأرض المحروقة، أو تهجير مئات الألوف من المستضعفين والنساء والولدان، وطردهم من ديارهم وأرضهم، حتى ترضخ دولهم لمطالب السادة الجدد في عصر العولمة.
| تأييد وتبرير دول الغرب لإسرائيل في ضربها للبنان يجعلنا نتساءل: هل بدأت الحقبة الصهيونية التي تسخر حكومات العالم لخدمة أغراضها؟ |
لا يهم كل هذا الخراب والدمار والإذلال ما دامت الشعوب المستضعفة هي التي ستدفع في النهاية فاتورة الحساب، وهو حساب كبير تدفعه الشعوب من دمائها وأموالها واستقرارها وأمنها. انظر إلى بلاد القوقاز، تجد الروس هناك يحرقون الأرض ويهلكون الزرع والضرع، ويدمرون المدن، ويهجرون العجائز والشيوخ والأطفال، ويضربون بكل سلاح وسط مباركة صامته من الأمم المتحدة والولايات المتحدة قائدة النظام العالمي الجديد، لكن هذا الصمت تجاه الشيشان يتحول إلى صراخ عظيم يسمعه بقوة قادة القوات المسلحة في إندونيسيا وهي تحذرهم من القيام بانقلاب عسكري ضد الرئيس واحد، وتأتي مباركة الولايات المتحدة والأمم المتحدة معا للرئيس واحد بالخطوة (الموفقة) التي قام بها ضد الجنرال ويبرانتو حين أوقفه عن العمل كوزير للأمن الإندونيسي، لأنه يتهم بانتهاك حقوق الإنسان في تيمور الشرقية. فما أجمل هذا الحرص على حقوق هذا الإنسان في تيمور الشرقية!! وما أتعس ما يلقاه الشيشانيون من دعاة حقوق الإنسان، الذين لا يتعرضون لروسيا بأي شيء كي توقف حملتها العسكرية على السكان هناك!!! وكأن الأحياء في تيمور الشرقية بشر يتألم البشر لما يصيبهم من دعاوى قد تصدق وقد تكذب، والأحياء في الشيشان كائنات لا يعنى أحدا من الناس أن تهلك أو تبقى!!
يحدث هذا في الوقت الذي ترفع فيه دول الاتحاد الأوربي الحصار الاقتصادي عن صربيا التي لم تعرف حقا من حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك أو كوسوفا، ولكن صربيا تتبع أسلوب السياسة الدولية المعاصرة، التي تزيد الضغط على الضعيف لصالح القوى، وما حدث في كوسوفا مثال واضح على ذلك، وهو ما يزال شعب كوسوفا يعاني منه.
وتأتي إسرائيل لتثبت أنها مع السياسة الدولية قلبا وقالبا، أو بالأحرى فإن السياسة الدولية تعمل
| هل حقوق الإنسان في تيمور الشرقية أولى بالاعتبار من حقوق الإنسان في كوسوفا أو في الشيشان؟!! |
لصالح إسرائيل قلبا وقالبا، حتى إن أولبرايت بررت الضربات الإسرائيلية للبنان، وهي تعلم –كما يعلم غيرها- ماذا فعلت هذه الضربات من خسائر في الأرواح والمعدات والأموال، ولو استعرضنا مواقف الدول الكبرى تجاه إسرائيل لوجدناها لا تخرج عن التأييد الواضح أو المستتر في الهيئات الدولية، والمواقف العسكرية، وهو نفس الخطط التي ما تزال الدول الكبرى تسير عليها نحو إسرائيل لتحقيق سطوتها على ما حولها من البلاد، والتعمق في أحشائها حتى إن (بيريز) دعا مؤخرا أثناء انعقاد مؤتمر “دافوس” في سويسرا إلى إدراج موضوع “التربية والتعليم” على جدول أعمال مؤتمر القمة الاقتصادية للشرق الأوسط، الذي يفترض أن ينعقد في القاهرة في الخريف القادم. فما صلة إسرائيل بالتربية والتعليم في البلاد العربية؟ ليس هناك غير إجابة واحدة لا تحتمل الشك، وهي أنها تريد تخريب الإنسان كما خربت البنيان، لأن هدم البنى تحتية أو فوقية، يمكن إصلاحه وإعادته إلى العمل ولو بجهد ومشقة وخسارة مالية كبيرة كفيلة بتعطيل مشاريع تنمية أخرى، ولكن تخريب الأفكار والعقول، والتدخل في توجيه الناشئة أمر يصعب تعويضه أو إصلاحه إلا بعد أجيال وأجيال .. إن الضربات الإسرائيلية لا تنفصل أبدا عن هذا التغلغل والتسلل إلى داخل حنايا الإنسان العربي، فكلاهما هدم وكلاهما يؤدي –في النهاية- إلى إعلاء السيادة الإسرائيلية على منطقة الشرق الأوسط بدون منازع قريب، وهذا –للأسف- يلقى دعم الدول الكبرى وتأييدها. ومن واجبنا أن نحتاط لأنفسنا ولأبنائنا حتى لا نقع في هذا الفخ الإسرائيلي الجديد الذي نُدفع نحوه بالقوة العسكرية أو الحيلة والدهاء الصهيوني، لتدشن –على أكتافنا- السياسة الإسرائيلية ظهور الحقبة الصهيونية الجديدة.

