على هامش أيام الجمر:
بقلم الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين
1- الطوفان عبرة وعظة!!
الغافلون عن أخذ العبرة من تاريخهم وما مر بهم في حياتهم أشبه بالنائمين الذين لا يدرون شيئا من حركة الحياة حولهم، فهم لا يملكون لأنفسهم أن يتحولوا عن مواضع الخطر إلى أماكن الأمان ولا يملكون أن يتفادوا الخطر المواجه لهم، والذي قد يطبق عليهم في أي لحظة فيهلكهم وهم في غفلة ساهون.
من هنا كان من واجبنا أن ننبه الأذهان ونشحذ الهمم، ونثير في الناس عوامل اليقظة التي تسري في الأبدان والأوطان، فتدفع عنها الأوبئة الفتاكة، وتتفادى –بعافيتها- الأخطار المحدقة بها والمتربصة من حولها.
ونحن -بحمد الله- لسنا غافلين ولا ناسين ما حدث لنا، حيث اجتاح الطوفان الباغي أرضنا فشرد أبناءنا وأهلنا، وأهلك أموالنا ورجالنا، وأزال عن الكويت طهرها وصفاءها، ونشر فيها الذئاب والأفاعي تعبث بساكينها، وتثير الرعب والفزع في أرجائها.
وطال الأمد سبعة أشهر لم تكن في نفوسنا قصيرة، بل كانت مريرة أليمة، حيث تفرق الأحباب وتقاطع الأصحاب، واتجه الناس في بلاد الله شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، وصار المذياع في كثير من الأحيان هو الملتقى الذي يجمع أبناء أسرة واحدة في عواصم شتى، وفي داخل البلاد أو خارجها. سبعة أشهر. قل نوم الناس فيها، وكثر أرقهم، وقلت مؤونتهم، وذاقوا شظف العيش بعد نعيم، وشقاء الحرمان بعد رغد، والتشتت في الأرض بعد أن جمعتهم الكويت في أحضانها وشبوا في ربوعها.
ومع هذه الآلام العظيمة كانت هناك بطولات عظيمة، فجرت العزائم في نفوس الرجال، فما وهنوا وما استكانوا، بل صبروا على ما أصابهم، فكان من في خارج البلاد غير راضين بما حدث ولا قانعين بما أصابهم، بل كانوا خير سفراء لقضية البلاد في أركان الأرض.
وكان من في داخل البلاد كتلة صلبة في وجه العدو بحيث لا يعرف هذا العدو منفذا يتسلل منه إلى داخلها ليثير الفتنة بينها، بل كان الجميع جسدا واحدا يألم لما يصيب أحد أبنائه، ويقف حجر عثرة أمام كل خطوة يحاول الغاصبون أن يذللوا لهم فيها طريقا، ويشقوا لأنفسهم فيها سبيلا.
ووقف الجميع في الخارج والداخل على السواء خلف القيادة الحاكمة لا يرضون بغيرها بديلا، ولا يقبلون بينها تغييرا، وكان ذلك أسوأ ما يسوء الغاصبين، ويسر المؤيدين، الذين يقفون من القضية موقف الحق وينادون بأن يرحل الغاصبون، وأن يعود إلى أرضهم وكويتهم المشردون فيسعدون.
2- أشواك في طريق الأفراح
إن الفرحة ليست قاصرة على الأحياء، بل إن الشهداء في سبيل الله ليفرحون، بما يرونه من كرامتهم عند ربهم، وما أعده الله لهم من عظيم النعيم “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. ففرحة الشهداء لأنفسهم أولا ولإخوانهم السائرين على الدرب، المحافظين على العهد، العاملين على نصرة دين الله في الأرض. “ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم” وفرحة الأحياء من المؤمنين بنصر الله عظيمة فبه تكون العزة من غير تكبر، والقوة في غير بطش، واللين في غير ضعف، والتمكين للمؤمنين الذين يحملون منهج الله في الأرض ويطبقونه. “ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم”.
وإذا تحققت فرحة الأحياء منا بالنصر والتحرير والعودة إلى الأرض والصحب والأهل، وممارسة شؤون الحياة من جديد، فإن فرحة الشهداء هي بغير شك فوق فرحة الأحياء، وأعظم من كل تصور يخطر على قلب بشر، إذ هي فرحة خالصة بغير منغصات.
أما فرحة الأحياء فكثيرا ما تلحق بها المنغصات، التي يثيرها المفسدون. وما كادت تتم فرحة التحرير حتى لحقت بها منغصات حرق آبار البترول، الذي هو العنصر الأساسي في اقتصاد البلاد في الوقت الراهن، وما كان ذلك إلا اظهارا لحسد في نفوسهم، ومرض في قلوبهم “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”. وما كان ذلك أيضا إلا من أجل إفساد الفرحة، وإزالة البهجة عن قلوب الناس الذين فرحوا بتحرير البلاد.
ومع حرق البترول كان هناك منغص آخر شديد له وقعه في كل بيت، لأن الكويت كلها كانت أسرة واحدة، لقد تمثل هذا المنغص في احتجاز الأسرى، وقد استطعنا بفضل الله القضاء على حرائق البترول، ولكن مشكلة الأسرى ما زالت قائمة تقلل من فرحة التحرير، بل وتكون سببا في إلغاء الاحتفال الرسمي بذكرى التحرير، وما زال المفسدون يثيرون الشكوك حينا بعد حين، ليقللوا من الفوحة، وما زالوا من آونة لأخرى يعتدون على الحدود، وكأنهم يقولون لنا: نحن هنا فخذوا حذركم واتركوا فرحكم.
ولسنا -بحمد الله- غافلين عن مثل هذه المنغصات وما دمنا قد عقدنا بيننا وبين الله المواثيق على أن نكون له جنودا طائعين فإننا لن نخشى أحدا، بل ونعلن في وجوه المفسدين -حسبنا الله ونعم الوكيل- فيما فعلتم، وفيما تقدمون عليه مما ستفعلون. وحينما كانت الكويت رائدة في مساعدة المحتاجين أردتم أن تقضوا على الخير، فكنتم سلاح الشيطان حين غزوتم الكويت ولكن الله نجانا من شركم، وسوف ينجينا دائما -إن شاء الله- ما دمنا له مطيعين، وعليه متوكلين “والله غالب على أمره”.
3- عش عزيزا أو مت عزيزا
عاث الغاصبون في أرض الكويت فسادا، فوجدوا البغض في كل قلب، والغضب على كل وجه، ووجدوا أهلها كتلة صلبة، لا يستطيع عابث أن يعبث بها، أو أن يستهويها ويستميلها بالترغيب والإغراء، أو أن يجعلها ترضى به ولو بالترهيب والإيذاء.
وجنّ جنون الغاصبين، وصاروا يعاقبون الناس بالشبهة، ويؤاخذونهم بالظنة، وطغوا وبغوا وتكبروا في الأرض بغير الحق، ورفعوا راية الظلم فوق أرضنا، وتكلمت لغة الرصاص فسقط الشهداء في كثير من أماكن الكويت، وسالت دماؤهم فظن بذلك العدو أن العزم سيلين، وأن التمكين له في الأرض عما قريب يتحقق، ولما لم يجد شيئا من ذلك، ووجد الناس تنكر موقفه وتأباه، زاد القتل وسفك الدماء.
ولكن الذين يعلمون منزلة الشهداء عند الله فوضوا أمرهم لخالقهم، وأدركوا أنهم إن يلقوا الله شهداء فهو خير لهم من أن يعيشوا تحت سطوة جائر أو بطش ظالم، وتكونت حركة المقاومة التي كان أفرادها يرددون “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”. وكان شعارهم:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم بين طعن الثنا وخفق البنود
فصدور الرماح أذهب للغيـظ وأشفى لغل صدر الحقود
وقدم هؤلاء أرواحهم، فكانت إعلانا بالرفض لكل من عاش فوق هذه الأرض، وسقط شهداء من الرجال والنساء. لسنا ننساهم مدى الدهر، لأنهم جادوا بأعز ما يملكون وأكبر ما يقدرون، جادوا بنفوسهم راضين، غير راضين الظلم من الظالمين: “والجود بالنفس أقصى غاية الجود”. ومن لم ينل شرف الشهادة نال شرفا آخر، يظل أبناء الكويت يذكرونه ولا ينسونه، إن الأسرى الذين يحتجزهم العدو العراقي، أو بالأصح الرهائن الذين رحلهم من ديارهم وأخذهم من بين أهليهم سيظلون في قلوبنا وملء سمعنا وأبصارنا حتى يفرج عنهم، ولن تهدأ نفوسنا وتطمئن قلوبنا إلا حين يعودون مكرّمين إلى ديارهم وبلادهم وإخوانهم، فقد أخذوا بغير ذنب، ولم يعتدوا على أحد، ولم يؤخذوا في ميدان قتال مشهود، وساحة نضال معروف ولكنهم أخذوا لما عرف عنهم أنهم يرفضون العدوان، ولا يؤيدون الظلم والبطش والطغيان ويقفون حيث وقف كل كويتي يعلن رفضه لصدام، ويعلن رضاه بشرعية أبناء الكويت من الحكام. ولسنا ننسى شهداءنا ولسنا ننسى أسرانا، وندعو الله أن يرحم الشهداء ويفك قيد الأسرى، وأن يجزي الجميع بالجزاء الحسن.
4- الابتلاء مدرسة لتخريج الرجال
إن يكن في الشدائد من خير فهي أنها تكشف عن معادن النفوس، وتظهر الطيب من الخبيث، وتبين الخائر الواهن من القوي الأمين، وقد بلغت الكويت أقصى حالات الشدة يوم غطى أرضها طوفان الشر، فظهرت -جلية- نفوس أبنائها، فاتجهوا إلى الله قبل أن يتجهوا إلى أحد سواه وتشابكت الأيدي كلها، وتلاحم البنيان البشري، فكان التعاون والتكاتف الذي أخبر عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: “ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى”.
وقامت لجان التكافل تسعى في خدمة الناس طواعية بغير جبر من أحد وبغير أجر كذلك، تحمل الطعام للجائعين، تعين على تحمل النائبة. وتذهب إلى الناس في بيوتهم، تقدم لهم ما يحتاجون، وتحقق لهم ما يريدون، تأخذ ما فاض منها لتوزعه هنالك، وتنظف الشوارع، وتجمع القمامة وتعمل على احرقها في أماكن معينة، لتمنع انتشار الأمراض وتفشي الأوبئة، حتى توفر بعض الدواء للمرضى الذين يعانون الآلام، لقد كان العاملون في لجان التكافل يشعرون بمسؤوليتهم عن إخوانهم كما يشعر الأب بمسؤوليته نحو أبنائه بحيث يوفر لهم المتطلبات الأساسية لاستمرار الحياة، وتخفيف ويلاتها والتقليل من شقائها ما أمكن.
لقد جعلت لجان التكافل الكويت كلها أسرة واحدة، يشعر كل فرد بواجبه نحو أخيه فيؤدية في غير سخط، ويقوم به في غير تبرم، ولو لقي في سبيل ذلك أهوالا وآلاما، فكم نجى الله من بينهم من كنا نظن أنه هالك لا محالة وصدق الله: “وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون”.
وكم زاد رصيد الصبر عند الناس وقت أن قل رصيد المال، وقل رصيد الأمن، وقل رصيد الزاد وكثر البغي. وعتا الظلم، وكثر التفتيش، وكثر بقاء الناس في بيوتها، وخوفهم من أن تمتد إليهم يد العدوان فلا يدري أحد مصيرهم، كم زاد رصيد الصبر حين كان الناس يؤخذون من بيوتهم أو من الشوارع فيصب عليهم العذاب صبا، فلا يتحولون عما ارتضوا ولا يتضعضعون أمام باغ أثيم. فكان الجزاء أن فرج الله الكرب وأزال الغاشية وأمن الناس مرة أخرى في بيوتهم وديارهم وبين أخوانهم، بعد ما جاءهم نصر الله، فكان الصبر خير عون على مواجهة المحنة. ومقاومة الأزمة، وصدق الله: “إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”.
إنها بطولات لا تنسى، ونعمٌ من الله لا تحصى، نعمُ وسط المحنة أنعم الله بها على أبنائنا وإخواننا وقد زالت بحمد الله المحنة وبقيت هذه النعم نعم التعاون والتكافل، نعم الإحساس بالمسؤولية والقيام بها، نعم الصبر أمام الشدائد والتمسك بالصبر حتى تزول. فكيف ننسى تلك النعم التي رعانا الله بها وحبانا إياها وصدق قوله: “أليس الله بكاف عبده”
5- الخوف والجوع
الخوف والجوع هما من أشد ما يصيب الناس في هذه الحياة، فيبددان الطاقة، ويقلبان الحياة جحيما لا يطاق، فالجائع لا يحسن عملا، ولا يتقن صنعا، والخائف لا يجد نفسه التي أذهب الخوف تماسكها، وحل الذعر فيها مكان الاستقرار، فارتعشت من صاحبها الأطراف، وتعثرت الكلمات، ووهنت القوى، ولقد أمتن الله على قريش في قوله “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” وما كان هذا الامتنان من الله إلا لأهمية الأمن وما به تقوم حياة الإنسان من الطعام والشراب، فالحياة بغير طعام مأكول نهايتها قريبة، والحياة بغير أمن مكفول نهايتها أليمة.
لقد قاسى الناس تحت وطأة طوفان الغزو من الخوف في كثير من الأحيان، ومن قلة الطعام في أحيان أخرى، ورغم هذه القسوة لم تلن لهم قناة، ولم يفرطوا في أرض أو عرض أو يتحولوا من تأييد للحكومة القائمة على غيرها، وهذا من فضل الله ولطفه بعباده، الذين توالت عليهم الصدمات الشدائد بعد العدوان، فأصابهم الخوف والجوع، ولكن بقي لهم الكثير من التماسك والقدرة على مواجهة المحنة فلم يستكينوا للعدو أو يسلموا بمطلب يدعيه.
وتكر الأيام فالشهور، ويطل على بلادنا فجر النصر والتحرير، فيزيح عن الصدور ضيق الخوف، والجوع، ويتحقق الأمل الذي طالما تحدثنا عنه، وأكدنا تحقيقه مصداقا لقول الله: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا” ويولد الأمل كبيرا ناميا ويتم الله نعمته بتحقيق الأمن في ديارنا وبلادنا وبين أهلينا وإخواننا، ويتم الله نعمته، وتلحق بنا رحمته، حين أطفئت حرائق البترول في وقت قياسي، ما كان يظن معظم المتفائلين أن يتم فيه. فيتحقق لنا امتنان الله بنعمتي الأمن بعد الخوف والشبع بعد الجوع.
ويسعدنا الله بعد ذلك فنرى فرحة الأبناء، وهم يعودون مع آبائهم وإخوانهم وفرحة الشعب الكويتي، وهو يرى حكومته قد عادت إلى البلاد بعد أن فرج الله الكرب وأزال الغم، فكان اتفاق الجميع أن يتم تطبيق شرع الله في الأرض، وتعاهد الجميع على ذلك في كل لقاء رسمي أو شعبي في أي مكان داخل البلاد أو خارجها.
وإنها لفرصة أن نذكر الجميع بما قطعوه على أنفسهم من عهود أن يتجهوا إلى الله يبتغون رضاه، يحققون دينه، ويحكمون شريعته. وإذا كان هذا العهد يمهد له السبيل إلى التحقيق الآن فإننا لنرجو أن يتم ذلك في أقرب وقت، حتى نكون لربنا من الشاكرين، ولا تلحق بنا صفة الجاحدين المنكرين.
6- الشكر لله بالقول والعمل
يريد كل الناس أن يستزيدوا من نعم الله في الرزق والأمن والعافية وسلامة الأبدان والأوطان دون أن يسلكوا السبيل الموصلة إلى ذلك، مع وضوحها وسهولة العمل بها. وإذا حرصنا على أن تظل نعم الله بين أيدينا فتقييدها لا يكون بغير الشكر عليها، وإذا حرصنا أن نستزيد من النعم بعد تقييدها فطريق ذلك هو الشكر أيضا، والله سبحانه يقول: “لئن شكرتم لأزيدنكم” ونكران نعم الله وجحودها ليس دأب الصالحين، ولا طبيعة المؤمنين، فكيف ننسى نعم الله علينا، وهي مركوزة في قلوبنا شهودا ومحبة، وظاهرة على جوارحنا انقيادا وطاعة ويجري ذكرها على ألسنتنا اعترافا وثناء وحمدا وشكرا؟
إننا نشكر الله على النجاة من الطغاة، ومن مستلزمات الشكر ألا نطغى ولا نبغي “فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى” والبغي مرتعه وخيم والطغيان عاقبته ندامة وخسران.
إننا نشكر الله على نعمة التوحيد والبعد عن التفرق والتمزق، وتلك نعمة أدركها كل من عايش الأحداث عن قرب، وشارك بجهد في سبيل تحرير البلاد، فتحقق المراد، وزال عنا الشر والفساد “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين” وما زلنا في كل حين في حاجة إلى نعم الله كلها، ونعمة التوحد لبناء البلاد والسير بها إلى بر الأمان وشاطئ النجاة أمر مطلوب ولن يكون ذلك إلا بشكر الله والتوجه إليه وحده أن يجمع الصف على شريعته ويوحد بين القلوب بحبه والتوجه إليه “لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم”.
إننا نشكر الله طول حياتنا على نعمة الإيمان به، واتباع رسوله وتذكر تلك المنة التي امتن الله بها علينا وبيّنها لنا في كتابه: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” وقد رضينا بما رضيه الله لنا، ولن ننسى أن الإيمان بالله هو سبب النجاة في الدنيا والآخرة، نجاة من خزي الانكسار، وعثرة الاندحار، ونجاة من كبرياء الأعداء، وطغيان السفهاء، نجاة نجّانا الله به فعادت الديار لأصحابها، والأموال لمالكيها، وتحقق لنا النصر، ولن يدوم ذلك إلا إذا انتصرنا على أنفسنا، وتحكمنا في أهوائنا بحيث تكون تابعة لشرع الله، وأخضعنا أحكامنا وأنفسنا وسلوكنا وكل ما نأتي وما ندع لدين الله، فنكون له مطيعين، ونحقق بذلك العزة والكرامة، لأننا بذلك نكتب في عداد الشاكرين، فيذهب الله بأسنا، ويحقق رجاءنا، ويكبت أعداءنا، وما ذلك إلا بتمام الإيمان واليقين، “فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين”.
وإننا ما زلنا معتزين بأصالتنا الإسلامية وبأمتنا العربية، لا ننزع أنفسنا من الأمة، ولا نتخلف عما يوجبه الدين نحو المسلمين، فذلك واجب نؤديه نحو المسلمين راضين، غير ساخطين، مدركين أن هذا أمر به تكون حياتنا، وبغيره تفقد الحياة معناها، ويزول منها الرضا واليقين وما زلنا بحمد الله نقوم بدورنا الإسلامي، وبدعم أمتنا العربية لإيماننا بأن سفينتنا واحدة، فنجاة السفينة نجاة للجميع، وغرقها هلاك للجميع، وأننا لندعو أنفسنا وإخواننا المسلمين في كل أرض أن نحتكم إلى كتاب الله دستورا ومنهجا في كل تصرف، ولا نقدم شيئا على كتاب الله وسنة رسوله، وبذلك نصل إلى الحق، وندفع الأهواء بعيدا عن عقولنا، فتكون نظرتنا موضوعية مقننة، وبغير ذلك فلن نصل إلى ما نريد وإلى أي تقدم تصبو له الأمة، لأن معيار الحق غير موجود، وضوابط العدل بيننا كمسلمين غير مستخدمة، فكيف ترقى الأمة بذلك؟
إن مما يوجبه شكر الله علينا أن ندعو جميع المسلمين أن يجعلوا كتاب الله منهجا وأن يعتصموا بحبل الله جميعا، وأن يعودوا عما قد يكون منهم حين تتقدم الأهواء، وتتحكم العواطف، ويتخذ الناس الكتاب وراءهم ظهريا.
إنها دعوة للحق والعدل بين المسلمين، يوجبها شكر نعم الله علينا، في وقت نذكر فيه تلك النعم التي تصاحبنا في كل حين ولا نستطيع حصرها وإن عددنا بعضها وصدق الله: “وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها” وصدق الله “لئن شكرتم لأزيدنكم”.
7- نعمة التحرير
أن يتكلم إنسان في المهد فتلك معجزة حدثت لأفراد معدودين، وأن يولد الإنسان كبيرا عاقلا مدركا رشيدا فذلك مستحيل لا يقبله عقل، ولا يؤيده واقع، وأما أن تولد دولة كبيرة بنفوس أصحابها وأبنائها، رشيدة بسلوكهم وتصرفاتهم، فذلك قد حدث حين خرجت الكويت من شرنقة الغزو الآثم إلى حياة محررة كريمة، يقودها نفر من أبنائها، ويعملون على أن تستعيد مكانتها بين بلاد العرب والمسلمين، وفي المحافل الدولية والعالمية.
تلك المكانة التي كانت لها من قبل أن يأتي طوفان الغزو الغاشم، فيصيب الناس في نفوسهم قبل أن يصيبهم في ديارهم وأموالهم، كانت فجيعة الناس لنبأ الغزو أليمة، إذا امتدت إليهم اليد التي أحسنوا إليها بالإساءة، بل قل بالسحق والمحق، ولكن الله لا يتخلى عن عباده المؤمنين فألهم أهلنا الكويتيين الصبر، وسدد الخطى، ووفق الناس إلى الالتفاف حول قادتهم، والتمسك بوحدتهم، والعض بنواجذهم على دينهم فتحقق التعاون والتكافل والتناصر والتواد والتراحم بين أهل الكويت جميعها، وتساند الجميع، وساد بين الناس قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “..وأحب لأخيك ما تحب لنفسك تكن مؤمنا” واتجه الناس إلى أعمال لم يكونوا في يوم من الأيام يفكرون أن يطرقوا بابها، أو يعملوا فيها، ورغم الخطر كانوا آمنين، ورغم الضيق لم يكونوا خائفين كان وجهتهم إلى ربهم فأعانهم ونصرهم، وعادت الديار إلى أصحابها، وعاد الناس إلى بلدهم، وولدت دولة الكويت كبيرة بنفوس أبنائها، قوية بعزتهم، وتأييد مناصري الحق لهم، ووقوفهم إلى جانبهم.
وصار أبناء الكويت يعيدون إليها بهجتها، ويظهرون معدنها، فلم يقصروا في حق غيرهم بما حباهم الله من نعمة، كانت قوافل الخير قبل الغزو تتجه نحو المشرق والمغرب، ولم تتوقف بعده، رغم انشغال الدولة بالتعمير كانت مصلحة الكويت العليا هي الموجه وما زالت، كان الأفراد يتمتعون بالحرية وما يزالون يمارسونها دون حجر على أحد أو منع لأحد، أمن الناس على أنفسهم وأموالهم وبيوتهم بعد أن فقدوها، واقتعدوا مقاعد الكرامة بعد أن جردهم العدوان منها.
ولكي نحافظ على هذه النعم كلها وفي مقدمتها نعمة استمتاع الناس بالاستقرار في بلدهم وأمنهم في ديارهم لا مفر من أن نعمل على استدامة الأخلاق الإسلامية من تعاون وتراحم وتواد وتواصل وتألف، وإقبال على العمل، وعزم على تحمل أعباء الخدمة العامة في سبيل تحقيق الخير للجميع، وبعث الهمة في نفوس الأفراد، لتقوم بدورها فتؤثر غيرها وتتخلى عن الأثرة والأنانية البغيضة ولن يتحقق شيء من ذلك بغير دافع يدفع إليه، ويحث عليه وهو شريعة الله، التي في تطبيقها والحرص على سيادتها في مجتمع المسلمين سيادة لهم وعزة لوجودهم، ومنعة لهم من المآثم والمغارم، والوقوع في المهالك.
إن تطبيق الشريعة الإسلامية في دولة الكويت يعد شكر الله على نعمة التحرير التي هيأها الله لنا، والله سبحانه يقول: “لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد”.
إننا نحمي أنفسنا وبلدنا من عذاب الله وسخطه حين نطبق شريعته، ونتبع منهجه ونتأسى برسوله صلى الله عليه وسلم، إننا في حاجة إلى تطبيق هذه الشريعة بما تمثله من قيم الحق والعدل والخير، التي هي أسس إقامة أي مجتمع آمن مستقر، إن الله سبحانه غني عن العالمين، لا يضره أن يحيد الناس عن منهجه ولا ينفعه أن يتمسكوا بشريعته “إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر..” إننا -إن طبقنا شرع الله- المنتفعون بالطمأنينة المستمتعون بالأمان، الجادون في الحياة، الآخذون بالقيم العالية والمبادئ السامية.
فتكون فرحتنا بذكرى التحرير عاملا دافعا نحو شكر الله بتطبيق شريعته، وإن هذه الفرحة لا ينقصها ويقلل منها إلا أن يكون أسرانا في الأغلال والقيود، في سجون العراق، بعيدين عن أهلهم وذويهم وأبنائهم وزوجاتهم، فما ذنب ذلك الأسير الذي اختطف من بيته؟ وما ذنب تلك الزوجة التي غاب زوجها؟ وما ذنب ذلك الابن الذي أسر أبوه، فصار يتيما أو كاليتيم؟ إن حزن الكويت على هؤلاء الأسرى عظيم شامل، ولا أدل على ذلك من أن سمو أمير البلاد رفض أن يستقبل المهنئين بعيد الفطر مشاركة منه لذوي الأسرى وأهليهم فهل يمن الله علينا بإطلاق أسرانا، كما منّ علينا بتحرير بلدنا؟
إننا لنتوجه إلى الله بالدعاء أن يرحم شهداءنا وأن يفك قيد أسرانا، وأن يجعلنا عاملين بشريعته متبعين نهجه، مقتدين برسوله صلى الله عليه وسلم وأن ينعم على بلدنا بالأمن والأمان دائما وأبدا.
8- الأمن
لم يعد من المستطاع لدولة من الدول أن تغلق حدودها على نفسها، وتتقي شر أعدائها، وتنعزل عن الآخرين، وإذا كانت هذه العزلة ممكنة لدولة ما في عصور خلت، فهي مستحيلة اليوم في عالمنا الذي أصبح كقرية صغيرة لا يخفى فيها شيء أمام عيون مبصرة ومزودة بكل وسائل الرؤية العصرية، المرئية والخفية.
والكويت واحدة من الدول ذات الأهمية: إذ أنها مع بدء عام 2010م ستكون من أوائل الدول المصدرة للنفط، وما أدراك ما النفط، الذي لا يستغنى عنه الآن في كثير من وسائل الحياة المعاصرة؟ وسياسة الدول الكبرى تراعي هذه الحقيقة، ولذا فهي إن لم يكن لبعضها وجود في المنطقة فإنها غير بعيدة عن مراقبة السياسة الخليجية عموما والكويتية خصوصا، مما يجعل الساسة الكويتيين يتوخون الحذر ويوازنون بدقة بين المصلحة الكويتية، والمصالح الإقليمية، والمصالح الدولية، وهذا يجعل مشكلة الأمن في الكويت هاجس كل فرد، ومستقبل كل شخص، ويجعل التفكير في المستجدات المحيطة بنا أمرا ضروريا وحيويا، ليظل لنا الأمن والأمان، بين جيراننا الأكثر منا عددا وقوة، والكويت محاطة بدول ليست كلها على وفاق دائم بل هي في معظم الأحوال في حالات من الخلاف أو متحفزة لما يطرأ من خلاف، والحرب العراقية الإيرانية ليست بعيدة عن الأذهان، والرؤية السياسية ليست متفقة بين هذه الأركان.
وينال الكويت ما ينالها من أذى أمني جراء اختلاف جيرانها وما الاجتياح العراقي للكويت في أغسطس 1990م غائبا عن أذهاننا، ولا آثاره بعيدة عن أبصارنا ولا أحزانه وآلامه فارقت قلوبنا .. وهذا يؤكد تأثر الأمن الداخلي والخارجي بالتحركات الإقليمية من حولنا وبالتحركات العالمية كذلك، ويفرض علينا مزيدا من الدقة في إتخاذ القرارات وكثيرا من الحذر في إقامة العلاقات، ويستلزم من كل فرد القبول والحفاظ على بقاء الاتفاقات الأمنية وتلافي سلبياتها لحين توفر البديل المناسب مع تعديل وسائل الحماية، التي من أهمها السعي بجدية نحو امتداد خليجي أمني في شكل فيدرالية أو كونفيدرالية وخاصة مع المملكة العربية السعودية، وتنشيط العلاقات الخليجية من أجل استقرارها ودعمها وتثبيتها حتى تقوى وتمتد لتتكامل خلال سنوات قليلة لتحقيق أهداف مشتركة في الداخل أو في الخارج، مع وضع تصور كامل للعلاقات مع الدول المحيطة بنا يراعي ما يمكن أن يحدث من مستجدات خلال السنوات القادمة.
وهذا كله يؤدي إلى شحذ طاقات التحمل والبناء لدى الأفراد، ويقوي إرادة التحمل فيهم، ويجعلهم عناصر فعالة تسعى نحو تحقيق الأمن بكل ما تملك، وتحافظ عليه بكل ما تستطيع حتى بأنفسها وأموالها وأولادها.
9- تحديات .. ومهام
أعتقد أنه لم يعد يكفي البكاء على الماضي دون تقويمه وأخذ العبرة منه. وأتصور أن هناك ثلاث مهام أساسية يجب أن يقوم بها الجميع من فعاليات وقوى أساسية في الأمة:
المهمة الأولى: هي تقويم الماضي تقويما موضوعيا مجردا من العواطف الزائدة، لأنه لا يمكن بناء المستقبل إلا على أساس الماضي.
المهمة الثانية: هي الفهم الصحيح الواعي لما يجري في الحاضر على المستويات المحلية والإقليمية والدولية وإدراك “الواقع الجديد” الذي بدأ يتشكل مع النظام العالمي الجديد.
المهمة الثالثة: اعتماد الحوار كأسلوب حضاري متقدم بين جميع القوى السياسية والثقافية والفكرية. وجعل هذا الحوار ينتمي إلى المستقبل ويتجاوز معارك الماضي المتوهمة التي استنفذت القوى والطاقات.

