بقلم الشيخ/ د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

تآمر روسي على الإسلام

من قديم وروسيا تتآمر على العالم الإسلامي، وتعمل مع غيرها، وربما أكثر من غيرها على السيطرة على حقوق المسلمين، بحكم احتكاكها قديما بالدولة العثمانية التي مثلت دولة الإسلام عدة قرون. وقد كان لروسيا دور بارز في اتفاقية سايكس-بيكو السرية التي تمّ الاتفاق فيها بين فرنسا وإنجلترا على اقتسام العالم العربي والإسلامي وتفتيت أجزائه بين الدولتين الكبيرتين في ذلك الحين، وقد أعلنت روسيا أمر هذه الاتفاقية بعد قيام الثورة البلشفية سنة 1917م لتدعم مركزها بين المسلمين، ولبيان أنها مع المضطهدين ضد الأقوياء المستغلين، وكان هذا الظاهر يخفي خلفه حقدا دفينا وشرا مبيتا للمسلمين سرعان ما ظهر حين امتدت يد الاتحاد السوفييتي لتضم إليها بالقوة ست جمهوريات إسلامية في الجنوب سنة 1924م وتعتبرها جزءا من الاتحاد السوفييتي تستغل خيراته وتهجر أفراده إلى سيبيريا بعد أن جربت ذلك من قبل ومن بعد في دول شمال القوقاز (الشيشان وأنجوشيا وداغستان) .. ولم تتوقف شهية الاتحاد السوفيتي عند هذا الحد للأراضي الإسلامية، بل

بدلا من أن يتجه بوتين إلى فتح الملف الروسي المتهالك استنفر قوته لإبادة شعب الشيشان المسلم

ظلت مفتوحة حتى التهمت أفغانستان سنة 1979م، وقد انسحبت منها مرغمة بعد حرب طاحنة دامت عشر سنوات، وكان دور الاتحاد السوفيتي في إقامة الكيان الصهيوني لا يقل أهمية عن دور بريطانيا وأمريكا، ودوره في حرب سنة 1967 الذي اعتمد على تكبيل اليد العربية عن توجيه الضربة الأولى لإسرائيل، حتى توجه هي الضربة الأولى للعرب، كان تدعيما لهذا الدور وتأكيدا له، ولم تنجح حرب 1973 ضد إسرائيل إلا بعد طرد من أطلق عليهم (الخبراء الروس) من مصر، للشك في أن أكثرهم جواسيس ينقلون للآخرين الأسرار والأخبار.

عداوة قديمة:

تاريخ الاتحاد السوفيتي القريب والبعيد يكشف عن عداوة متأصلة للإسلام والمسلمين زادها تأججا في القرن العشرين تزعم الاتحاد السوفيتي للإلحاد، وجعله عقيدته التي في سبيلها يحارب دين التوحيد بكل وسيلة ممكنة، وهل ينكر أحد دور ماركس

ولأن بوتين نما في دهاليز جهاز الاستخبارات (الـ كي جي بي) ولم يُعرف عنه أي نشاط سياسي ملحوظ فإن أسئلة البداهة التي تطرح نفسها ماذا يحمل هذا الرجل البوليسي في أجندته وكيف أوصلته الأقدار إلى عرش الكرملين بين عشية وضحاها وماذا عن الموقف الغربي وما انعكاسات فوزه على مستقبل الوضع في الشيشان؟

بداية ذي بدء أن الدلائل جميعها تشير إلى أن بوتين لعب منذ المجيء إلى السلطة في فترة الوكالة على وتر إقناع الشعب الروسي بأنه قادر على إعادة أمجاد روسيا كدولة عظمى، فخاض حربا ضروسا لا هوادة فيها ضد مسلمي الشيشان مخالفا بذلك كل الأعراف والمواثيق الدولية وأدبيات الأديان السماوية، وعلى حساب بؤس الملايين وتدمير قراهم ومدنهم واغتيال الآلاف وتهجير عشرات الآلاف وتشريدهم ناهيك عن الخسائر الفادحة التي لحقت بأبناء شعبه، على حساب كل هذا أصبح الرجل الأول في روسيا.

لم يحمل بوتين برنامجا سياسيا لمعالجة التصدع والانهيار وحالة الاهتراء التي تعيشها بلاده، ولم

الرئيس الروسي تربى في دهاليز الاستخبارات وأروقة الجاسوسية ولا يعرف إلا لغة القوة

يقدم برنامجا اقتصاديا لإنقاذ مجتمعه من وهدة الأزمة الاقتصادية والمعاناة الموغلة في الفوضى والفساد والجريمة المنظمة والرشوة من جراء استغلال النفوذ ومنظمات المافيا التي وضعت أيديها على عصب الاقتصاد الروسي وجميع أطياف الاضطرابات والانحراف وحالة عدم الاستقرار المستشرية في أصقاع المجتمع الروسي، فقط آثر أن يبرز نجوميته السياسية على رفات وأشلاء وجثث المسلمين وأعاد إلى الذاكرة ما صنعته الشيوعية بالشعوب المسلمة في بداياتها من قتل واضطهاد وتشريد للمسلمين وخلعهم من عقيدتهم الإسلامية ودعوتهم إلى الكفر والإلحاد.

هذا الفلاديمير الدموي لم يكن يوما ما داعية للديمقراطية والحرية ومناصرا للأقليات حتى يسانده الغرب فقد امتص دماء الشعب الشيشاني، ولقد كان الدكتور / يوسف القرضاوي موفقا حين أفتى للمسلمين الروس والذي قد يصل عددهم إلى 20 مليون مسلم بتحريم انتخاب هذا الجاسوس الذي لا يعرف إلا لغة القتل والإبادة.

ولم يكن تنصيب هذا الديكتاتور وتقليده أعلى سلطة في البلاد إلا بعد أن خارت قوة يلتسن ومُني بهزيمة ساحقة على يد الشيشانيين إبان الحرب الأولى في الفترة من 1994-1996م، وقد اعترف يلتسين صراحة بذلك أثناء اختياره له رئيسا للوزراء ثم رئيسا بالوكالة وأكد ذلك أثناء إدلائه بصوته في انتخابات الرئاسة وكأنه قد جاء بهذا الجلاد من أجل القيام بهذه المهمة تحديدا إضافة إلى إعفائه من المساءلة أو مساءلة أسرته عما ارتكبه من فساد مالي وإداري وما اقترفته يداه من جرائم.

وعلى مستوى الوضع الداخلي في روسيا لا نتوقع أن يأتي بوتين. بجديد خاصة أن البطانة التي

الأموال اليهودية مولت حملته الانتخابية والغاصب باراك يبارك حملته العسكرية ضد الشيشان

تُحلق حوله هي نفسها التي التفت حول سلفه المستقيل علاوة على أنه محاط “ببيريزفسكي وإبراموفيتشي” وهما مليارديران يهوديان وقفا إلى جانبه في الانتخابات، وكل التوقعات تشير إلى أنه ليس على استعداد للدخول في مواجهة مع هذا الأخطبوط اليهودي الذي مول حملته الانتخابية فضلا عن أن هذه التركة الثقيلة التي تركها يلتسين وخروجه من معطفه قد لا تمكنه من التخلص من هذا الإرث الثقيل مما يؤكد حتمية استمرار الفساد المالي والإداري.

هذه العلاقة التي تربط بين بوتين ورجال المال اليهود لا يمكن فهمها بمعزل عن مباركة إيهود باراك رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب لحملته العسكرية ضد الشيشان مما حدا ببوتين أن يصرح بأن باراك هو الزعيم الوحيد الذي يفهمه.

الموقف الغربي حيال فوز بوتين

لقد أثبتت الخبرة التاريخية ازدواجية الغرب وكيله بمكيالين في تعاملاته مع قضايا المسلمين وموقفه من الشأن الشيشاني نموذج صارخ، حيث وقف الغرب المسيحي صامتا إزاء الفظائع التي ارتكبها الروس ضد المسلمين، فرغم دموية بوتين وديكتاتوريته التي لا تخطئها أبسط التحليلات فإن الغرب قد أعجب بشخصية بوتين ونسي شعاراته المزعومة في مجال الحريات وحقوق الإنسان وقد تمثل ذلك في موقف توني بليز رئيس وزراء بريطانيا الذي أعرب غير مرة عن إعجابه بشخصية بوتين إبان زيارة له في ظل الهمجية العسكرية التي شنتها روسيا ضد الشيشان، الأمر الذي يجعل هذا الموقف من بلير وصمة عار روسية وسبة في تاريخه السياسي ويفقدنا أية مصداقية تجاه القادة الغربيين ويمكن تسكين تصريحات جوسبان رئيس وزراء فرنسا إزاء حركة المقاومة الإسلامية بلبنان واتهامها بالإرهاب في السياق نفسه.

وقد سبقت بلير في إعلان تقديرها ببوتين وسياسته المدعوة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية

بوتين يتقلد عرش الكرملين على حساب أشلاء وجثث ورفات ضحايا المسلمين

الأمريكية خلال إحدى الاجتماعات المعنية بعملية التسوية بين الكيان الصهيوني الغاصب والفلسطينيين والتي عقدت بموسكو باعتبار الأخيرة راعية لعملية السلام.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل زارت قيادات غربية كثيرة موسكو والتقت بوتين تحت دعاوى غموض شخصته والرغبة في معرفتها عن كثب، ومن ثم فإننا نرى أن إعجاب القيادات الغربية بشخصية بوتين يشير إلى أن هناك إقرارا من الغرب وتأييدا لمواصلة الكرملين لهذا النهج الدموي والإبادي ضد شعب الشيشان والشعوب المسلمة الأخرى، وما الحديث عن كون هذه المسألة شأنا داخليا إلا فرية وذريعة تستهدف إعطاء ضوء أخضر لروسيا حتى تواصل سحق الشعب الشيشاني وإبادته.

هذا يؤكد أن الدول الغربية لم تكن جادة يوما ما في وقف العمليات العسكرية ضد الشيشان فقد اكتفت فقط ذرا للرماد من العيون بإثارة بعض الاحتجاجات وإرسال الوفود الإنسانية مما جعل روسيا تتوسع في عملياتها العسكرية وتمارس نهجا تدميريا نال المدنيين والعسكريين على السواء، وكان يمكن للغرب أن يضغط بوقف القروض والمساعدات التي استغلتها روسيا في استمرار آلة الحرب بل كان يمكن إذا كان الغرب جادا في وقف الحرب أن يوقف ما يقدمه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من مساعدات إلى موسكو أسهمت في انتشال الاقتصاد الروسي من الانهيار الكامل.

ولا يمكن أن نغفل في هذا الاتجاه تصريحات رئيس الوفد البرلماني التابع لمجلس أوربا إبان زيارته للشيشان حين قال بأن هناك انتهاكات خطيرة ضد حقوق الإنسان وجرائم حرب ارتكبت في الشيشان من جانب الطرفين المتنازعين، هذا الاتهام المزدوج لا يمكن فهمه أو تفسيره إلا في إطار التستر الأوربي على أفعال وجرائم الروس والتأكيد على استمرار الغرب في ممارسة دوره المعروف في التغاضي عن الممارسات الوحشية التي ترتكب هنا وهناك ضد المسلمين.

البطانة التي تلتف حول بوتين هي نفسها بطانة سلفه ولا نتوقع أي تقدم في التصدي للإرث الثقيل من الفساد والجريمة

مستقبل الشيشان في ظل بوتين

إن آلة الحرب ضد الشيشان هي التي أوصلت بوتين إلى الحكم –كما أشرنا سلفا- ومن ثم فإن هذه الورقة الرابحة التي دشنته على قمة السلطة في البلاد لن يتنازل عنها بسهولة خاصة أن كل المعطيات في صالحه، فالأمة العربية والإسلامية في سبات عميق وأدعياء حقوق الإنسان في الغرب موقفهم مائع ومتهافت كما سبق أن أوضحنا، يضاف إلى ذلك إدراك بوتين بأن استمرار الحرب يصب في مصلحته في وقت يعيش الشعب الروسي على أمل حلم الدولة الروسية الكبرى، رافضا منطق الحقيقة الذي يقول بتضاؤل قوة روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

وبكل وقاحة وحلف أعلن بوتين في أعقاب فوزه بمنصب الرئيس أن الحرب ضد الشيشان مستمرة حتى النهاية متهما مجاهديها بالإرهاب، وهذا التوجه لا نستبعد معه توسيع دائرة الحرب لتشمل جورجيا وأذربيجان لأن هدف هذه الحرب هو فرض الهيمنة الروسية على المنطقة وإرهاب دول شمال القوقاز والقضاء على الشيشان كدولة مسلمة.

لكن هل يمكن أن يكون هناك طروحات بحل سياسي؟ والإجابة على هذا السؤال تقتضي أن نقول بأنه رغم أن كل الدلائل تشير إلى صعوبة ذلك تأسيسا على أن الجيش الروسي ليس لديه استعداد بأن يتحمل هزيمة ثانية حيث إن ذلك يضعف من مكانته داخل المجتمع الروسي، لكننا نرى أنه في حالة ورود مثل هذا الحل فإن ذلك سوف يكون تفاوضا من منطقة القوى، وهو ما تفرضه موازين القوى، والتفاوض مع القيادة الشيشانية قد يؤدي إلى انتزاع تنازلات كبيرة لصالح روسيا منها العيش داخل الحظيرة الروسية في مقابل أن يحصلوا على استقلال نسبي فيما يتعلق بالشؤون الاقتصادية وإدارة أمور حياتهم اليومية، وبهذا يكون الشيشانيون قد فقدوا المكاسب التي حققوها خلال الحرب الأولى.

وليس من المستبعد أيضا في ظل تنامي الجهاد الشيشاني أن تضطر الضربات المتلاحقة ضد

ترحيب الغرب وإعجابه بشخصية بوتين نوع من الإقرار بمواصلة الكرملين لنهجه الدموي والإيجابي ضد الشعب الشيشاني

الروس القيادة الروسية إلى الخضوع واللجوء إلى الحل السلمي، وهو ما يمكن أن يرفضه الشيشانيون نظرا لأنهم فقدوا الثقة في غريمهم الروسي بعد أن نقضت روسيا الاتفاقية التي عقدت في أعقاب الحرب الأولى والتي نصت صراحة على استقلال الشيشان، كما أن تصريحات القادة الشيشانيين تعكس إصرارهم على مواصلة الجهاد مؤكدين أنهم لن ينهزموا وأنهم مستمرون في حرب العصابات ضد الروس حتى يتحقق لهم النصر والاستقلال الكامل، وقد أثبتت تجارب المعارك العسكرية أن تكتيكات الكر والفر في حرب العصابات تؤتي فعاليتها في خرق أعتى التحصينات.

والآن فإن الدول العربية والإسلامية مدعوة إلى الضغط على روسيا من أجل وقف العمليات العسكرية إلى جانب مساندة الشعب الشيشاني في محنته فليست المسألة شنا داخليا كما يروج البعض وليست إرهابا كما يدعي طرف آخر، فجوهر المشكلة أن هناك شعبا يرغب في تقرير مصيره وتسيير أموره بالطريقة التي يراها، لذا فإن هذا الوضع المزري للدول الإسلامية يدعوها إلى إعادة قراءة الموقف واستخدام ورقة المصالحة الروسية في المنطقة كورقة ضغط فضلا عن تهديد استمرارية العلاقات الدبلوماسية، والمحزن أن دولة إسلامية بحجم وضخامة إيران نراها تهرول نحو الترحيب بفوز بوتين على حد سواء مع دول الغرب وتدعو هذا الجلاد إلى إقامة علاقات ثنائية، فهذا أمر غير مفهوم إلا في إطار الحصول على حفنة من الأسلحة الروسية.