بقلم الشيخ / د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “سألت ربي ثلاثا: فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالفرقة فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها” حديث مسلم.

آلية التعاون:

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وصحبه ومن والاه أما بعد:

فإن الدخول في آليات العمل والتفكير فيها يعتبر البداية العملية لكل مشروع تأصيلي فكري، ولكل بداية صعوبة وضريبة يدفعها الكبار الذين يلجون هذا المضمار لأنهم سيحولون الأفكار إلى واقع عملي ملموس، ومن المعروف أن العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأهداف، والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص، وأصحاب المشكاة جزاهم الله خيرا بدأوا يناقشون الأفكار، وهذه نقلة كبيرة بعد أن ظل الكثير من أصحاب الحركات الإسلامية يناقشون في غالب أوقاتهم “الأشخاص” وفي أحسن أحوالهم يناقشون الأحداث، وهؤلاء لا يحسنون التعاون وليسوا مؤهلين لذلك، فالأفراد والأحداث أمر يصعب التعامل معه في المجال العملي الواقعي، أما وقد بدأ القائمون على مركز المشكاة الإعلامي ملتقياته في “أسس وآليات التعاون بين الجماعات الإسلامية” فهذا يدل على أن الأخوة قد تجاوزوا الخلافات حول الأشخاص والحوادث وبدأوا الطريق،

تفاعلات الأحداث التي مرت بالمسلمين في القرن الماضي ما تزال آثارها باقية في حياتهم وعلى أرضهم.

ولعل من أسباب بدايتهم الصحيحة أنهم كسروا الصندوق الذي يعيشون فيه، ونظروا إلى العمل الإسلامي من منافذ متعددة ولم يلزموا أنفسهم بمنفذ واحد وهذا ما يسمى في علم التغيير “البر دايم” وهذا النوع من المؤسسات فعال بطبيعته لأنه يضع الرؤى للمستقبل، ثم يضع الاستراتيجية في اتجاه الرؤى، مع حرصه على دعم مراكز القوى في الحركات الإسلامية لمشروعه، وهو حين تستقر الأمور عنده نراه:

  • يتحكم بالوقت من أجل إنفاق كل ثانية في خدمة رؤيته لإنجاح المشروع الإسلامي.
  • يبتعد عن العناوين العامة غير المُحددة ويُركز على الإنجازات الحقيقية الملموسة.
  • واثق بالله حين يضع أهدافه الطموحة.
  • تلاحظ عليه النضج وتقدير المسئولية وتصرفات الرجال.
  • ترى عنده همة نفس عالية، وإقداماً ووضوح روح المبادرة.
العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأهداف والأحداث، والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص.

ومن كان كذلك انتظم في ركب أهل الإبداع والتطوير، أصحاب فقه الكتاب والسنة والواقع، العاملين الجادين في حقل الدعوة، فهؤلاء هم الذين يستخدمون مهاراتهم وإمكاناتهم في تنفيذ وتطوير وإنجاز أعمالهم.

تهيئة الأجواء:

وقبل الدخول في الآليات المتعلقة بتعاون الحركات الإسلامية لا بد من العمل على تهيئة الأجواء في داخل بنية الحركات الموجودة على الساحة حتى يسهل تطبيق وتفعيل هذه الآليات، لأننا عندما نبدأ ببذور صحيحة وجيدة في أرض سبخة، نكون قد أضعنا الأوقات والأموال والجهود، هؤلاء كان الإنسان عنها مسئولا “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا” وهذا الأمر ليس بالهين، ولكن البدء به إنما هو وضع القدم على الطريق الصحيح من خلال:

  • إعادة النظر في هياكل العمل الإسلامي للحركات على فترات من حياة العمل الحركي، فهذه الهياكل لا تزيد عن كونها وسيلة لخدمة الهدف، فلا تجمد عليها مع تغير الظروف وأوضاع المجتمع.
  • الابتعاد في إدارة العمل عن نظام الدورة المفتوحة، حيث لا نتعرف على آثار العمل أو تصحيحه، فتسعى الحركة إلى نشر الدعوة بدون رصد آثارها وصداها.
  • حين العمل والسعي من أجل تعاون وتكامل بين الحركات الإسلامية لا بد من أن نبتعد عن تحقيق كل شيء في لحظة، وكأن إقامة الدين في المجتمع كصنع القهوة السريعة “نسكافيه”
  • أن يكون العمل القائم على التعاون والتكامل مجدولا في أعمال قصيرة واضحة ومُختصرة، وبمجرد الانتهاء منها يوضع جدول عمل زمني آخر مدروس، وهذا يتطلب العمل بروح الفريق الواحد، وهذه الروح تصبح فعالة بين من لديهم القدرة على التضحية، وتجاوز الخلافات الشخصية، والتعود على العمل مع الآخرين. ويوم يُتقن الإسلاميون العمل بروح الفريق سيكون ذلك بشارة إحياء حضارة إسلامية معاصرة وحين ذاك لن يوقف المد الإسلامي عائق بعد ذلك، فإن رحمة الله وبركاته تنزلان على العاملين بروح الأخوة وروح الفريق، فيد الله مع الجماعة.
تجاوز العقلاء من رجال المشروع الإسلامي الخلاف حول الحوادث والأشخاص واتجهوا إلى مناقشة الأفكار لمعرفة جوهرها وكل ما يحيط به.

من المقرر أن الحركات الإسلامية من خلال برامجها التربوية تمكنت من تكوين أفراد ممتازين إلى حد ما، ولكن المشكلات نشأت عندما حاول هؤلاء الأفراد العمل معا في برنامج مشترك. وقد استند من يقولون بأن أصحاب الحركات الإسلامية لا يعرفون الجد في العمل على وجود هذه المشكلات وعزوا سبب فشل بعض الحركات الإسلامية إلى هذا السبب، ولكن ما قولنا في الدعاة الجيدين الذين يعملون بكل جد؟ ما بالنا نجد أن الكثيرين منهم غير منتجين؟ إن مشكلة هؤلاء هي مشكلة توجهات وميول وافتقاد روح الفريق في العمل، فقد نرى أفراد المجموعة الواحدة يؤدون أعمالهم بكل جد، لكن في اتجاهات متعارضة. الأمر الذي يجعل محصلة جهودهم النهائية أقرب إلى الصفر، بل قد تكون محصلة سلبية في بعض الأحيان، فإذا لم يتوافق عمل فرد ما مع عمل غيره توافقا وثيقا في إطار خطة واضحة مع وضوح اتجاه العمل، فإن النتيجة ستكون محدودة رغم الجهود التي قد بُذلت في ذلك، وإذا ما استطردنا في تصعيد أخطاء بعضنا البعض وإهمال الإسهامات الإيجابية للآخرين، والتقليل من أهمية إنجازاتهم، فلن نتقدم ولن نحقق من أهدافنا شيئا مذكورا، إذن لا بد أن نسعى للتخلي عن الشعور بأننا نحن فقط على صواب، وأن غيرنا دائما على خطأ، ويجب علينا الاعتراف بأن كل العاملين في الحقل الإسلامي لهم دورهم، وأن نسعى جميعا إلى تنسيق الجهود، ونبذ التجريح والقدح في بعضنا البعض.

  • التدريب العملي للدعاة في العمل والممارسة الإيمانية الإخوانية.

مثال: الشيخ والتلميذ حيث قام الشيخ بتعليمه ستة أشهر، وطلب منه أن يتدرب معه ثلاثة أشهر، فاستعجل الطالب وظن أنه قد نضج وانتهى دور الشيخ، فذهب إلى المسجد، فسمع الإمام يقول من الكذب والأغاليط ما دفعه أن يقوم بعد الخطبة ويقول:

إن افتقاد روح الفريق في العمل الإسلامي أثمر نتائج غير قوية -مع وجود كثيرين من العاملين المجدّين- لأن أعمالهم متعارضة ومتضاربة.

هذا شيخ كذاب، فقام الشيخ وقال لأهل المسجد: هذا الرجل كافر، فقوموا فاضربوه، فقام الناس إليه وضربوه، ورجع الطالب إلى الشيخ قد أصيب في كل جزء من جسمه، فقال الشيخ: قم فاذهب معي، فجلس الشيخ عند هذا الخطيب الكذاب، وعند الانتهاء من الحديث قام الشيخ فقال: الخطيب رجل من أهل الجنة فمن كان مستطيعا فليأخذ من جسمه شعره، فقام إليه الناس ونتفوا شعره. فقال الشيخ: للخطيب لو عدت وكذبت فسيكون جزاؤك أكبر!!

  • ترتيب الأولويات، لأن المهام أكثر بكثير من الموارد المتوفرة من أجل القيام بها، فلا يكفي أن يؤدي المرء الواجبات المهمة، ولكن عليه أن يؤدي الواجبات الأهم منها أولا، فاختيار الأولويات الصحيحة مُقدم على تنفيذ المهام بطريقة أفضل.
  • تكوين الدعاة على وعي كامل بالواقع ومعرفة جيدة بالظروف الاجتماعية والتعليمية والسياسية والدينية للبلد الذي يعيشون فيه.

تصور مبدئي لآلية التعاون بين الحركات الإسلامية:

  • تكوين مجموعة خاصة بالتعاون بين الحركات، يوضح أمامها التحدي على شكل مهمة واضحة ومحددة، وتُمنح الصلاحية الكافية في البحث عن الحلول المطلوبة، ويوضع لها إطار زمني لإصدار وثيقة فيها تكاليف محددة، وحتى تنجح هذه المجموعة لا بد من تحديد ميزانية لها، وتمكينهم من الوصول للمعلومات التي يحتاجونها.
  • تحديد المسئولية لكل جهة مع تحديد المهمة، فجعل المسئولية للجميع يُؤدي إلى ضياع المسئولية وعدم إنجازها، فالكل يعتقد أن غيره هو المسئول.
  • اتفاق الحركات على أدبيات فقه الاختلاف كأرضية تعامل مع الأحداث، ومن هذه القواعد على سبيل المثال:
  • عدد ركعات صلاة التراويح، وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة سنة ووحدة المسلمين فرض.
  • كلام المتكلم صواب يحتمل الخطأ وكلام السامع خطأ يحتمل الصواب.
  • نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.
  • إحياء روح الحوار الفكري عند أبناء الحركات في مستوياته الثلاث: (داخليا بين الأعضاء، ومع الحركات الإسلامية الأخرى، ومع التجمعات غير الإسلامية) لأن غياب الحوار ركود فكري، وعجز في الإثراء المطلوب لإنضاج الحركة، بالإضافة إلى سوء الفهم بين المجموعات المختلفة، الأمر الذي أدى إلى غياب الثقة وبروز العداوات بين العاملين لرسالة واحدة.
  • إحياء المسائل الكبيرة في الإسلام والاجتماع عليها حيث لا مجال للخلاف عليها، فالاتفاق على إشاعة الحجاب الإسلامي المتفق عليه ووضع برنامج موحد في ذلك، مع عدم الدخول بالخلاف حول تغطية الوجه.
إحياء روح الحوار الفكري الملتزم بالآداب الشرعية بين القائمين على المشروع الإسلامي من الممكن أن تؤدي إلى نوع من التلاقي الذي يعود بالنفع على المسلمين.

الاتفاق على إحياء فريضة الصلاة من كل نواحي المجتمع، وعدم الدخول في خلاف حول هيئات الصلاة.

الاجتماع لحفظ حُرمة النبي r والصحابة وأمهات المسلمين. ووضع خطة عملية موحدة في إشاعة القيم الإسلامية لوضع سياج أخلاقي يمنع الزنا والمسكرات، وغيرها من الجرائم.

  • إيجاد برامج اجتماعية وأنشطة عامة بين أبناء الحركات الإسلامية المختلفة ليتم التعارف والتفاهم بين العاملين، فالملاحظ من خلال اختبار الناس ودراسة مشاكلهم واختلافاتهم يجد أن كثيرا من الاختلافات إنما تنشأ عن سوء فهم بعضهم لبعض، أو عن سوء ظن طرف بالآخر، فيتحكم بذلك الخلاف، وتبعد الشقة بين الأطراف، فالعيش الجماعي العفوي يُزيل الوحشة بين الأفراد وينشر بينهم قول الأحسن ليبتعد النزغ الشيطاني، ويكون الاختلاف حول تحديد الأولية، لا في أصل المشروعية.
  • حجب الخلاف بين الحركات الإسلامية عن الشباب الجدد والصغار لأن وصول مسائل الخلاف إليهم من غير معرفتهم بأدب الخلاف وأسبابه وطبيعته في هذه الأمة يجعلهم يتصرفون كما لو كان الخلاف خلاف تضاد لا تنوع، فيصل الأمر بهم إلى التفسيق والتكفير لغيرهم، فالخلاف إذا لم يُحَطْ بالآداب الإسلامية، ويُضبط بالضوابط الشرعية أدى إلى تنافر القلوب وتفرق الصفوف.
  • التقليل من حب الدنيا وتربية الأجيال على الزهد في المال والجاه، فما أفسد القلوب إلا التنافس على الدنيا وبهرجها (انظر قصة الأنفال وقصة الحسن البصري مع تلامذته) ويكفي أن ننظر إلى واقعنا في الكويت لنرى أن الخلاف يشتد حين التنافس على المجالس النيابية والمقاعد النيابية ومجالس إدارات الجمعيات التعاونية.

الخاتمة:

للأسف الشديد فإن الجماعات الإسلامية تظهر الآن- وكأنها أحزاب مقدسة لذاتها، كما لو كان الحزب قد تأسس من أجل نفسه، فأصبحت صورة الحزب عبارة عن مجموعة من الأعضاء تهتم بمصالحها فقط دون اضطلاعها بدور حقيقي لها في المجتمع ككل، لهذا نرى أن جمهور الناس لا يبدي أي اهتمام أو تعاطف جادّين تجاه

الواقع الحالي للأمة يقول: إن جمهور الناس لا يبدي أي تعاطف أو اهتمام حول ما يصيب الحركة الإسلامية من ظلم أو اضطهاد.

ما يقع على الجماعة من ظلم واضطهاد، ويترافق هذا الأمر مع فقدان الإسلاميين لبعض مكتسباتهم أمام مدّ العلمانيين نتيجة قلة التعاون بين الحركات الإسلامية المختلفة، وعندما يتم التعاون بين الحركات الإسلامية ستتبنى الحركات مشكلات الأمة الإسلامية وإيجاد الحلول لها كتحد جماعي مباشر تواجهه الحركة

ونحن حين نعزم على إيجاد التعاون والتنسيق بين الحركات الإسلامية لا بد أن نبذل الجهد، فنحن عندما نقول كل ما لدينا ونبذل كل ما بوسعنا فلا يهم كم من المشقة تكبدنا ولا كيف خططنا، المهم هو ماذا حققنا.

والحمد لله رب العالمين