بقلم الشيخ / د. جاسم مهلهل الياسين
هل للمجلس خطة موضوعة؟
مجلس الأمة هو المؤسسة التي من حقها اختيار القوانين، أو سنّها في ضوء ما جاءت به الشريعة الإسلامية، وما أقره دستور الكويت، وله حق متابعة تنفيذ القوانين ومعرفة ما قد يعترض طريقها أو يمنع سيرها، إلى جانب حقوق أخرى كثيرة.
ومن نافلة القول أن هذا المجلس -وهو مؤسسة لها أهميتها في الدولة- يجب أن يسير تبعا لخطة موضوعة، تأخذ بزمام الأحداث، وتحيط بمجراها، وتلاحقها، بناء على أولويات تحتاج الدولة والمواطنون إلى ترتيبها، والأخذ بأهمها، بحيث يكون المجلس أداة فاعلة في الأحداث، ترتبط قراراته بتوجيهها نحو ما فيه صالح الشعب كله، الشعب الذي يشعر بتفاعل أعضاء المجلس الذين اختارهم في اقتراع حر مباشر مع آماله وآلامه ومصالحه وما يتطلع إليه. وحتى يتم هذا الأمر بصورة مرضية كان لا بد من ترتيب الأولويات التي يتناولها المجلس بالمناقشة ليقرها أو يرفضها، بحيث لا تتناقض مع الأحداث الجارية، ولا تجري في وادٍ، والأحداث في واد آخر. ولا تكون الأحداث هي التي تفرض نفسها على المجلس.
ولكن الملاحظة التي يأخذها كثير من المراقبين على أداء المجلس النيابي في دوراته المنعقدة منذ
|
أعضاء مجلس الأمة قدوة للشباب الكويتي في كل موقع، وهذا يفرض عليهم الالتزام والانضباط والتجرد والعمل للصالح العام. |
التحرير إلى الآن أن الأحداث هي التي تفرض نفسها عليه، وأن الخطة التي تعد مرتبة حسب الأولويات، لا تنفذ إن كانت موجودة، وربما لا تكون موجودة أصلا، مما يؤدي إلى إهدار الوقت، وإضاعة الجلسات بين شد وجذب، وقد تتفرع جهود المجلس وهو يحاول أن يتابع أعمال الحكومة وتوجهاتها، مما يعني أن هناك تسيّبا في الأعمال، يصعب قبوله من الأعضاء، والمفروض أنهم من صفوة الشعب، وهم في عملهم العام قدوة للشباب الكويتي في كل موقع، ولذا فإن وضع خطة مرتبة بحسب الأولويات التي يتطلع إليها الشعب، والعمل على تنفيذها، أمر يتمناه الناس جميعا، ويرحبون به عند تنفيذه، ولا تتوقف ألسنتهم عن الثناء عمن فعل ذلك، ويظلون يذكرون ذلك دورات بعد دورات، كما حدث ذلك من قبل مرات عديدة. أما الذين لا يعنيهم إلا أن يتابعوا الأحداث وأن يقفوا عندها، فأظن أن التفات الناس إليهم ضعيف، وأن اهتمام الشعب بأدائهم لا يعدو أن يكون اهتماما عاديا، لا يبقى في القلوب، لأن الأحداث هي التي تحركهم، وليست مواقفهم هي التي تحرك الأحداث.
شبهات مالية:
وأعضاء مجلس الأمة عليهم أن يظلوا بعيدين عن مواقع الشبهات المالية، التي قد يتهمون بها فيما لحق برواتبهم من زيادة، أو في المكافآت التي يحصلون عليها، أو في الأسفار الطويلة المتلاحقة التي يتنقلون فيها من بلد إلى آخر، فتزداد -تبعا لذلك- البدلات المالية التي يحصلون عليها، وهم يؤدون أدوارا ينبغي أن تقوم بها السفارات الكويتية والبعثات الدبلوماسية في الخارج في البلدان التي يزورونها، وقد تستدعي الضرورة سفر وفد إلى بلد ما في وقت معين لضرورة ملحة، ولا بأس بهذا، لأنه أمر طارئ لا يأخذ طابع العموم، أما أن يكون الصيف كله وغير الصيف زيارات وسفرات فإن هذا قد يكون أحد أسباب إثارة الشبهات، التي من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه … وأعضاء المجلس في غنى تام عن أن تلاحقهم أمثال هذه الشبهات المالية.
وقد يقال: إن هذه الزيادات المالية التي يحصل عليها الأعضاء زيادة مقصودة حتى لا يلتفتوا إلى أي
|
أعضاء المجلس في غنى تام عن أن تلاحقهم الشبهات، أو تدور من حولهم الشائعات، أو يكونوا مثار الحديث في الديوانيات. |
مصدر مالي آخر، وحتى لا يكونوا في حاجة إلى البحث عن مصدر مالي هنا أو هناك.
وهذه مقولة مرفوضة، ليس لها ما يؤيدها. لأن الرغبة المالية لأي إنسان لا تقف عند حد، إذ هي كما أخبرنا بها رسول الله: “لو كان لابن آدم وادٍ من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا..” (ص.ج.ص 5288) إن الرغبة المالية لا يوقفها بعض المال، إذ هي كلما وجدت شيئا منه تفتحت إلى مزيد منه ومزيد، حتى إنها قد تسبب لصاحبها حرجا أو ضيقا.
التعفف عن المال العام:
إن الذي يكف هذه الرغبة وقد يوقفها تماما هو: التعفف عمّا في أيدي الآخرين، وعما عندهم، وهذا التعفف هو المطلوب من الأعضاء قبل غيرهم، لما لهم من مكانة، ولأنهم قدوة تتبع، فتعففهم يمنعهم من الخضوع لأي جهة، تود لو أنها اشترت مواقفهم بالمال، لأنهم لا يعطون فرصة لأحد يفعل ذلك.
ونوابنا نود منهم أن يكونوا نماذج للعطاء الوطني المتجرد عن أي منفعة مهما كانت صغيرة، وحرصنا على ألا تلحق بهم شبهة فضلا عن تهمة، هذا هو الذي يدفعنا لكتابة مثل هذه الآراء التي نضعها أمامهم في بداية دورتهم الجديدة للمجلس النيابي.
وهو دافع كذلك لأن نذكرهم بأن العضو الواحد يكلف الدولة شهريا آلاف الدنانير، ما بين راتب له
|
العضو الواحد يكلف الدولة -شهريا- آلاف الدنانير ما بين راتب له وبدلات مختلفة، وأجور “للسكرتارية” التابعة له. |
وبدلات، وراتب “للسكرتارية” التي تعمل إلى جانبه وتساعده في عمله، وهذه التكلفة المالية الضخمة تستدعي إعادة النظر في بنودها، وبيان مدى ما تتحمله الدولة في سبيل توفيرها وأدائها، مع أن من مهمة المجلس محاولة تخفيف الأعباء عن الموازنة العامة للدولة، ومنع أوجه الإسراف في النفقات، ومحاسبة المسرفين، الذين يتسببون في ضياع بعض الأموال من غير عائد إنتاجي كبير، وفي هذا الوقت الذي يتصرف فيه المجلس على هذا النحو تحدث عملية الشد والجذب بين الحكومة والمجلس فيما يطلق عليه “الحزمة الاقتصادية”.
وأخشى ما أخشاه بعد اشتعال المزايدات بين الحكومة والمجلس أن تسقط الحزمة الاقتصادية كلها، ولا يبقى لنا غير الحزام، الذي لا يعلق به أي شيء مالي أو مكسب مادي أو معنوي.
نموذج في الإنفاق:
إن بعض بنود النفقة التي ينفقها المسئولون قد تبتعد عن التقليد والنمطية، ومع هذا لا يمكن الاستغناء عنها، لأنها ضرورة حياتية يومية، وقد يقف منها البعض موقف المتسائل، لا لشك في ذمة أحد، بل لتثبت من الأمر، ولنفي الظنون التي قد ترد إلى الأذهان من جراء بعض النفقات، وقد حدث مثل هذا لعمر بن عبدالعزيز وهو من هو في التحرّي والدقة، قال ذات مرة: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت المال. فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع تحرّيك وشدة تحفظك؟ فقال: (أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف، إن في المحادثة تلقيحا للعقل، وترويحا للقلب، وتسريحا للهمّ، وتنقيحا للأدب) فهل نفقات مجلس الأمة تدخل في هذا الباب؟ وهل ينطبق مثال النفقة التي كان يود عمر بن عبدالعزيز أن ينفقها على ما أنفقه المجلس على النواب والأعضاء؟
|
أخشى بعد استعال المزايدات بين الحكومة والمجلس أن تسقط “الحزمة الاقتصادية” ولا يبقى لنا غير “الحزام”. |
مصداقية الأداء:
إن الحكم على المواقف المتماثلة ينبغي أن يكون متماثلا، ليدل على المصداقية الحقيقية لصاحبه، وليدل على أنه بعيد عن الميول والأهواء، وأنه لا يريد من حكمه إلا المصلحة وحدها، فإن جاء الحكم مختلفا أو متناقضا أو متذبذبا ذات اليمين وذات الشمال دلّ على هوى ورغبة قد توافق المصلحة وقد لا توافقها.
وأداء بعض الأعضاء لم يكن متسقا في بعض المواقف المتشابهة أو المتماثلة، مما يثير بعض التساؤلات حول أدائهم، بل حول تناقض مواقفهم.
فبينما يقفون موقفا جادا أمام تعدي البعض على أملاك الدولة كما في قسائم الشويخ الصناعية، ويطالبون بإزالة التعدي عليها، تجدهم يستنكرون تصرف بعض الجهات الحكومية حين أزالت “الجواخير” مع أن الجواخير تمثل تعديا كذلك على أملاك الدولة. فكيف يختلف موقف النائب إلى درجة التناقض مع أن الحالتين متماثلتان؟ وكيف يقف هذا النائب نفسه مطالبا بإسقاط فواتير الكهرباء عن فئات من الناس مع أن ذلك هدر للمال العام؟ وكيف لا يوقف النواب االتعديات على أملاك الدولة في صبحان ولا يطالبون بذلك مع أن هذا تعدٍ على أملاك الدولة وأموالها؟
إن مصداقية الأداء تكسب صاحبها احتراما وتقديرا، لأنه يكون متمسكا بالحق، يدور معه حيث دار،
| بعض المشروعات تقبل أو ترفض نتيجة مزايدات انتخابية متعلقة بفئة انتخابية معينة. |
والحق لا يتذبذب ولا يتلون ولا يتناقض.
ونحن نود لكل النواب أن يتسموا بهذه السمة، ونرجو للبعض أن يتخلى عن مواقفه المتذبذة أو المتناقضة.
تقدير وتنويه:
وحين نذكر بعض السلبيات لا ننسى أن ننوه بأداء المجلس في بعض الدورات، ودفاعه عن القيم والمبادئ.
إن المجلس في بعض دوراته ومواقفه له إنجازاته التي لا ينكرها إلا مكابر، ومثل هذه المآخذ التي أخذناها على أداء المجلس في الفترة الماضية، إنما نهدف من وراء توضيحها وبيانها إلى أن يبرأ أداء المجلس من الشبهات والتشوهات، حتى يظل هذا المجلس بعيدا عن كل ما يشين، وحتى تظل لأعضائه مكانتهم في نفوس الشعب الكويتي الذي يقدر العاملين، ويحترم الصادقين المخلصين.

