بقلم الشيخ/ د. جاسم مهلهل الياسين
الإسلام كرَّم كبار السن:
“الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة..” (الروم: 54) تبين الآية أن الإنسان الذي طال عمره يمر بمرحلتي ضعف في حياته، يكتنفان ويحيطان بمرحلة قوة، ولعل ذلك -والله أعلم- ليعلم أقويــاء اليوم، الذين كانوا بالأمس ضعافا، أنهم صائرون مرة أخرى إلى الضعف -إن مدّ الله في عمرهم- فلا تغرهم مرحلة القوة التي تمر بهم عن الاهتمام بآبائهم وأمهاتهم ولا عن أجدادهم وجداتهم، لأنهم بذلك الاهتمام وتلك الرعاية يمهدون لأنفسهم، ويغرسون في أبنائهم نموذجا عمليا يبين أن هذا هو ما ينبغي أن يفعلوا مع آبائهم كما يفعل أباؤهم مع أجدادهم.
وإذا كان الاهتمام بالأبناء ورعايتهم والسهر على راحتهم فطرة في الإنسان، تدفعه إلى الاستدانة -أحيانا- من أجل
| ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا. (حديث شريف) |
معالجة المريض، أو الإنفاق على طلاب العلم، أو مساعدة هذا أو هذه على الزواج، فإن الاهتمام بكبار السن (آباء كانوا أو أمهات، أو أجدادا أو جدات) قيمة إسلامية عظيمة أوصى الله بها عباده في عدد من الآيات منها قوله تعالى: “قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا” (الأنعام: 151)
وقوله: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما.. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا” (الإسراء: 23-24)
ومنها: “ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن، وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك ..” (لقمان: 14) وجاءت طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين هذا الأمر وتحث عليه ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا” صححه الألباني (ص.ج.ص رقم 5444)، وجاءت أحاديث أخرى تحذر من الوقوع في إثم عقوق الوالدين، لأنه من الكبائر الواجب اجتنابها، والابتعاد عنها، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وقول الزور” (ص.ج.ص 2628) فلماذا عكس الناس بتصرفاتهم أمر التشريع؟ وبأي شرع أو عقل أو منطق يتصرف العاقّون؟
الواقع السلوكي عند البعض:
إذا كانت هذه مبادئ الدين الذي نعتنقه ونعمل به وسنحاسب عليه أمام الله -سبحانه- فأين الواقع الفعلي من هذه المبادئ؟ إن شريحة من الأبناء تقوم بهذه الواجبات الدينية خير قيام، بحرصها على الوالدين، واحترام الكبير، أخا كان أو قريبا أو شخصا لا تربطهم به قرابة في الرحم والنسب، ولكن شريحة أخرى غير قليلة أهملت العمل بهذه الواجبات الدينية، أو هي لم تعرفها أصلا، فعقت أبويها، وحاولت -جهدها- التخلص من شرف خدمتهما، وحملت أنفسها جرماً شنيعاً تلقى به ربها يوم القيامة.
وما يكتب في الصحف اليومية أو يتداول في الأحاديث الشخصية يحكي قصصا يندى لها جبين المروءة ويرتفع نصيب أصحابها من الخسة، لأن الإساءة لا تلحق مجر طاعن في السن، ولو كانت هذه وحدها لكانت قاصمة الظهر، ولكنها تلحق أباً طاعنا في السن أو أماً عجوزاً كشفت غضونها عن تحملها الصابر لآثار السنين في تربية الأبناء.
فهل يكون جزاؤهما العقوق والإساءة والتنكر للجميل؟ كيف هذا والله سبحانه يقول: “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان”؟ فانظر إلى هذا (الإحسان) الذي قام به بعض الأبناء:-
أخذ أحدهم أمه ذات مساء إلى شاطئ الخليج، وجلس معها قليلا، ثم تركها -بعد أن أعطاها ورقة مكتوبة- على أن يعود إليها بعد حين. وطالت غيبته وطال انتظار الأم في مكانها دون جدوى، حتى مر بها أحد الأشخاص، فاستغرب وجود عجوز في هذا الوقت المتأخر من الليل على شاطئ الخليج من غير أن يكون معها أحد، واقترب الرجل منها، وسألها إن كانت تريد شيئا. فحكت له قصتها وأخبرته أنها تنتظر ولدها وقرأ الرجل الورقة التي معها فإذا فيها رجاء لمن يقرؤها أن يأخذ المرأة لأقرب مكان لرعاية المسنّات.
وحكى لي من أثق بصحة كلامه وصدق حديثه أن عددا من الأبناء أخذوا أباهم إلى إحدى المستشفات لإجراء بعض
| إن عقوق الآباء والتنكر لمطالب المسنين غمط لحقهم وبخس لقدرهم. |
الفحوصات، ومكث الرجل أياما في المستشفى ثم لم تكن حالته تستدعي البقاء هناك، لأنه -وإن تقدمت به السن- ليس مريضا مرضا عضويا مما يدخل في دائرة عمل المستشفيات، فاتصل المختصون في المستشفى بأولاده الذكور واحدا وراء آخر، وكلهم يعتذر عن أخذ الرجل لسبب أو لآخر، ثم كان موقف بناته منه نفس موقف أبنائه مما جعل المستشفى يتصل بمخفر الشرطة وكان المسئول فيه رجلا شهما، لا يقبل العوج، أو الهروب من الواجبات فاستدعى جميع أبنائه وهددهم وتوعدهم، وأخذ عليهم التعهدات بأن يحافظوا على أبيهم وأن يراعوه ويكرموه.
وقفة تربوية إصلاحية:
وليست هاتان الحادثتان وحيدتين في هذا الباب، فهناك حوادث أخرى تؤلم النفس، وتدمي القلب مما يستدعي وقفة تربوية إصلاحية تشعر كبار السن بأن مكانهم في القلوب، وأن منزلتهم فوق الرءوس، وأنهم بركة وخير في هذه الأرض.
وهذه الوقفة التربوية واجبة على عاتق كل إنسان له اتصال بالشباب في أي مكان، إذ ينبغي أن يشيع بين الجميع ما لكبار السن من حقوق -ينبغي أن تؤدى- على أبنائهم، وهي حقوق دائمة لا تسقط عند سن معينة أو في زمن بعينه، وهي كذلك حقوق توافق الأعراف والعادات والتقاليد العربية، وتستمد رسوخها وثباتها واستمرارها من الدين الذي لا يتغير ولا يتبدل، وإن تبدلت الأعراف أو العادات.
والحمد لله فالمتصلون بالشباب كثيرون، فأساتذة الجامعة، ومدرسو وزارة التربية والتعليم، وأئمة المساجد، وأجهزة
| إن المؤسسات القائمة الآن في المجتمع على عاتقها واجب تكريم كبار السن وتقديم كل عون مستطاع لهم. |
الإعلام المختلفة، كل هؤلاء لهم صلة وثيقة بالشباب، وقادرون على أن يعالجوا مثل هذا الخلل بين بعض الشباب وأن يردوه إلى ما ارتضاه المجتمع من الإحسان للكبار، وهو ما يسير عليه سمو أمير البلاد حفظه الله حيث يحرص على مقابلة بعض كبار السن من رجال البحر والصيد والغوص، توثيقا لمكانتهم في المجتمع، وحرصا على إظهار الاهتمام بهم أمام الأجيال، ليتخذوا من عمله القدوة والمثل لأنفسهم.
وأما الوقفة الإصلاحية فتتمثل في:
إنشاء جهاز أو هيئة أو جمعية رعاية المسنين.
تضم في عضويتها كل كبار السن، وتوفر لهم الرعاية اللازمة، وهم في أماكنهم وبين ذويهم معززين مكرمين، تقدم إليهم الخدمات من غير أن يطلبوها، وتكون لهم الأولوية في تقديم الاحتياجات. ويمكن لأهل الذكر في المجال الاجتماعي والتربوي أن يضعوا تصوراتهم في هذا المجال، بحيث تكون مشروعا متكاملا يخدم هذه الشريحة من آباء المجتمع، ويقوم بحقهم وواجبهم خير قيام، وما نقوله هنا لا يخرج عن أن يكون فكرة للمشروع، يساهم في بلورتها وإظهارها والعمل على تحقيقها كل قادر، حتى لا نجمع على هؤلاء علتي الضعف البدني، والقهر النفسي، وحتى نكتسب رضاءهم، وننال بركة دعواتهم.

