الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

ضرورة معرفة دوافع الآخرين:

نظرة غير المسلمين للمشكلات التي تتجدد في العالم الإسلامي تختلف في دوافعها وإن اتفقت أحيانا في مظهرها وشكلها، وأحيانا أخرى في بعض أهدافها، والتفرقة بين أصحاب هذه النظرات ليست مفيدة فقط بل إنها واجبة، لما ينبني عليها من توجهات قد تساعدنا –أحيانا- على التخلص من بعض المآزق، التي تقع طوعا بإرادتنا، حين لا ندرك اتجاه السياسة نحو غرض معين لقلة خبرتنا، ونقص معلوماتنا، أو كرها حين نكون مرغمين على قبول أشياء تحت وطأة ظروف قاهرة لا قبل لنا بتغييرها أو رفضها، ونؤكد أن التفرقة المبنية على معرفة الدوافع التي تدفع هذا الفريق أو ذاك إلى اتخاذ خطوة معينة نحو مشكلة إسلامية ربما كان فيها فائدة تساعد على إزالة المشكلة أو التخفيف من أضرارها.

أهل الكويت يطالبون بطرد السفير الصربي، وتكوين جيش إسلامي للخروج من النفق المظلم في كوسوفا

تنديد في غير موضعه:

وبعض المحللين في البلاد الإسلامية لا تمتد أعينهم إلى دوافع الآخرين بقدر ما يركزون نظرتهم على النتائج التي يحكمون عليها حكما واحدا، وبعض الأحزاب والتوجهات الفكرية أو السياسية، أو بعض الحركات الإسلامية ينظرون إلى دولة ما على أنها العدو الدائم، وإن كانت في صالح المسلمين، وهو ما يحدث الآن بالنسبة لأمريكا التي تحاول أن توقف التعنت الصربي، الذي يلاحق مسلمي كوسوفا حيث تجد من بعض الأحزاب والهيئات بل ومن بعض الدول الإسلامية من يندد بمحاولتها، لا لأنها تأخرت كثيرا عن موعدها الذي كان ينبغي أن تحدث فيه من قبل، ولكن لأنها حدثت، ولم يسأل هؤلاء المعارضون المعترضون أبدا أنفسهم: وما البديل؟ وماذا قدم المسلمون لإخوانهم في الدين؟!. وكأن هؤلاء يؤدون أن يقولوا دعوا مسلمي كوسوفا يهجرون وتنتهك أعراضهم ويقتل شيوخهم وشبابهم وترمل نساؤهم، فهو خير لهم من أن تدافع عنهم أمريكا!!

مواقف مرفوضة:

ولسنا ننكر أن لأمريكا مصلحة في التصدي للصرب المعتدين قد تكون مصلحة اقتصادية أو سياسية، ولكنها أقل عبئا مما يتحمله سكان كوسوفا من قتل أو تشريد، وارتكاب أخف الضررين في حال الضرورة واجب شرعي، والمضطر يركب الصعب، وماذا يضيرنا لو تحققت مصلحة كوسوفا حين تتحقق بعض المصالح الأمريكية في بلاد البلقان، والمسلمون ليس عندهم ما يقدمونه لإخوانهم اللهم إلا بعض المعونات القليلة، وأولى بالمعارضين منهم أن يلتزموا الصمت، وأن يتسربلوا بالحياء خجلا مما هم فيه من ضعف وهوان، أما أن تكون الأيدي قصيرة مقبوضة، والألسن طويلة مبسوطة، فهما أمران لا يتفقان، فكلام المسلمين في بلاد الإسلام لا يمنع الجرائم التي تحدث في كوسوفا وإنما الذي يمنعها أو يقللها الضربات التي تقوم بها أمريكا مع قوات حلف “الناتو” وهذه حقيقة ثابتة، فكيف –أمام هذه الحقيقة- تصدر بعض الجماعات الإسلامية في بعض البلاد العربية بيانا جاء فيه “إن مسلمي كوسوفا” هم الضحية الوحيدة لاستمرار غارات حلف شمال الأطلسي على يوغسلافيا، وأن طريقة تعامل دول حلف شمال الأطلسي وفي مقدمتها أمريكا مع قضية المسلمين في كوسوفا إسهام في تحقيق أهداف النظام السياسي الصربي، والتي ربما تكون أهدافا لدول الحلف، وذلك للحيلولة دون وجود أي كيان أو شخصية معنوية أو موطئ قدم للمسلمين من أصل آخر على أرض أوروبا”![1].

ومواقف مسؤولة:

وتجاه هذا البيان المغلوط لا يسعنا إلا أن نسجل اعتزازنا بما فعلته حركة المقاومة الإسلامية حماس –رغم ما تمر به من شدائد- إذ أشعل أعضاؤها النيران في علم يوغسلافيا بمدينة نابلس في الضفة الغربية أمس وطالبوا بإنهاء أعمال العنف التي يقوم بها الصرب ضد الألبان العرقيين في كوسوفا ولوح أكثر من “500” طالب من النشطين من أعضاء حماس بجامعة النجاح في نابلس بلافتات طالبوا فيها بوقف قتل المسلمين في كوسوفا وأخرى تصف الصرب النازيين الجدد[2].

ولقد وقفت الحركة الدستورية الإسلامية بالكويت مع هذا الحدث وقفة جادة فدعت جميع المسلمين للوقوف مع إخوانهم المشردين المضطهدين وأشادت بالتحرك السريع للجان الخيرية التي سارعت إلى تصعيد نشاطها الخيري وبالإعلام الكويتي الذي واصل فضح العدوان الصربي وساهم في حث الناس على تقديم ما يستطيعونه لضحايا العدوان. واعتبرت أن ما يحدث في كوسوفا صورة مشابهة لام حدث في الكويت عام 1990م حين غزاها النظام العراقي المتحالف مع النظام الصربي، ودعت الحركة إلى تأييد كافة أشكال الإجراءات والخطوات الدولية الهادفة إلى إنقاذ شعب كوسوفا والعمل على مقاطعة النظام العنصري الصربي دبلوماسيا واقتصاديا.

وأعلنت الحركة استياءها الشديد للموقف المخزية لبعض الحكومات والتنظيمات العربية والإسلامية المؤيدة للعدوان الصربي الذي يعيد إلى الذاكرة صورة العدوان العراقي البشع للكويت.

وليست الحركة الدستورية وحيدة في موقفها هذا، بل إن المؤسسات الرسمية وفي مقدمتها مجلس الأمة لها مواقف لا تنكر، فقد أدان المجلس ما يفعله الحاكم الصربي بكوسوفا، ووافق على اقتطاع 10% من رواتب الأعضاء تبرعا لأهل كوسوفا.

وكذلك وقفت المؤسسات الشعبية وقفات قوية فاعلة، وفي مقدمتها جمعيات النفع العام، التي أصدرت بيانا تضامنيا مع

لا يكفي أن يمنع السفير الصربي من الكلام، بل لا بد من طرده من البلاد وإرجاع كل قطعة سلاح صربية في دول الخليج إلى اللاجئين في ألبانيا ومقدونيا ليعودوا عليها إلى كوسوفا

شعب كوسوفا المضطهد وأقامت جمعية الإصلاح الاجتماعي –التي يقود مسيرتها العم الكبير عبدالله المطوع رمز العمل الإسلامي في الكويت منذ نصف قرن- مهرجانا خطابيا حضره جمهور كبير من أجل نصر شعب كوسوفا.

كل هذا المد الشعبي الكويتي لنصرة مسلمي كوسوفا يجعلنا نطلب من الحكومة ووزارة الخارجية ألا تكتفي بأن تطلب من السفير اليوغسلافي عدم التصريح ببيانات، أو أحاديث، وإنما تطرده من البلاد، لأنها إن لم تفعل تضع نفسها في حرج شديد أمام الشعب الذي يدعو ليل نهار على الصرب المعتدين.

وإننا نطلب من اتحاد الجمعيات التعاونية والتجار مقاطعة كل سلعة صربية بل ونطلب من دول الخليج إرجاع كل دبابة أو قطعة سلاح صربية إلى اللاجئين في ألبانيا ومقدونيا ليعودوا على ظهرها إلى بلادهم في كوسوفا، فذلك أشرف وأكرم.

وما فعلته حركة المقاومة الإسلامية حماس والحركة الدستورية الإسلامية وغيرهما هو أضعف الإيمان بالنسبة للمسلمين الذين عليهم ألا يغفلوا الجانب الإيماني، الذي يوجب عليهم النصرة “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” ويوجب عليهم التعاون في البأساء والضراء “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” ويوجب عليهم أن يكونوا يدا واحدة وجسدا واحدا .. “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” وقد أوجب الفقهاء النفير على أهل المشرق والمغرب أن اعتدي على امرأة من المسلمين في أي جهة حتى يخلصوها من أيدي المعتدين، فما بالك بالاعتداء الذي أدى إلى هجرة قرابة مليون نفس من سكان كوسوفا، وإلى تشريد ما يزيد على 300 ألف شخص هائم على وجهه في الغابات، وإلى قتل آلاف الأنفس وحرق مئات من القرى وتدمير أكثر من 1400 منزل[3] وما واجب المسلمين نحو هؤلاء؟ وماذا هم قائلون لربهم حين يسألهم عما قدموه لإخوانهم؟!

عقلاء منصفون:

وإن من الأنصال أن نشيد بالعقلاء الذي يتلمسون الطريق الصحيح لنصرة إخوانهم أو يقدمون ما يستطيعون من نصح ورأي ومن هؤلاء الدكتور وليد الطبطبائي الذي “دعا إلى طرد السفير اليوغسلافي من دولة الكويت حالا ودون تردد، كما دعا إلى مقاطعة النظام الصربي سياسيا واقتصاديا وقطع جميع العلاقات الدولية مع يوغسلافيا وطالب في ذات الوقت دولة الكويت بإرسال جيش كويتي رمزي للمشاركة في حماية إقليم كوسوفا المسلم من يد البطش والقتل والتدمير وتشريد هذا الشعب المسلم المسالم”[4].

ومن هؤلاء كذلك الأستاذ عادل عباس الخضاري الذي طالب الدول الإسلامية “أن تشكل جيشا من مختلف الدول الإسلامية وتدخل الحرب البرية إن كان لها مقتضى حتى يكون لها شرف تحرير إقليم كوسوفا من الاحتلام وحتى يكتب التاريخ للمسلمين هذا العمل البطولي لأن صحف التاريخ مليئة بقتل المسلمين بعضهم بعضا ومن يدريك لعل هذا الجيش الإسلامي يكون نواة لتأسيس جيش إسلامي كبير يكون في مقدوره تحرير القدس الشريف، إنه قد يبدو حلما ولكن ليس مستبعدا”[5].

ومن يدري فلعل مثل هذه الآراء تلقى أذانا مصغية تعمل على انتشال سكان كوسوفا من النفق المظلم الذي عبر عنه الأستاذ عبدالله خلف بقوله: “ثم إن صربيا في هذه الأثناء والضرب يأتيها من الجو فإنها سارعت في البطش بلا رحمة واثخنت في التقتيل والإبادة وحرق القرى والمدن على الشعب الألباني المسلم في كوسوفا .. حرب الإبادة كانت جارية منذ زمن طويل في عهود الاستقرار السياسي أيام الرئيس تيتو في ظل الجمهوري الاتحادية السابقة، فهدم القرى أيضا وأزال 800 مسجد دون أن يتحرك الإعلام العالمي.

وسوف يدخل مسملو كوسوفا في نفق مظلم وتغيب عنه أضواء الأعلام وسيقضي عليهم إذا لم تسارع قوات الأطلسي

نخشى إن لم ترفع الدول الإسلامية راية للشباب يشاركون من تحتها أهل كوسوفا في الدفاع عن ديارهم- إن ترفعها أمريكا التي عندها آلاف الجنود المسلمين في جيوشها

بزحف بري أو إنزال سريع على مواقع القتال لإنقاذ ما يتبقى من ألبان كوسوفا من الإبادة، وانتشالهم من الحرب الوحشية الشرسة[6].

واجب لا بد منه:

وإذا كان حلف الناتو وأمريكا يقومون الآن بالقصف الجوي لبعض الأهداف الصربية لإعاقة الصرب عن أن يقضوا على مسلمي كوسوفا، فإن من واجب الدول الإسلامية أن تقوم أولا بواجب المقاومة السلبية التي كتبنا عنها في مقالنا المنشور بجريدة الوطن في 13/2/1999، ولا بأس من إعادة بعض ما قلناه: “إن المقاومة السلبية من خلال الاحتياجات الرسمية ومقاطعة المصالح الصربية في العواصم والمدن والموانئ والمطارات في الدول الإسلامية كفيلة بإيقاف ما يجري في كوسوفا أو بالتخفيف منه، ولكن شيئا من ذلك سيحدث في المستقبل القريب، لأن الجسد الإسلامي أصيب بالترهل ورخاوة الأعصاب فلم يعد يشد بعضه بعضا، ولم يعد يشعر عضو فيه بالسهر والحمى لما أصاب بقية الأعضاء وكأنما كل عضو فيه جزء مستقل بنفسه، منفك عن غيره، وهذا ما جعل الذئاب تأكل من الغنم القاصية فمتى يتنبه الرعاة ومتى تستيقظ الأمة؟[7]

ارفعوا للشبابة راية

ثم على الدول الإسلامية ثانيا أن ترفع راية للشباب ليجتمع حولها وينضم إليها كل من فيه خير وقوة، بحيث يخرج الشباب من حالة التسكع في كثير من البلاد العربية إلى حالة من الجد والهمة، فيكونون من عناصر القوة البرية، التي يناط بها مواجهة الصرب في أرض كوسوفا، حتى يخرجوهم منها، ويكفوا شرهم وأذاهم عن المسلمين هناك.

ارفعوا هذه الراية، وسيسارع إليها كل من به خير من الشباب، الذين يحبون الموت في سبيل الله كما يحب غيرهم الحياة، إن هؤلاء الشباب قد اثبتوا أنهم أهل لملاقاة الصرب المعتدين، وهم في نفس الوقت وقاية لأمة الإسلام من أن تلحقها آثام القعود عن الدفاع عن المسلمين.

وخير للأمة الإسلامية أن ترفع هذه الراية بنفسها، وينضوي الشباب المسلم تحت لوائها، حتى إذا ما حقق هذا الشاب غرضه، عادوا إلى بلادهم وهم يحملون لها سمة الفخار والشرف لا صفة الإرهاب والدمار، ونخشى ألا ترفع دولة إسلامية هذه الراية فترفعها أمريكا بطلب من هنا أو من هناك وهي تملك ذلك، نظرا لأن في جيوشها آلاف المسلمين وخاصة في البحرية الأمريكية، هؤلاء كلهم تلقوا تعليمات الإسلام على يد علماء أجلاء عند وجودهم في جيوش تحرير الكويت وهم سيندفعون للقتال تحت الراية الإسلامية بحكم العقيدة لا بحكم الوظيفة وحينئذ سيسارع الشباب الغيور على دينه في عالمنا العربي إلى الالتحاق بتلك الراية، فيضيع من يد الأمة المسلمة شرف النضال والفخار بأبنائها الجادين الحاملين راية يدافعون بها عن الإسلام في كل مكان.

ولا نود من قاعد متكئ على أريكته أن يقول: “إن هذه الراية غير إسلامية أو أنها راية كذا وكذا من الدول” لأن الراية التي يقاتل تحتها الشباب المسلم راية نقية طاهرة مبرأة من الغرض إلا أن يكون نصرة المسلمين وتأييدهم ولن تكون هذه الراية إلا مساعدة للمسلمين في كوسوفا وحدهم والرسول r قال: “من مات دون ماله فهو شهيد ومن مات دون دمه فهو شهيد ..” ودم المسلم الكوسوفي وعرضه وماله ليس بأقل شأنا من دم الواقعة على الطريق المؤدي إلى سفارة الولايات المتحدة. وتمكن المتظاهرون من دخول حرم السفارة الإيطالية وقاموا بتلطيخ جدرانها بالطلاء وألقوا زجاجات حارقة باتجاه السفارة البريطانية قبل أن تصدهم قوات مكافحة الشغب التي ألقت الغاز المسيل للدموع. وقام المتظاهرون فيما بعد بمسيرة أمام السفارة الأمريكية التي نشرت تعزيزات أمنية كبيرة في محيطها ورددوا شعارات معادية للأمريكيين منديين “بإذعان الحكومة اليونانية للإمبريالية”[8].

بل إن هذه الروح العدائية ضد الإسلام والمسلمين هي التي حركت عددا من المتطوعين الروس إلى الذهاب إلى شمال صربيا للمشاركة في الدفاع عن يوغسلافيا وصرح رئيس المركز اليوغسلافي فلادو ميكونوفيتش أن “المتطوعين الروس ينتظرون نقلهم ليدافعوا عن يوغسلافيا في وجه الهجمات المشينة التي يشنها المعتدون الدمويون في حلف شمال الأطلسي. وقد نظم هؤلاء المتطوعون من قبل حركة “الإرث الروحي” الروسية في موسكو وصندوق الأخوة في نوفي ساد[9].

بل إن روسيا أرسلت السفينة “ليمان” إلى البحر المتوسط في مهمة تأتي تعبير عن التضامن مع بلغراد في صراعها مع حلف شمال الأطلسي[10]، وهذه الروح العدائية هي نفسها التي جعلت مجرم الصرب البوسني كاراذيتش يقول وهو في قمة عدوانه على سكان البوسنة: نحن نحمي أوروبا المسيحية من الخطر الإسلامي ولذلك نال مكافأة وهي عدم تقديمه للمحاكمة والتستر عليه حتى الآن[11].

فكر غريب:

هذا الحقد الصليبي البارز في الدور الروسي واليوناني المساعد للصرب والذي لم تستطع الدولتان التغلب عليه ولو مؤقتا حتى تمر هذه الأزمة كما تغلبت عليه بعض الدول الأوروبية الأخرى ماذا يقابله عندنا؟ لا شيء غير الكلام واتهام الإمبريالية الأمريكية بأنها تريد أن تفرض كذا وأن تعمل كذا، وأصحاب هذه الاتهامات يفكرون في الأزمة وكأنهم أصحاب كهف في عظيم سبات كما يقول أمير الشعراء شوقي، لأن كثير من تقارير المراقبين تؤكد أن الأمور لو سارت على نفس وتيرة الأيام السابقة فإن إقليم كوسوفا سيفرغ من سكانه أو من معظمهم خلال عشرين يوما. لقد ضاقت حدود مقدونيا والجبل الأسود وألبانيا بطوابير المهجرين التي امتدت أكثر من خمسة وعشرين كيلو مترا،

عذرا أهل كوسوفا .. فنحن في العالم الإسلامي عطاؤنا كلام، وفعلنا جدال وخصام

في انتظار الهروب من الجحيم والدخول إلى أرض لضمان الحد الأدنى للحياة فيها، ومع هذا فالجدل بيننا يدور كأصحاب روما الذين كانوا يتجادلون في أتفه المسائل وروما تحترق، ولسنا ندعي أن أمريكا والدول الأوروبية تدافع عن الإسلام، وإنما هي تحقق لنفسها مصالح استراتيجية كتب عنها وبينها الأستاذ فهمي هويدي في مقاله المنشور بـ الوطن يوم الثلاثاء 6/4/99 ولكن هذا لا يمنع من انتهاز الفرصة وتأييد أمريكا في هذه الخطوة التي تحسب في صالح المسلمين حتى ولو لم ترد أمريكا ذلك وإن من المصالح الواضحة لدول الحلف في ضربة الناتو إظهار الصور الإنسانية لحلف الناتو وأن وجوده ليس للسيطرة العسكرية، وإنما هو حفاظ على القيم الإنسانية، إلى جانب تجربة الدخول في معارك مع خصمه السابق حتى لا تقوم لهذا الخصم قائمة في المستقبل.

العطاء العطاء:

ولقد أحسست بالخجل والحرج حين قرأن أن الوكالة اليهودية “وهي هيئة شبه حكومية تعنى بشؤون الهجرة، قررت إرسال مساعدات إلى لاجئي كوسوفا وأنها  والمنظمة الصهيونية العالمية تقومان بجمع التبرعات المالية من الإسرائيليين الراغبين في ذلك. واتخذ قرار إرسال المساعدات في أعقاب اجتماع استثنائي عقدته الوكالة أول أمس وسترسل المساعدات خلال الأسبوع المقبل. وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية أعلنت أنها أرسلت أول أمس طائرة تنقل معدات طبية وملابس شتوية قيمتها 100 ألف دولار إلى مقدونيا.

وأحسب أن على الأفراد والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية في عالمنا الإسلامي الذي لم يتحرك بعد أن ينهض من نومه وأن يؤمن لإخوانه في كوسوفا رغيفا من الخبز، وغطاء من البرد، ودواء لمريض وشربة ماء نظيف لظامئ محروم، لعل ذلك يخفف بعض ما يشعرون به من آلام.

ودور الأنظمة العربية والإسلامية هنا لا ينبغي أن يغيب عن الساحة، وإلا عد فرارا من الميدان، وعملهم الإغاثي المكثف ينبغي أن يتواكب مع عملهم في رفع راية الدفاع عن الكوسوفيين المضطهدين أمام الشباب، كلا العملين مطلوب على الفور لا على التراخي، فهل يتحقق الرجاء ويستجاب النداء؟

طاغية العراق وطاغية الصرب:

وإن من أعجب العجب أن تجد دولا عربية تؤيد الصرب وتساعدهم ضد إخوانهم المسلمين، وقد كان الظن أن هذا التأييد لن يتعدى طاغية العراق صدام، الذي وجد له نظيرا ومثيلا يمتص غضب الغيورين من المسلمين حتى يخف الضغط عنه، لأن القراصنة يأتلفون والسفاحين يؤيد بعضهم بعضا، والطيور على أشكالها تقع، إن طاغية العراق أخذ من الإجرام سهما وافرا حين ضرب الشعب الأعزل في العراق بالأسلحة الكيماوية، وحين اعتدى على الكويت بعد أن قدمت له كثيرا من الخدمات، وساعدته في كثير من المواقف، فكان جزاؤها عنده الإساءة كل الإساءة، فاجتاح أرضها، واضطر كثير من سكانها إلى الخروج إلى الدول المجاورة، ولم يتراجع عن موقفه إلا حين حطمت القوة العسكرية جبروته وأرغمته على الخروج من الكويت صاغرا مهانا، ومثله سيكون مجرم الصرب الذي شرد من شرد، ودمر من دمر، وأهلك وأفسد من أرض كوسوفا الكثير، وإن طريقة التفكير العراقية والصربية واحدة فكلتاهما من مدرسة واحدة مدرسة الحقد الشيوعي، مضافا إليها مفاهيم عدم الاعتبار للإنسان كإنسان، ففي الغزو العراقي للكويت كنا نرى تغوط العسكري العراقي في كل مكان يطؤه على أسرة البيوت المنهوبة ومكاتب الوزارات وفي كل مكان لا يتصور أن يتغوط فيه أحد. وظل الإنسان يتعجب من هذا التصرف حتى رأينا المجرم “أركان” يستبيح حرمة مساجد المسلمين في البوسنة، ويقتل في يوم العيد أكثر من عشرة آلاف من رواد المساجد، ثم يقوم مع عصابته بالتغوط على جثث المسلمين في مصلاهم بعد ذبحهم وقتلهم.

فعرفنا أن المدرسة التي خرجت هذا هي التي خرجت العسكري العراقي وكلاهما لا يعرف النظافة ولا الطهارة ولا

جمعيات النفع العام ومجلس الأمة وبعض المؤسسات الرسمية وقفت مواقف محمودة مما يحدث في كوسوفا

الإنسانية فتوافق الموقفين أمر لا غرابة فيه ولكن الأمر المستغرب أن تأتي بعض الجماعات التقدمية والإسلامية وتكرر نفس الموقف في نسيانها للجانب الإنساني والمأساة البشرية لتجتر كلاما معادا في خطبها النارية.

والذين وافقوا العراق أثناء غزو الكويت هم الذين يوافقون الصرب الآن ويؤيدونهم فهل هذا من العدل أو من الحق الشرعي؟

وإننا نرجو هذه الدول أن تراجع مواقفها، وأن تستوحي دينها قبل أن تبحث عن مصالحها.

الكف المبسوطة:

وإذا كان من بين الدول العربية من يناصر الصرب –مع الأسف الشديد- فإن من بينها من سحب سفيره من بلغراد كما فعلت الأردن.

وقد قام سمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد بالتبرع بمليون دولار من أجل سكان كوسوفا وأقام جسرا جويا للإغاثة من طيارات “الجامبو” لحمل الاحتياجات لإخواننا في الحدود مع ألبانيا ومقدونيا.

ومن بين الدول العربية من أقام جسرا جويا لنقل الإغاثات إلى المشردين المضطهدين كما فعلت دولن الإمارات العربية المتحدة، وإن من بينها من لم يغفل حينا عن واجبه نحو المسلمين كالمملكة العربية السعودية، التي تبادر إلى بسط أيديها للمسلمين في كل مكان يحتاجون فيه إلى الإنفاق وإلى العطاء، ولا أشك في أن سفر الأمير سعود الفيصل إلى روسيا منذ أيام إنما كان من أجل الوصول إلى حل يوقف المأساة في كوسوفا، ثم لا أظن أنها ستكتفي بذلك، وهي التي لها قصب السبق في إغاثة المسلمين في كثير من البقاع، وأعتقد أنها مع مسلمي كوسوفا لن تتخلى عن عادتها في البذل والعطاء والتخفيف من المأساة الدامية التي يزرعها الصرب حين يدمرون القرى ويهجرون السكان ويقتلون الشباب وينتهكون الأعراض.

إن أملنا في خادم الحرمين الشريفين وفي رجال المملكة العربية السعودية كبير في أنهم سيتدخلون بثقلهم السياسي وقدرتهم المالية، وبما لهم من تدخلات في العلاقات الدولية ليمنعوا استمرار المأساة ويوقفوا مدها، وكل الدول العربية خاصة والإسلامية عامة مطالبة بمد يد العون بقدر المستطاع لهؤلاء الذين أصابهم ما أصابهم دون ذنب جنوه، أو جرم ارتكبوه، وإنه لمن العار أن يسجل التاريخ أن شعبا مسلما طرد من أرضه –في آخر القرن العشرين- بتأييد من بعض الدول الإسلامية أو تقصير وتهاون من بعضها الآخر.

إلى مجيدي الجدال والخصال:

تحولت كوسوفا بعد التدمير الذي حدث في قراها ومدنها، والتهجير الذي فرضه الصرب على سكانها الذين يتعلقون بالحياة إلى ساحة كثيرة الأشباح، تتناطح وتتصادم من حولها أفكار المسلمين في عديد من بلاد الإسلام: هل يؤيدون ضربات أمريكا وحلف الناتو للصرب المعتدين، أو يدينون تلك الضربات ليكونوا معارضين للإمبريالية، وليظلوا محافظين على ألقاب الوطنية والحرية لمعارضتهم للشيطان الأكبر؟

ومشكلة بعض السياسيين في بلاد الإسلام أنهم لا يدورون مع المواقف الدولية المغيرة ليأخذوا منها ما يتفق مع

المعارضون للضربات الأمريكية يناقضون أنفسهم .. فأيديهم مقبوضة عن العطاء لإخوانهم وألسنتهم مبسوطة بالإساءة للذين يعملون على حماية المسلمين

مصالحهم، أو يخدم بلادهم، أو يؤخر بعض ما يدبر لهم، وإنما هم ينظرون إلى صناع المواقف، فإما أنهم معنا دائما، وإما أنهم ضدنا دائما ويتناسون أن صانع الشر قد يصنع الخير، أو أن الشر الذي يصنعه قد ينقذنا من الوقوع في شر أعظم وبلاء أكبر.

وبهذه النضرة القاصرة في عالم السياسة المائج يحكمون على الآخرين، ويزنون أعمالهم بميزان مختل، لأنه مثبت في اتجاه واحد لا يقبل التغيير أو التبديل.

وقد وقع أسير هذه النظرة عدد من الأفراد المثقفين من بين المسلمين، وعدد من المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية، وعدد من أصحاب التوجهات الإسلامية بل وعدد من الدول الإسلامية، حين وقفوا يعارضون الضربات الجوية للصرب بعد أ، استمروا سنة كاملة يذيقون سكان كوسوفا العذاب والنكال .. ولا شك لحلف الناتو وأمريكا مصلحة فيما يقومون به من هجمات على صربيا، ولكن مصلحتهم جاءت موافقة لمصلحة مسلمي “كوسوفا” حيث تخفف الضغط عنهم، وقد تمنع ملاحقتهم وتشريدهم، وتهديم قراهم وبيوتهم، أفنضحي بمصلحة المسلمين المضمونة المعروفة المؤكدة من أجل معارضة مصلحة أمريكا وحلف الناتو، وهي مصلحة مجهولة لدينا، وغير مؤكدة؟

أنترك المسلمين يقتلون ويشردون ويموتون جوعا ويهيمون على وجوههم في الغابات والجبال والوديان من أجل أن نعارض أمريكا وحفاءها التي من الممكن –عمليا- أن تمنع عنهم ذلك كله؟ في أي شريعة هذا؟ وفي أي سياسة؟ وهل هذا يتم على يد أصحاب الفطنة والكياسة؟

وإن العجب ليأخذنا حين نرى رئيس تركيا –ولها مواقفها المعروفة في تقليص مظاهر الإسلام- يدعو إلى قمة إسلامية لمناقشة ما يحدث في كوسوفا فتأتيه أصداء المعارضة لاقتراحه من دول إسلامية مثل إيران والعراق والسودان وليبيا، التي بموقفها هذا تدعم الاعتداء الصربي على مسلمي كوسوفا، دون أدنى مراعاة لحق الدين الذي أوجبه الله على المؤمنين. وتقوم معارضة تلك الدول على وجهة نظر تقول: “إن القمة لن تكون أكثر من جهد لتحريك دعم أعرض للهجمة العسكرية الأخيرة ضد صربيا، ويقدم الرئيس الإيراني السابق هاشمي رافسنجاني توضيحا أكثر أصالة، إذ أنه خطب في حشود من حلف الناتو اختلق بنفسه كارثة كوسوفا، وذلك لأجل القضاء على صربيا الدولة الوحيدة في أوروبا التي ترفض الركوع “للشيطان الأعظم” الأمريكي. (الشرق الأوسط في 6/4/1999). هل ما يفعله الصرب منذ عام في كوسوفا لا يستحق الالتفات ولا يستحق المعارضة؟ إن أمريكا قادرة على الوصول إلى مصالحها في البلقان بطريق أو بآخر، وسواء تحققت مصالحها أم أخفقت فإن ما يعنينا هو مصلحة المسلمين هناك بإيقاف المذبحة الهائلة والمحرقة الكبرى التي تحيط بها، التي لا تتحقق إلا بإيقاف الجزر الصربي عن الذبح أيدناه، ومن عارض ذلك فهو يساعد من حيث يدري أو لا يدري في ذبح المسلمين واتساع دائرة السوء عليهم. إن هذه الهيئات والمؤسسات والدول يصدق عليها المثل الشائع المتداول على ألسنة عامة الناس (لا يرحم ولا يترك رحمة ربنا تنزل) فلماذا هذه المعارضة من جانب بعض المسلمين وما عندكم من بديل ينقذ المشردين؟ 

 

المراجع :

[1] جريدة الوطن الكويتية الصادرة في 4/4/1999م.

[2] جريدة الوطن الكويتية الصادرة في 4/4/1999

[3] مآسي الآلبان في بلاد البلقان – ص14 – د. حمزة زوبع.

[4] جريدة الوطن الكويتية الصادرة في 5/4/1999

[5] جريدة الوطن الكويتية الصادرة في 4/4/1999

[6] جريدة الوطن الكويتية الصادرة في 4/3/1999

[7] جريدة الوطن الكويتية الصادرة في 13/2/1999

[8] جريدة الوطن الكويتية الصادرة في 5/4/1999

[9] نفس المصدر السابق

[10] نفس المصدر السابق.

[11] السياسة في 4/4/1999