الشيخ د./ جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
صفاء القلوب لا يأتي من فراغ، ولا يتكون من الأفكار العقلية البعيدة عن هدي الدين، مهما كثر تأثيرها، وزادت أعداد معتنقيها، لأن هذه الأفكار موطنها العقول المدبرة والأذهان النيّرة.
وإنما يتحقق صفاء القلب إذا ما تشرب الإيمان، وتوثقت صلته بالرحمن، وزاد فيه رصيد القرآن والسنة وحب الله ورسوله والمؤمنين، والتخلي عن كل ما يخالف الدين، وبذا يكون صاحب هذا القلب قد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها، فتصفو له الحياة وتصفو به الحياة مع المكدرات والمنغصات، لأنه بعيد عن السيئات والمعاصي، قريب من الطاعات فلا يتكوّن الران على هذا القلب، ولا تغلفه أغلفة سوداء من قتام الأحقاد أو الأضغان، فيكون قلبا صالحا تصلح به الدنيا وتنصلح “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب“
وللقلب الصالح تأثير على المجتمع كما أن له تأثيرا على الجسد، وهذا لا يتحقق إلا بتفاعل أصحاب القلوب وتلاقيهم على هدف واضح محدد، يشدهم إليه، ويجتمعون عليه، ولا هدف أوضح ولا خير أعظم من العمل للإسلام “ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال: إنني من المسلمين“
وقد يكون لقاء الأبدان عسيرا أو بعيدا، وقد تلتقي الأبدان دون أن تلتقي القلوب، ولذا فإن التفاعل بين أصحاب القلوب المؤمنة حتميٌّ لإتمام العمل وإكماله، وحين يتعسر لقاء الأبدان فإن شعاع القلب لا يكف عن الانبعاث والدوران علّه يجد قلبا مستقبلا يتلقاه ويمتزج به ويجذبه ليتفاعل معه ويلتقي الجميع على أمر قد قدر..
ومع أننا لا ندعي لأنفسنا صلاحا، ولا لقلوبنا درعا، ولا نزكي أنفسنا إلا أننا نحاول –ما استطعنا- أن نتأسى بالأتقياء الورعين، والصلحاء المصلحين، الذين أحبوا الله ورسوله من كل قلوبهم، وقدموا حب الله ورسوله على حب أنفسهم وأهليهم وأموالهم مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما” الحديث
وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين قال له: “والله إني لأحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: لأنت يا رسول الله أحب إلي من نفسي، فقال: الآن يا عمر“
ومثل هذه القلوب تعمّق فيها هذا الحب وتأصل هي التي ترسل إشعاعاتها نحو الآخرين فيتلقفونها بقلوبهم، فتتواصل المشاعر والأواصر لتحيي من النفوس ما همد، وتوقظ منها ما غفل لينطلق الجميع في الحياة لا لغرض دنيوي، ولا لكسب مادي، ولكن لإظهار دين الله على الدين كله، كره ذلك من كره، وأحب ذلك من أحب.
أليس يرضى الله للمؤمنين أن يعملوا جادين على نشر الدين، وأن يدفعوا عنه انتحال المضلين، وافتراء المبطلين، وتجاوز الغالين؟
إن الله يرضى لنا أن نعمل على هذه الغاية، التي لا تتحقق في كثير من الأحوال إلا بالجهاد بالمال أو النفس إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة” وهما وسيلتان ترخصان عند الصادقين من المؤمنين في سبيل سلعة الله الغالية (الجنة).
ومن واجبنا أن نحقق مرضاة الله وأن نعمل ما نستطيع من أجل تمكين دين الله في قلوب الناس، قبل أن نمكن له على الأرض.
ومفاتيح القلوب تتجمع في دائرة الحب التي تجمع المحبين في الله، وإن بعدت الديار وتناءت الأبدان، وحين ترسل قلوب المحبين في الله أشعتها تتجمع حزمة من الضوء، تزيل الظلام والقتام، وتنير الطريق أمام الأبصار بعدما استنارت البصائر.
ونحن –إن شاء الله- سوف نرسل إلى قلوب الصادقين المحبوبين المحبين في كل أسبوع شعاعا من القلب، يحمل قبسا، وينير درعا، لعلنا بذلك نشارك في إزالة الران عن بعض القلوب ونجذب إلى ضوء الإسلام الحائرين في الدروب.
ونعيد إلى مسيرة العمل الإسلامي الرواء والبهاء.

