الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
أهمية الصدق والإخلاص في بناء المجتمعات:
أساس بناء المجتمعات القوية التي تستطيع -على الأقل- أن تجتنب المعوقات والمثبطات في طريق النهوض هو الشعور بالمسئولية، لأن هذا الشعور هو الدافع إلى العمل الجاد، والواقي من الإهمال والتسيب.
وعماد المسئولية يستند على الصدق والإخلاص فهما ركيزة كل بناء يتوخاه أبناء المجتمع، ليخرجوا من دائرة التخلف والتعثر إلى طريق التقدم والنهوض، وخير النماذج وأعلاها وأوفاها في هذا المجال هو المجتمع الإسلامي في المدينة، الذي كان كل فرد فيه حارسا يقظا أمينا، يعمل على حمايته من الداخل والخارج، ويعمل على أن يضع كل يوم في بنائه لبنة جديدة، وإضافة مبدعة دون أن يطلب على ذلك من أحد جزاء ولا شكورا إلا من الله وحده.
وصورة هذا المجتمع (مجتمع المدينة) يوم أحاط به الأعداء في غزوة الخندق، صورة عظيمة في التكامل والتعاون والعطاء والتحمل للمتاعب والثبات في وجه الدسائس والمؤامرات، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم كواحد منهم، يحفر الخندق كما يحفرون، ويجوع مثلهم كما يجوعون، ويعمل مثلما يعملون، وكان صدق الجميع في العمل والإخلاص والتجرد والبذل والعطاء سببا من أسباب النصر على الأعداء.
وما كان عطاء الصديق أبي بكر يوم جاء بماله كله متبرعا ومعلنا أنه أبقى لأبنائه الله ورسوله إلا قائما على الصدق
|
الغيورون على أوطانهم يعطون لها بغير حدود، لأن نفوسهم لا تطيق الاختفاء حين يُطلَب العمل، ولا تطيق البخل حين يُطلَب العطاء. |
والإخلاص. وما كان تجهيز عثمان لجيش العسرة إلا قائما على الصدق والإخلاص، وما كانت تضحية عليٍّ بنفسه واستعداده للموت ليلة الهجرة إلا قائمة على الصدق والإخلاص، وما كانت حروب الردة من جهة المسلمين إلا قائمة على الصدق والإخلاص، وما انتشر الإٍسلام بين كثير من الشعوب إلا برجال ملء ثيابهم الصدق والإخلاص اللذين هما أساس كل عبادة، يقوم بها المسلمون ابتداء من إماطة الأذى عن الطريق، وانتهاء بشهادة الوحدانية، والحج عبادة يتضح فيها هذا المعنى بقوة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه” أي أنه تجرد من الهوى واستقام صادقا مخلصا، ولذا فإن الله سبحانه يكافئه إن علم منه الصدق والإخلاص والتجرد.
بني رجال الإسلام على هذه المعاني، فعملوا بها في مجتمعهم فتكوَّن منهم مجتمع قوي راشد في بضع وعشرين سنة هي في عمر المجتمعات زمن يسير.
الإثارة والمظهرية:
ميزان الصدق والإخلاص هو الذي توزن به أعمال الرجال وليس ميزان الإثارة والمظهرية، لأنه ميزان مزيف، وما بني على الزيف انهار وتبدد، ورغم معرفة الناس بهذه الحقيقة إلا أنهم يؤثرون الإثارة والمظهرية على غيرها، لأنهما يلفتان الأبصار، ويطلقان الألسنة بالحديث عن فلان أو فلان الذي أثار موضوع كذا أو قال كذا، أو صرح بكذا، فتصبح سيرته في كل منتدى وكل ديوانية، وهذا في ظن المظهريين هو المراد وحده، فإن تحقق فبها ونعمت، وإلا كانت هناك جولات وجولات من المظهرية والإثارة، والمجالات مفتوحة، لا تجد مجالا يخلو منهما، مع أن الدين جعل الحجاج المحرمين يتخلون عن كل المظاهر والأشكال، فلا مظهرية ولا إثارة بل تواضع وإخبات وتجرد، انظر إلى المسلمين وهم يقفون بعرفات، هل ترى أثارة من مظهرية أو نزعة لعنجهية، أو ميلا إلى العصبية، لقد نسي الناس ذلك كله وأخبتوا إلى ربهم ضارعين سائلين، تائبين، نادمين. أفلا نتعلم من هذا الدرس العظيم؟ ولماذا نصر على أن تكون المظهرية والإثارة موجودة في مجال السياسة، وفي مجال الاقتصاد وفي المجال الاجتماعي، وفي المجال الفكري؟
ففي المجال الاقتصادي تبرز أولى قضاياه وهي تدني أسعار البترول، فبعد أن كان سعر البرميل 19 دولارا وأحيانا أكثر، نجده قد تدنى إلى 10 دولارات وأحيانا أقل، ونظرا لتأثير هذه القضية على المجتمع كله تجد المتعرضين لها لا يخلو حديثهم من الإثارة والمظهرية ومحاولة إثارة الخوف بين الناس من ضياع المكتسبات، وأثر ذلك في الحياة الحاضرة، والسنين القادمة، وما قد يجره ذلك على التنمية في البلاد، بينما تجد آخرين يحاولون مناقشة القضية بعيدا عن الإثارة والمظهرية، ناظرين إلى الواقع وإلى عملية العرض والطلب، والتخلي عن الروح التشاؤمية وإلى أن البترول سلعة يجري عليها ما يجري على غيرها، والأمل في أن يرتفع سعره مرة أخرى قريب، بناء على الأسس الاقتصادية السليمة. فأي الطرحين أسلم منهجا وأقوم سبيلا؟
وفي المجال الاجتماعي نجد مثلا قضية كقضية الطلاق التي وصلت نسبته 7.5% من مجموع الزوجات أي أن 15
|
عماد المسئولية يستند على الصدق والإخلاص فهما ركيزة كل بناء يتوخاه أبناء المجتمع، ليخرجوا من دائرة التخلف إلى طريق التقدم. |
ألف حالة طلاق قد تمت من بين مجموع المتزوجين البالغ عددهم 200 ألف زوجة.
وهذا النموذج لبعض المشاكل الاجتماعية يمكن عرضه في لوحة من الإثارة، التي تبعث السخط في النفوس، والنفور من الزواج، وتؤدي إلى تقطع الروابط، وتفكك أواصر القربى، وتعمل على إحياء الأضغان، ويمكن عرض ذات النموذج بطريقة فيها بيان للحقيقة، وحرص على العلاقات بأن نبين أسباب المشكلة وطرق الوقاية منها، أو طرق التقليل من حجمها وتخفيف آثارها. فأي الطريقين هو الصحيح النافع؟
وقل مثل ذلك في جميع المجالات.
انتشار الداء:
لقد استشرى داء الإثارة والمظهرية بحيث لم تعد هناك مشكلة صغيرة ولا كبيرة إلا وللإثارة فيها نصيب، وللمظهرية منها حظ غير قليل، ولم يعد هناك قادر على الكلام باللسان أو على الكتابة بالقلم إلا وهو يستخدم أسلوب الإثارة والمظهرية ليجذب أنظار الناس وأسماعهم، ويشير الناس إليه بالبنان.
فخطيب الجمعة يلجأ إلى الإثارة، لأنه يود أن يمتلئ مسجده بالمصلين، وكيف يتم ذلك ما لم تكن الإثارة موجودة؟
ونائب مجلس الأمة عينه على الانتخابات القادمة، وأذنه تلتقط ما يقوله الناس عنه؛ ولذا يلجأ إلى الإثارة.
ورئيس التحرير عينه على زيادة مبيعات الصحيفة وانتشارها، ولذا فالطريق إلى ذلك هو الإثارة، وانظر إلى كثير من عناوين الصحف والمجلات تجد الإثارة بارزة أمامك لا يخفى عليك منها شيء.
وهكذا الإثارة هي هاجس الناس لأنها مرتبطة بالجانب الكسبي المادي، ونحن لا نرفض الحماسة والإثارة جملة وتفصيلا، ولكنا نرفض أن تكون الإثارة هي الهدف والغاية؛ لأنها تجعل صاحبها حاضرا على ألسنة الناس، أو لأنها تؤدي إلى زيادة المبيعات، أو لأنها تحقق الشهرة التي يأتي من ورائها المكسب والمغنم، نرفض كل هذه الصور من الإثارة والمظهرية لأنها لا تؤدي إلى خير ولا تعالج مرضا ولا تصلح فاسدا، ولا تنضبط بضوابط الشريعة ولا توافق القيم الفاضلة.
لقد أصبحنا جميعا ننسى -في غمرة الأحداث والقضايا اليومية- بدهيات في التعا مل من أجل صالح المجموع، تقوم على الخير وصدق النية قبل الشروع في أي إصلاح. وقد كان الخير وحسن النية قبل البدء في العمل أساسا من أسس التعامل عند الصالحين من المؤمنين في أي أمر.
لقد صحب رجل أخا له في الله في بعض الطريق، وسأله: تذهب للصلاة على جنازة؟ فقال له: هنيهة. ثم قال: هيَّا. فسأله عن ذلك فقال: أردت أن استحضر النية. أي أنه يبحث في داخله ليعرف دافعه إلى العمل ويراجع الإخلاص في نفسه وقلبه، ويثبت التجرد من عمله. وما أحوجنا جميعا لمثل هذا حتى نبتعد عن الإثارة والمظهرية من ناحية، ونصدق ونخلص في خدمة الناس والبلد ثانيا، ونستحق ثواب الله قبل وبعد هذين الأمرين معا.
الخاملون:
وللأسف في مقابل أصحاب الإثارة والمظهرية تجد الخاملين الذين لا يعنيهم إلا أنفسهم ولا يشغلهم إلا صالحهم، ولا يأسون لما يصيب إخوانهم أو جيرانهم من خير أو شر، وهؤلاء يعيشون صغارا ويموتون صغارا؛ لأن الكبار من الناس هم الذين يعيشون لغيرهم ولو أجهدهم التعب، وحلّ بهم النَّصَب.
الخامل -فرد كان أو مؤسسة- هو الذي تحكمه (الأنا) الفردية أو الحزبية، ورؤيته لذاته -وحدها- وتضخيمه لها جعلته محصورا في إطار ضيق محدود، ودفعته دفعا غير كريم ليبحث عن الجاه والمال ولو كان على جثث الآخرين، حتى ولو ارتكب في سبيل ذلك المحرمات، وقارف المنكرات، وأشاع بين الناس الإدمان والمخدرات.
السكينة المفقودة:
وقد أصبح مجتمعنا خاضعا بكل مؤسساته (الحكومية والشعبية) للإثارة، وأصبح يحكم على الإنسان الذي يستطيع أن يثير الآخرين بأنه الإنسان الناجح، ففقدت المصداقية قيمتها، بعد أن أصيب المتمسكون بها بسهام من الآخرين أدمت قلوبهم، وفي مجتمعنا الذي فقد المصداقية ضاعت السكينة، وعمت الفوضى، والفوضى مصدر كل خراب وفساد، والسكينة مصدر كل صلاح وإصلاح، ولذا حين فاض الرسول صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى مزدلفة كان يقول: عليكم بالسكينة. عليكم بالسكينة.
لقد أصبحت نواقيس الخطر تدق في كل مكان من مجتمعنا، لعل الغافلين ينتبهون، ولعل الخاملين يتحركون.
|
قضايا كثيرة في حياتنا يكتفي المحللون لها بالإثارة والمظهرية ظانين أن في هذا الكفاية عن العمل الجاد المفيد. |
فهل يتحرك من بيدهم الحكم ليبحثوا عن حلول حقيقية للمشاكل القائمة، التي يتخذها الناس ذريعة للإثارة والمظهرية والبعد عن التجرد والجدية؟وعندما نتحدث عن الضياع والغفلة والخمول وفقد المصداقية لا ننسى قضية التفاؤل وحسن الظن بالله، الذي يدفع إلى العمل والحيوية ويقضي على مظاهر الضياع.
وهل يتحرك أهل الرأي والحكمة للقيام بدورهم في تبصير الناس بخطأ ما وقعوا فيه وما يزالون يمارسونه من بُعد عن الإخلاص والصدق؟
وهل سنقف جميعا وقفة جادة تعمل على إنقاذ بلدنا وإخواننا قبل أن يضيع الجميع؟
وقفة جادة:
لقد أصبح مألوفا للأذن أن تسمع بين مختلف المستويات والفئات العبارة الشائعة (إن الدولة مُوَلية) وإن كان القائلون يستدركون: لكن لا يزال هناك خير. والجميع يتألم لما أصاب هذا البلد المعطاء ولكن أحدا لا يتحرك ليمد يد الإنقاذ، ويعمل على انتشال الآخرين مما هم غارقون فيه، بل الكل يبحث عن حاجز يتوارى خلفه، ثم ينظر من بعيد ليرى ما سيكون.
وهذا ليس دأب الغيورين الصادقين المخلصين، الذي يعطون للآخرين بغير حدود، لأن نفوسهم لا تحتمل الاختفاء حين يطلب منها العمل، ولا تطيق البخل حين يطلب منها العطاء.
والعطاء مطلوب من الجميع، فما من قادر إلا وله الحق في العطاء ومعاونة الآخرين بكل وسيلة عملية ممكنة. وهذا العطاء هو سمة الحجاج الذين يعطون من أنفسهم وأموالهم وجهودهم وأوقاتهم من أجل أن يحققوا ثواب الله، وهم في نفس الوقت يبتعدون عن ديارهم وأهليهم وتجاراتهم ووظائفهم من أجل الغرض ذاته. وليتنا نتعلم من درس الحج هذا العطاء وهذا التجرد وهذا الصدق وهذه الحركة والحيوية في التعامل مع الآخرين، الذين يحتاجون في تعاملهم إلى الطهارة ممثلة في اليد التي لا تسرق ولا ترتشي ولا تغش، الطهارة في الكلمة المبتعدة عن الزيف والزور، والطهارة في العمل القائم على التجرد، وفي الحج نجد الطهارة التي أشار إليها القرآن الكريم “فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج”
وللباحثين عن الجاه والمال نقول: وما قيمة الجاه والمال من غير دولة؟ وإذا أصبح كل واحد متبعا هواه فمن المسئول عن هذه الدولة؟ لقد أصبح كل واحد يظن نفسه زعيما مهمته النقد وبيان الأخطاء في أسلوب مثير، أما مهمة البناء والإصلاح فليست من شأنه ولا هي تعنيه. أصبح كل واحد يظن أنه أوتي الحكمة كلها والذكاء كله والفطنة التامة فلا يعجبه رأي، ولا يستحسن أي تصرف. لأنه ينظر إلى نفسه وحدها ولا ينظر إلى مجتمعه.
مع أن الأصل أن يراعي مصالح الآخرين إلى جانب مصلحته، لأن أساس الإصلاح أن يقوم على الاعتدال فلا يضحي الفرد بالمجتمع، ولا يضحي المجتمع بالفرد، بل بينهما علاقة توازن وتعاطف ومراعاة لمصالح كل طرف. وهذا جزء من التعبد الذي يظهر في الحج، حيث ينبغي أن يراعي القوي الضعيف وأن يساعد العالم الجاهل، وأن ينصح كل أحد غيره بما يرضي الله لتستقيم العبادة على المنهج الصحيح الذي أراده الله.
بين الفكرة والعمل:
لقد بدأ الجميع يهتم بالمظهرية والإثارة، فالسياسي يظن نفسه هو المنقذ لأنه فعل كذا وكذا، والاقتصادي يظن نفسه هو المنقذ كذلك لأنه تغلب على كذا وأوجد كذا.
والاجتماعي ليس أقل من الاثنين ظنا بنفسه، لأنه قضى على مشكلة كذا وناقش مشكلة كذا، والجميع يتحدث ويكتفي بالحديث، ويظن أن الكلمة وحدها تغني عن العمل، وأن اللسان يغني عن اليد، ولذا تجد كثيرا من أصحاب الاختصاص التنفيذي العملي يكتفون في مواجهة مشكلة ما بإقامة ندوة لمناقشتها، أو الدعوة إلى مؤتمر حولها. ثم يكفون أيديهم بعد ذلك، لأن الناس ستتحدث عن هذا المظهر وحده، وهذا يكفيهم أما المشكلة وحلها والقضاء عليها وإزالتها من طريق الناس، فهذا ليس في الحسبان، وأوضح الأمثلة على ذلك مشكلة المخدرات. كم ندوة أقيمت لمناقشتها وبيان أخطارها؟ فهل منعت هذه الندوات انتشار المخدرات؟
إننا نسمع في كل يوم أو نقرأ عن حالة وفاة بسبب المخدرات، ونسمع ونقرأ أرقاما مزعجة مخيفة، تثير الرعب خوفا
|
للأسف الشديد أن الإنسان الناجح عندنا هو الذي يستطيع أن يحظى بأكبر قدر من الإثارة حول شخصه أو حديثه أو مكانته ووجاهته. |
على الأبناء من هذا الداء الذي نقيم من أجله الندوات، مع أن الجميع يعرف كيفية القضاء عليها بالأخذ على يد
وما هكذا يكون الإصلاح، الذي تحتاج فكرته إلى أناس جادين يتبنونها، ويعملون على إبرازها من حيز العقول إلى حيز الواقع الأرضي الملموس الذي ينتفع به الناس، فالفكرة كالبذرة ما لم تجد زارعا مجدا يشق الأرض، ويضعها فيها، ويتعهدها بالسقي، ويمنع عنها الآفات حتى تكبر وتثمر، ما لم تجد ذلك بعثرتها الرياح وأفسدها الزمن ولم ينتفع أحد منها بشيء.مروجيها، ومنعهم من الاتجار الرخيص فيها. فهل فعل أحد ذلك؟ إننا نكتفي أمام المروجين بنشر الأرقام ومعالجة بعض الحالات ثم نترك لهم الساحة ينشرون فيها السموم ونحن نواجههم بالكلام والأرقام.
مثال إصلاحي قديم:
لقد بين لنا القرآن ذلك في قصة ذي القرنين، الذي مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سببا والذي ملك المشرق والمغرب وكان قويا عادلا صالحا مصلحا، بلغ في رحلته بين السدين فوجد من دونهما قوما يعيشون في جهل وعيّ (لا يكادون يفقهون قولا) وتحت وطأة حاجتهم إلى الأمان من يأجوج ومأجوج فكروا في أن إقامة سد بينهم وبين هؤلاء المفسدين يحميهم من الشر والهلاك، فعرضوا فكرتهم على ذي القرنين عارضين مبينين أن له أجرا على ذلك (فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا) فالفكرة عندهم موجودة في الأذهان لكنهم لم يحققوها واقعا؛ لأنها تحتاج إلى جد وعمل وقوة، وإلى رجال ذوي همة وهم لم يكونوا كذلك، وإنما تحققت هذه السمات في ذي القرنين، ولذا قبل العمل من أجلهم، وقبل تعليمهم، وأقام لهم أفضل من السد الذي اقـترحـوه، وصنعه بطريقـة لا تنقب ولا تتسلق حتى يحقق لهم الأمان الذي يطلبونه “.. فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما، آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى
|
الخاملون (أفراد كانوا أم مؤسسات) هم الذين تحكمهم (الأنا) الفردية أو الحزبية، بحيث تحصرهم في نطاق ضيق محدود. |
بين الصدفين .. فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا”
وبهذه الروح وهذه الهمة وهذا الجهد حقق لهم الأمان وعلمهم العمل.
مثال إصلاحي حديث:
يوم الاثنين الماضي رأيت فكرة. نعم رأيت فكرة بعيني بعد أن تجسدت واقعا حيا على الأرض لأن أناسا جادين دفعهم الحماس والإيمان للعمل بها، وإبرازها إلى حيز الوجود، فقد نذروا أنفسهم للفكرة التي آمنوا بها. وهي فكرة تحدث بها أناس منذ ثلاثين سنة، ولكنها بقيت رهينة الأذهان، لأن أحد لم يبذل جهدا في سبيل تحقيقها وإيجادها، بل كانت التأوهات هي التي تشيع الحديث عنها إن ذكرت في مجلس من المجالس..
وظلت الفكرة باقية والحديث عنها متصل، والعمل من أجلها متوقف حتى شاء الله أن تؤمن بها أختان فضليان هما سمية ونسيبة عبدالعزيز علي المطوع، اللتين تبنتا الفكرة وبحثتا لها عن مظلة قانونية، فكانت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية لهما مظلة، وعملتا بجد حتى ظهرت الفكرة على الأرض متجسدة في مدرسة الرؤية ثنائية اللغة، تقوم على الأصالة والمعاصرة، إذا تجمع بين المنهج الإسلامي التربوي الصحيح الذي اشتركت الأختان مع غيرهما في وضعه، وبين أحدث النظم التربوية العصرية السائدة في مدارس الدول المتقدمة، فكانت المدرسة بهذه الجهود وبهذا العمل متميزة بين أقرانها من المدارس.
وكم في بلدنا من مدارس خاصة، ولكن الكثير منها أشبه بدكاكين لبيع السلع الرديئة، لأن هذه المدارس همها الوحيد في آخر العام أن تجمع أرباحها من الدرهم والدينار، دون أن تهتم أدنى اهتمام بالرسالة التي تؤديها أو بالأصح التي يجب عليها أن تؤديها.
لقد نجحت فكرة مدرسة الرؤية لأن الأختين آمنتا بجدواها وعملتا بجد على إيجادها وأداء رسالتها التربوية السليمة في
| تجسدت فكرة هذه المدرسة واقعا ملموسا على الأرض، لأن أناسا جادين دفعهم الحماس والإيمان إلى العمل الصحيح من أجل إبرازها إلى الوجود. |
إطار من القيم الأخلاقية الدينية الصحيحة. وهذا نموذج للإصلاح يفتح باب الأمل في أن الإصلاح ممكن وأن بابه مفتوح لكل قادر على العمل، ليعمل ما استطاع من أجل الآخرين.
وماذا بعد ذلك؟
بقي أن نقول: إن كثيرا من النجاحات التي تتحقق في مجتمعنا نجاحات فردية لا مؤسسية، فكثير من ألوان النجاح نجدها وليدة الخاص لا العام. ونحن نود ألا يغيب دور المؤسسات في صناعة النجاح، لأن المؤسسة في الأصل هي التي تقوم بالإنتاج العام الذي يتسع لكل الناس.
إن هذا الخلل ينبغي علاجه حتى يكون النجاح عاما وخاصا ملك للمؤسسات وملك للأفراد. وهذه تكون البداية لتجاوز العقبات بعيدا عن الإثارة والمظهرية.

