بقلم : د.جاسم محمد مهلهل الياسين

لا بأس من مراجعة مواقفك تجاه العملية الدراسية، وتأكد أنك لم تدخر وسعا في سبيل الوصول إلى مبتغاك، وأن لديك من البواعث ما يجعلك تواظب على مسعاك حثيثا، فكر في عائلتك، في مستقبلك، في مكانتك بين أقرانك وأما أساتذتك، لا تدع حجة لأحد يؤاخذك بها على تقصيرك، حاسب نفسك قبل أن يحاسبك الآخرون، لا تدخر جهدا، فكل خطوة تخطوها تقرب إليك المنى، وتقربك من الفوز المنشود (فن الدراسة والإيصال).

هذه وصية أحد رجال التربية لدارسي علوم الحياة، وحري بها أن تكون موجهة للعاملين في مجال الدعوة الإسلامية، الذين عليهم أن يراجعوا مواقفهم وأعمالهم ووسائلهم، التي يتخذونها مسلكا للوصول إلى إقامة شرع الله في الأرض، وتعبيد الناس لله، لأن المواقف والأعمال والوسائل قد تتغير، وقد تصبح في وقت من الأوقات غير مناسبة لتطورات الحياة، أو قد تتغير تبعا لتغير نظرة العاملين، وسعة مداركهم وانفساح المجال أمامهم.

وأخذ كل حالة بما يناسبها والتصرف في كل أمر بما يقتضيه من بديهيات العمل الإسلامي، الذي قرره عمر بن الخطاب حين كتب إلى أبي موسى الأشعري كتابه الشهير في القضاء، وفيه يقول: “لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه إلى الحق، فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”، ومراجعة العاملين للأساليب والوسائل التي سارت عليها الدعوة منذ عشرينيات القرن العشرين حتى الآن سيكشف للمتهمين بعض اوجه القصور، التي جعلت كثيرا من الآلام تصيب رجال الدعوة، وربما كان من الممكن لبعضهم على الأقل أن ينجو منها دون أن يفرط في دينه أو يخسر في دنياه.

المراجعة إذن ضرورة لا غنى عنها فقد تكشف –كذلك- عن أسباب بعض العلل التي تصيب العاملين في بعض الفترات فيتجمدون في مواقعهم، أو يبتعدون عن المسار والهدف قليلا أو كثيرا، ومن لا يشكو من فتور بعض العاملين، أو ضعف همتهم، أو كسلهم وعجزهم أو بخلهم وترددهم وتسويفهم؟

إن غاية الإسلاميين هي إعلاء كلمة الله، وفي سبيل هذه الغاية عليهم ألا يدخروا وسعا.

فهل بذلوا كل ما يستطيعون وخاصة أن باعثهم على هذا البذل هو أقوى البواعث وأعلاها وأشرفها؟

إنه رضوان الله وطلب مثوبته، والفوز بجنته، وهذه سلعة غالية الثمن تشترى بالأنفس والأموال: “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة” (التوبة: 111).

ولئن كان دارسو الحياة يفكرون في مستقبلهم وعائلاتهم ومكانتهم بين زملائهم فإن العاملين للإسلام يفكرون في موقفهم أمام ربهم، وفي محاسبة الله لهم على ما قدموه لأنفسهم من خير أو شر، وهو حساب عادل، لا يفر منه أحد، ولا تفريط فيه لكبيرة أو صغيرة: “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره” (الزلزلة: 7-8)

ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها (الكهف: 49)

إن وقفة جادة مع النفس قد تكشف عن طاقة كامنة في الإنسان لم تستغل، أو قوة وقدرة في أحد مجالات الحياة لم تستعمل، أو تصرف قد يبعد بعض الأضرار، أو كلمة قد تبعد الغفلة عن بعض الناس، أو غير ذلك مما له أثر في نشر الدعوة الصحيحة بين الآخرين.

ولا يتم ذلك إلا بالتصميم على المضي في الطريق، والعزم والاستمرار فيه، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، والتخلي عن الأماني الغرورة، واختيار أيسر السبل وأسلسلها للوصول وأقربها لتحقيق المراد من اتخاذ القرار.

وإذا راجع كل أحد نفسه وراقب تصرفاته، وعمل بجد وإخلاص، من غير أن يحيد عن هدفه أو ينحرف عن طريقه، وحاسب نفسه على ما قدمه للدعوة، بعد أن تخلص من أشواك الطريق، وعرف كفاءته فعمل بها، وقدرته فاستغلها، فإنه بذلك يقترب من الأمل المنشود وهو إظهار دين الله على الدين كله، وإن كره غير ذلك غير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين.